لبنان.. حكومة اللَّا جديد

ما زال اعتذار الرئيس المُكلّف نجيب ميقاتي عن تشكيل الحكومة اللبنانية يلوح بالأفق، وسط استمرار المراوحة والتأخير، ما ينعكس بشكل سلبي على كل المستويات، لا سيما على مناخ الدعم الدولي للبنان بعد مؤتمر الدعم الدولي الثالث لمساعدة لبنان بمبادرة فرنسية.

لبنان.. حكومة اللَّا جديد
الخميس 12 آب, 2021   20:41
بيروت – زياد أبو غزالة

بعد أن استقرَّ الحديث سابقاً على أن لبنان يسير في نفقٍ مظلمٍ، تراجع البلد المنكوب اليوم أشواطاً إلى الوراء، وصار لبنان بأكمله هذا النَّفق المظلم، وجميع اللّبنانيين يسيرون فيه بلا أملٍ يهتدون به إلى طريق الخلاص.

وعلى ما يبدو، سيظلُّ لبنان دائماً على موعدٍ من الاعتذار عن الانفراجة. فلا التَّشكيل الحكومي يتمّ، ولا المصائب الَّتي تتوالى على اللّبنانيّين تتناقص.

وكما عاد إلى رئاسة الحكومة نجيب الميقاتي، الوجه القديم الجديد، كذلك ترجع الكلمة القديمة الجديدة إلى الواجهة، ويلوّح الرَّئيس المكلّف بالاعتذار كأسلافه.

فالمحاصصة الوزاريَّة، وربَّما المناطحة الطَّائفيَّة، لن تترك للتَّشكيل مطرحاً، ما دام الرَّئيس اللبنانيّ ميشال عون والأفرقاء السّياسيون مُصرّون على حقائب بعينها.

بنفس قصير.. يلوّح بالاعتذار

لا ريب أنَّ الأجواء السَّائدة في لبنان تنبئ القاصي والدَّاني بأنَّ الخطوة التَّالية المرتقبة لا يمكن أن تخرج عن اعتذار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي. لكنَّ مصادر مطّلعة على مسار التَّأليف تحاول شحذ الهمم ولو بالوهم، فتدَّعي أنَّ "الأبواب ليست مغلقة"، وأن المباحثات ما زالت جارية ولم تنقطع طوال الأيام الماضية. وفيما تؤكّد المصادر أنَّ الساعات المقبلة ستكون حاسمة، تذهب إلى أنَّ الحقائب السّياديَّة لا علاقة لها بالخلاف القائم، وإنَّما الحقائب الخدماتيَّة. فالوقت الجاري يشهد أعمال حسم مسألة توزيع الطوائف على الحقائب. هذا طبعاً فيما تشتدُّ أزمة إصرار زعيم الطَّائفة الدّرزيَّة النَّائب السَّابق وليد جنبلاط على حقيبة الشؤون الاجتماعية، التي فضّلها على حقيبتَي الصَّحَّة والطَّاقة.

وبينما تشير التَّحليلات إلى إصرار جنبلاط بالظَّفر بحقيبة الشّؤون الاجتماعيَّة، يشير متابعون إلى أن رغبة جنبلاط بالحصول على هذه الحقيبة ترتبط بالدَّور الّذي ستحظى به هذه الحقيبة في المستقبل القريب، بسبب المساعدات المتوقَّعة. وأشارت التَّحليلات إلى أنَّ عناد جنبلاط لا يختلف أبداً عن عناد رئيس الجمهوريَّة ميشال عون في الحصول على حقيبة الدَّاخلية في مرحلة الانتخابات.

هذا ورجَّحت مصادر مطَّلعة إلى أنَّ المطالبة العونيَّة بالدَّاخليَّة ترجع إلى أنَّ المسيحيين حرموا ولسنوات طويلة من حقيبتي الداخليَّة والماليَّة، بالإضافة إلى أنَّ وزارة الدَّاخليَّة سبق أن احتُسبت ضمن الحصَّة المسيحية في التَّشكيلة الحريرية، قبل قرار ميقاتي بإعادتها إلى الطّائفة السُّنيَّة.

هكذا إذاً، يحتدم الخلاف السّياسيّ في مذهب الطَّائفيَّة، على حساب مصلحة المواطن، حتَّى لا يكون في الأفق سوى الاعتذار. وفي درج الحقائب المتنازع عليها، تضيع حقيبة أمان اللُّبنانيّين الَّذين يواجهون الذلّ وشبح الموت كلَّ يوم.

حقيقة تتعزَّز مع مرور الوقت، ولا معطيات تنفي حدوثها الحتميّ، فالجمود وغياب المرونة يقربَّان ساعة الاعتذار. كيف لا، وقد صرَّح الرَّئيس المكلَّف بأنَّ عدم تجاوب رئيس الجمهورية معه قد يحمله على الاعتذار عن تأليف الحكومة. ليردّ عون بمقولته للرَّئيس المكلَّف السَّابق سعد الحريري: "حقّي كامل في المشاركة بأسماء الوزراء جميعهم. أمَّا الاعتذار فهو قرارك".

ويترك عون الكرة في ملعب ميقاتي، دون خيارات متاحة ولا إمكانات. وفوق هذا يعيد عون الكرة إلى المربَّع الأوّل. فقد أكَّدت مصادر سياسيَّة أنَّ ميقاتي فوجئ في الجلسة الأخيرة لمباحثات التَّأليف الحكوميّ بنيَّة عون الانقلاب على ما تعهّد به في الجلسة التي سبقتها، عبر مطالبته بنصف أعضاء الحكومة، أي بـ12 وزيراً من أصل 24، بينهم الوزيران المحسوبان على حزب "الطَّاشناق" الأرمنيّ، والنَّائب طلال أرسلان، مما اضطرَّه إلى تجميد البحث في توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف، بعدما قدّم له تصوُّراً أوَّليًّاً في هذا الخصوص، وكان ينتظر منه الإجابة. وهو ما نفاه مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية. مشدداً على أن هذه المعلومات لا أساس لها من الصحة وهي مختلقة جملة وتفصيلاً وتهدف إلى التشويش المقصود على التعاون القائم بين عون وميقاتي.

مصادر سياسيَّة قالت لـ"الشرق الأوسط" إن باريس اضطرت للتَّدخّل لإعادة النّصاب إلى مشاورات التَّأليف، محذّرةً من أنَّ استمرار العراقيل في وجه تأليف الحكومة سيجبرها قبل نهاية الأسبوع الحالي إلى اتّخاذ موقف لا عودة عنه، ضدّ الفريق السّياسيّ المحسوب على عون، وفي المقدّمة رئيس التَّيَّار الوطنيّ الحرّ النَّائب جبران باسيل.

ماذا بعد الاعتذار إلّا الغرق

إذا ما اعتذر الرَّئيس المكلَّف نجيب ميقاتي عن تأليف الحكومة، فهذا يعني العودة مجدَّدًا إلى دائرة الفراغ السّياسيّ؛ الفراغ الَّذي لم يشعر اللبنانيون أصلًا بالنَّجاة منه حتّى يقعوا فيه مجدَّداً.

وبخصوص الاحتمال الأعلى سهماً، ذكر مصدرٌ أمنيٌّ رفيع المستوى أن اعتذار ميقاتي يعني ألَّا حكومة قبل إجراء الانتخابات النّيابيَّة الَّتي باتت مهدَّدة بالفشل. ولفت المصدر إلى أنَّ ما من شخصيَّة سنيَّة ستقبل بالتَّأليف في حال اعتذر ميقاتي.

سياسيّاً، اعتذار ميقاتي سيعزّز ما يمكن تسميته الحرب النَّاعمة بين الأفرقاء. وأيًّا يكن الرَّجل التَّالي ليخلف ميقاتي، فإنَّ الحكومة لن تبصر النَّور أبداً ما دامت الرّئاسة اللبنانيَّة تتمسَّك بشروطها الصَّعبة المعطّلة، وسط تطرّف حزبيّ مدمّر إلى جهة المحاصصة والمصالح الشَّخصيَّة على حساب 10425 كلم مربع ضاقت على أبنائها بما رحبت.

وفيما يخصّ الحالة الاقتصاديَّة المتآكلة، فإنّ الاعتذار عن تشكيل الحكومة يعني المزيد من التَّأخر في إعداد البيان الوزاري، المفترض أن يتضمَّن الإصلاحات ‏الَّتي يشترطها صندوق النَّقد الدَّوليّ والبنك الدوليّ لتقديم المساعدات إلى لبنان وتنشيط عجلة الاقتصاد.

اعتذار ميقاتي، واعتذار أيّ من سيقبل تولّي منصب رئيس الحكومة المكلَّف بعده، لا يعني سوى أمر واحد فقط، وهو الاستمرار في استنزاف مقوّمات الحياة الآدميّة لكل من يسكن الأراضي اللبنانيّة من مواطنين ولاجئين ونازحين وعمَّال أجانب.. الاعتذار وإن كان يبدو شيئاً عاديّاً في دولةٍ تسير عكس التيار وخارج السّرب في كلّ صغيرة وكبيرة وكأنَّها من خارج هذا الكوكب، هذا الاعتذار سيطيل الفاتورة الباهظة والثَّمن من جعبة النّاس المتعبة، وسيطيل ساعات الانتظار في طوابير الذلّ وعدد من صاروا روَّادها الدَّائمين.

اعتذار ميقاتي وغيره، سيبدّد أي بارقة أمل لدى المودعين في البنوك باسترداد أموالهم المنهوبة يوماً، قريباً أم بعيداً. وسيحكم الخناق على لبنان ويغرقه في العتمة أكثر فأكثر وفي الفساد الذي لا يراعي حرمةً للدّماء والكرامات، وبطبيعة الحال الارتهان الخارجي بعيداً عن السّيادة والاستقلال اللذان بقيا شعاراً في أحلام اللبنانيين.

(ح)

ANHA