​​​​​​​مفاوضات عقيمة في درعا.. بحث عن مصالح القوى الإقليمية

على الرغم من المفاوضات المستمرة في درعا للتخفيف من التصعيد، إلا أن المنطقة لاتزال على صفيح ساخن على وقع تهديدات حكومة دمشق بتنفيذ عملية عسكرية فيها، وفي هذا الصدد يرى المحلل السياسي السوري، غياث نعيسة، أن هناك عدة أطراف تلعب دوراً معيقاً أو مسهلاً للمفاوضات لتحقيق مصالحها هي، لا مصالح الشعب السوري المعذب.

​​​​​​​مفاوضات عقيمة في درعا.. بحث عن مصالح القوى الإقليمية
الأحد 8 آب, 2021   06:14
مركز الأخبار - شيماء علي

بعد أكثر من أسبوع، لاتزال درعا تشهد تصعيداً يتمثل بهجمات من مسلحين على مواقع حكومة دمشق في حين تقصف الأخيرة مناطق متعددة في درعا التي تشهد توتراً وحركة نزوح كبيرة للمدنيين مع فشل عدة مفاوضات بين اللجنة الأمنية التابعة لحكومة دمشق وبين اللجنة المركزية في درعا بوساطة روسية.

خروج المطلوبين والهجمات لم تتوقف

وأحد أسباب التصعيد هو مطالبة قوات حكومة دمشق بترحيل بعض قيادات المجموعات المسلحة وتسليم سلاحها. إذ سبق لحكومة دمشق أن طالبت في مفاوضات سابقة بخروج بعض المسلحين من درعا إلى الشمال السوري المحتل من قبل تركيا، ومن هذه الأسماء محمد المسالمة الملقب بـ "الهفو"، ومؤيد الحرفوش الملقب بـ "أبو طعجة".

وتتهم حكومة دمشق محمد المسالمة ومؤيد حرفوش بانتمائهما لجماعات إسلامية متشددة تسمى "حراس الدين".

وكان الهفو قد عارض عدة مرات الخروج من المنطقة، وبحسب، موقع "درعا 24"، "فإن تسجيلات صوتية نشرت في بداية التصعيد في درعا البلد منسوبة لـ "الهفو"، يؤكد فيها رفضه ورفض مجموعته طلب اللجنة الأمنية ترحيله باتجاه الشمال السوري، ويتهم فيها اللجان المركزية المسؤولة عن ملف المفاوضات، وعشيرته آل المسالمة وجميع عشائر درعا، بأنّهم يريدون تسليمه وتهجيره".

وعلى الرغم من معارضتهما الخروج إلا أن "الهفو" و "أبو طعجة" ظهرا في شريط مصور تحدثا فيه عن خروجهما من أحياء درعا البلد، امتثالاً لخيار الترحيل الذي كانت تطلبه اللجنة الأمنية في مدينة درعا.

تعزيزات عسكرية ومحاولات اقتحام

وبحسب موقع "تجمّع أحرار حوران" فإن الفرقة الرابعة والمجموعات الموالية لإيران ما تزال تستقدم تعزيزات عسكرية لها إلى أحياء درعا البلد، وتفرض حصارها عليها منذ 24 حزيران الفائت، وأفشلت العديد من جولات التفاوض مع اللجان في درعا، بسبب إصرارها على خيار الحرب، فضلاً عن قيامها بمحاولات اقتحام شبه يومية للسيطرة عليها، تحت غطاء ناري مكثف.

والمجموعات الموالية لإيران شاركت بشكل كبير في الحملة العسكرية على أحياء درعا البلد، عن طريق مجموعات تابعة لها بشكل مباشر كمجموعات الرضوان، ومجموعة 313، والحرس القومي، كما استخدمت أذرعاً لها في المنطقة وهي الفرقتين الرابعة والتاسعة، وخصوصاً اللواء 42 المعروف باسم قوات الغيث، والذي يتزعمه “غياث دلا”، الذي يرتبط بشكل مباشر مع قيادات في الحرس الثوري الإيراني، الذين بدورهم يقومون بتوجيهه في العمليات العسكرية، بحسب الموقع.

سيطرة هشة

وحول الأوضاع الراهنة في مدينة درعا تحدث المحلل السياسي السوري غياث نعيسة، وقال "واضح أن النظام وعلى الرغم من سيطرته على مناطق واسعة من الأراضي السورية، إلا أنه يعاني من سيطرة هشة في منطقتين، الأولى في السويداء حيث لسيطرته اليد العليا لكنه ترك لجماعات أو بالأحرى لعصابات مسلحة متناحرة مساحة لتتقاتل وتروع السكان، وباعتقاده أن ذلك سيجعل منه منقذاً لهم في أعينهم".

أما المنطقة الثانية الهشة بحسب نعيسة فهي درعا، وأضاف "الوضع مختلف هناك إذ أن سيطرة النظام ليست كاملة بل هو أحد الأطراف، فهناك الروس وفيلقهم الخامس (أو الثامن كما هو اسمه الآن) وأيضاً الإيرانيين وحزب الله".

فتح معبر نصيب

وبيّن نعيسة أهداف حكومة دمشق من التصعيد في درعا، وتابع قائلاً "سمح اتفاق المصالحة قبل ثلاثة أعوام للمقاتلين من المعارضة الاحتفاظ بسلاحهم الفردي، وبقيت قوات النظام بعيدة عن التواجد في عدة بلدات، لا سيما في درعا البلد. والوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به سوريا أحد أهداف سعي حكومة دمشق للسيطرة الكاملة على مدينة درعا، وهذا الوضع من سيطرة جزئية للنظام على جنوب سوريا، لا يفيد، فهذا النظام الذي يعاني من كارثة اقتصادية يرغب بفتح معبر نصيب- الجابر مع الأردن لتوفير بعض الموارد لخزينته الفارغة التي استنفذها في الحرب والفساد".

إسرائيل تفضل سيطرة حكومة دمشق

وأصدرت لجنة التفاوض في درعا البلد، مساء الأربعاء، بياناً حذرت فيه من مشروع "الهيمنة الإيرانية" على جنوب سوريا، وأشارت إلى "استمرار حصار مدينة درعا البلد من قبل قوات النظام والمجموعات الإيرانية الموالية له لمدة أربعين يوماً على التوالي؛ وذلك عقاباً على عدم مشاركة المدينة بمسرحية الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً في سوريا" بحسب ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يعتقد نعيسة أن إسرائيل "تفضل سيطرة النظام على هذه المنطقة، لأنه معروف أن النظام يمنع، وقد منع لعقود من الزمن، إطلاق ولو رصاصة على إسرائيل من الجولان أو من مناطقه الحدودية".

وأضاف "إن مشكلة إسرائيل مع الوجود الإيراني هي أن التدخل الإيراني يشمل "ميليشيات طائفية" عديدة، بالإضافة إلى حزب الله. وهي أطراف لا يمكن ضبطها، من وجهة النظر الإسرائيلية، لذلك هناك نوع من التوافق الإسرائيلي والروسي والغربي أيضاً يفضل وجود قوات نظام الأسد على غيره".

'سحق الثورة'

وأشار السياسي السوري خلال حديثه إلى الحصار المفروض على درعا منذ ما يقارب الشهر ونصف الشهر، وقال "إذن، أصبح للنظام حاجة لبسط سيطرته الكاملة على درعا وسحق بؤرة الثورة، وبدأ بحصار مجرم عليها وجوّع المدنيين، واعتقل واغتال بعض المعارضين له، وحرك قواته لدخول البلدات ودرعا البلد. مطالباً برحيل المقاتلين إلى إدلب وتسليم الأسلحة الفردية. هذه السياسة الفظة والمجرمة لم تترك للناس خياراً آخر سوى المقاومة أو النزوح".

ولفت نعيسة إلى أن "أهالي درعا أثبتوا قدرتهم على مقاومة النظام على الرغم من التكلفة العالية. فلم يحقق النظام هدفه تماماً بالتدخل الروسي بحثاً عن تهدئة الأوضاع في درعا، تراعي مصالح النظام من جهة، ولا تؤدي إلى كارثة إنسانية ترتد على روسيا وتتحمّل مسؤوليتها".

حرية الشعب السوري آخر أولويات الدول الإقليمية

المحلل السياسي السوري غياث نعيسة بيّن أن الأحداث في درعا أثبتت عدة قضايا منها "أن النظام يهدف إلى إركاع السوريين وإذلالهم بكل الوسائل، وأنه نظام غير قابل للإصلاح"، مضيفاً "وتثبت أن الدول الإقليمية لا تعنيها كثيراً حرية السوريين ولا مطالبهم بالكرامة والعدل الاجتماعي بل تعنيها مصالحها، وأخيراً، تثبت أحداث درعا، مرة أخرى، أن نضال السوريين واحد في كل مناطق وجودهم وأن توحيد نضالهم شرط لقدرتهم على مواجهة خصومهم وأعدائهم، وإلا فإن النظام والقوى الدولية والإقليمية سوف تستفرد بالسوريين في كل منطقة وتسحق مطالبهم العادلة بالحرية والكرامة والاستقلال الوطني".

مفاوضات أشبه بلعبة "عض الأصابع"

وعن فشل المفاوضات التي تعقد بشكل شبه يومي في درعا قال غياث نعيسة "هناك بالتأكيد تفاصيل نجهلها، لكن هذه المفاوضات هي أقرب إلى لعبة عض الأصابع والطرف الأقوى فيها هو النظام الذي يرغب كل مرة بالمزيد من التنازلات من الطرف الآخر، والمزيد من الشروط التي ستكون مؤلمة وصعبة على الطرف الآخر بقبولها".

وأضاف في هذا السياق "ما يريده النظام، في نهاية المطاف، هو استعادة سيطرته على الجنوب السوري، مهما كلف الأمر من عنف ووقت".

وتطرق في سياق حديثه إلى أن "المعارضة في درعا لديها أوراق قوة لكنها تبقى محدودة مقارنة بقوة النظام الساحقة، بالإضافة إلى الظروف الكارثية التي يعانيها المدنيون المحاصرون".

مفاوضات حسب المصالح

إلى ذلك ذكر المحلل السياسي غياث نعيسة أن هناك أطرافاً تعيق وتسهل المفاوضات حسب مصالحها، وتابع قائلاً "علينا أن نقرّ أن عدة أطراف تلعب دوراً معيقاً أو مسهلاً للمفاوضات لتحقيق أكثر ما يمكن من مصالحها هي، وليست مصالح الشعب السوري المعذب".

هذا ولايزال الوضع في مدينة درعا يشهد غموضاً مع استمرار القصف والنزوح، بالإضافة إلى عدم نجاح المفاوضات، إذ من المتوقع أن تشهد تطورات جديدة خلال الأيام القادمة.

وفي ختام حديثه، اعتبر السياسي السوري غياث نعيسة وحدة نضال الجماهير السورية وقواها الديمقراطية في كل أماكن وجودها شرطاً للمقاومة ومتابعة النضال من أجل سوريا حرة ومستقلة وديمقراطية، خالية من كل أنواع الاستبداد والاستغلال والوصاية والاحتلال.

(ح)

ANHA