محاكمة مرتزقة داعش.. ما بين الإهمال الدولي والقلق التركي والتحذير من انفجار القنبلة الموقوتة

​​​​​​​في وقت تستمر فيه النقاشات مع القوى الدولية لإنشاء محكمة دولية لمحاكمة مرتزقة داعش وعوائلهم ، حذر باحث في الإرهاب الدولي من أن تلك السجون والمخيمات "ستكون مفارخ للإرهاب وقد تتعرض لهجمات إرهابية لإخراج هؤلاء كما حدث في أفغانستان".

محاكمة مرتزقة داعش.. ما بين الإهمال الدولي والقلق التركي والتحذير من انفجار القنبلة الموقوتة
الإثنين 26 تموز, 2021   03:23
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

لا تزال قضية مرتزقة داعش الأجانب المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية ومعهم الآلاف من أفراد عوائلهم عصية على الحل بالرغم من الاجتماعات الدولية المكثفة خلال الفترة الماضية والتي كانت من المتوقع أن تخرج بقرار حول ذلك.

وترأست الولايات المتحدة الأميركية اجتماعاً حول سوريا في 28 يونيو/حزيران الماضي، بالعاصمة الإيطالية روما، بمشاركة دول كبرى معنية بالملف السوري، وذلك على هامش الاجتماع الخاص بالتحالف الدولي ضد داعش.

وكان من المقرر بحسب تقارير إعلامية أن يناقش الاجتماع موضوع مكافحة داعش ويعالج موضوع عوائل المرتزقة الموجودة في مخيمات بشمال وشرق سوريا.

إلا أن المفاجئ كان توسيع دائرة الاجتماع لتضم وزراء خارجية "السبع الكبار" و "المجموعة المصغرة"، إلى جانب تركيا وقطر المعروفتين بدورهما السلبي في سوريا والمنطقة بشكل عام، حيث أكدت تقارير دولية تورط هاتين الدولتين بدعم تنظيمات إرهابية، كما تسعى تركيا لإفشال أي حراك دولي يساهم في حل أزمات المنطقة كما فعلت بملف المساعدات الإنسانية.

ينتمون لأكثر من 50 دولة.. فرهاد شامي يكشف عن عدد معتقلي مرتزقة داعش وعوائلهم

مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية فرهاد شامي وخلال حديثه لوكالتنا كشف عن إحصائية تقريبية لعدد هؤلاء المرتزقة وعوائلهم قائلًا: "سجون مناطق شمال وشرق سوريا تحوي أكثر من 12 ألف معتقل من مرتزقة داعش، ينتمون لأكثر من 50 دولة أجنبية أوروبية وآسيوية، إضافة إلى الدول العربية وفي مقدمتها العراق. إلى جانب هؤلاء لدينا أكثر من 70 ألفاً من عوائل مرتزقة داعش والمؤيدين له في المخيمات".

وحذر شامي من خطورة ذلك "هؤلاء يشكلون قنبلة موقوتة وخطيرة ليست لمناطقنا فقط، إنما على الأمن والسلم العالمي بأكمله، وخاصة في ظلّ وجود عدد كبير من الأطفال هناك والذين يتلقون الدروس التحريضية على الإرهاب من أمهاتهن".

عبر زيارات سرية وعلنية.. مسؤولين دوليين لمسوا خطورة السجون والمخيمات

وحول دور المجتمع الدولي قال شامي: "أكثر من مرة دعونا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، حيث كانت هناك زيارات رسمية علنية وسرية لعدد من المسؤولين الدوليين إلى المعتقلات والمخيمات. هم شاهدوا بأعينهم أوضاع هؤلاء المعتقلين وتلمسوا خطورتها، حيث اعترف عدد منهم بخطورة القضية وضرورة إيجاد الحل بشكل عاجل".

وأضاف: "ملف المعتقلين وكذلك المخيمات من أهم الملفات التي يستند لها داعش في حملات التحريض وتجنيد المقاتلين ومحاولة إعادة التنظيم، هو يستفيد بشكل كبير من هؤلاء في رسائله التحريضية على القتل والإرهاب، ويحاول قدر الإمكان إعادة تجميع قواه للوصول لهؤلاء أو محاولة تخليصهم بكافة الطرق".

وأشار إلى أن "أي غموض حول مصير هذا الملف سيستفيد منه داعش فقط، المصير المجهول لهؤلاء يخلق الأمل لدى خلايا داعش ومتزعميه بإمكانية الاستفادة من هؤلاء والوصول إليهم، أما البت في مصيرهم ومحاسبتهم على جرائمهم وإحقاق العدالة للضحايا سيُفقد داعش الأمل وسيخلق لديه التردد للاستفادة من هذا الملف مجدداً".

تحذير من عمليات إرهابية لإخراج هؤلاء كما حدث في أفغانستان

وعلى الرغم من عمل التحالف الدولي ضد داعش لسنوات إلا أن الأخير لا يزال يبحث عن تفعيل نشاطه ويعتمد في ذلك على معتقليه الأجانب الموجودين لدى قوات سوريا الديمقراطية ومخيم الهول والذي يعد من أخطر المخيمات في العالم.

وفي وقت سابق أصدر مرتزقة داعش رسالة إلى عناصره في جميع أنحاء العالم. ونشرت الرسالة الصوتية التي نقلها المتحدث باسم المرتزقة "أبو حمزة القرشي" عبر منابر المرتزقة على تطبيق المراسلة تليغرام.

ووجه المتحدث رسالة إلى المرتزقة الأجانب المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية والقوات العراقية، داعياً المرتزقة للعمل على إخراجهم متعهداً بتنفيذ ذلك.

وفي خطوة غير معتادة، وعد القرشي بمكافأة مالية للمرتزقة الذين يغتالون القضاة وغيرهم من أعضاء القضاء الذين قال إنهم متواطئون في سجن أعضاء داعش.

الخبير في الجماعات الإسلامية والإرهاب الدولي مصطفى أمين أكد "خطورة بقاء الأزمة دون حل ملموس حالياً" وقال: "حذرنا منها مراراً وتكراراً، هذه الخطورة والإهمال نتج عنه هذا التمدد الواضح للتنظيم وتوسعه في المحافظات العراقية والسورية".

وأضاف: "لا زالت معظم العناصر لديها علاقات تواصل بشكل أو بآخر مع هذه العوائل وأيضاً مع الموجودين في السجون وأعتقد أن المرحلة القادمة ستكون هي إخراج هؤلاء المجرمين من السجون في سوريا عبر عمليات إرهابية كما حدث في أفغانستان".

وتابع: "بالتالي الأمر خطير ومعقد وتبقى هذه الأماكن والمواقع مفارخ لدعم التنظيم وإمداده بالمقاتلين باعتبار أن الصغار الموجودين في هذه المخيمات من كان عمره عشرة سنوات أصبح عمره ما بين الـ12 و الـ14 عام وبالتالي أصبح هناك جيل من اليافعين ينتظر الانضمام إلى التنظيم خاصة أنه لا توجد معالجة حقيقية للفكر المتطرف في عقول المقيمين بهذه المخيمات التي تشكل عبئاً كبيراً على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية".

شامي: دعوات دولية إيجابية لكنها نظرية ومواقف بعض الدول غير أخلاقية

وحول جدية الدعوات الدولية لحل هذه القضية قال فرهاد شامي: "هناك دعوات دولية وخاصة من عدد من الدول ضمن التحالف الدولي، أحياناً تكون جماعية وهو الأهم، وأحياناً تكون ضغوطات فردية من قبل بعض الدول كأميركا".

وأكد أن "هذه الدعوات مهمة، وخاصة أنها توافقنا الرأي بتقديم من ارتكب جرائم إلى العدالة وضرورة أن يصل الضحايا إلى العدالة ورؤية المجرمين وهم يلقون مصيرهم المحتوم في المحاسبة، كما أن هناك فريق تحقيق تابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها داعش في سوريا والعراق، العمل هناك بطيء، ولكنه هام".

وأضاف شامي: "على الرغم من أهمية الدعوات إلا أنها تبقى في الإطار النظري وتكون متأخرة في أغلب الأحيان وغير متوافقة مع حجم القضية. نعتقد، أن القضية بحاجة إلى خطوات عملية أكثر حزماً، بعض الدول وخاصة التي لديها رعايا من المعتقلين تفكر بشكل ضيّق ولا تأخذ الخطورة التي يشكلها هؤلاء كتهديد مستقبلي محتمل على دولها ومواطنيها لطالما هم معتقلون لدينا الآن".

وأشار إلى أن "بعض الدول الأخرى، تركّز على أن ترى رعاياها المجرمين خارج بلدانهم بأي شكل كانوا، ودول أخرى تؤثر قضية رعاياها المعتقلين على سياساتها الداخلية وتحاول الاستفادة من هذه القضية في أوقات الانتخابات، كل تلك التصرفات غير أخلاقية وبعيدة عن الالتزام الإنساني، وتضر بجهود القضاء على داعش وخلاياه الإرهابية وتفتح المجال أمام مستقبل غامض في هذه القضية".

حلول فردية تشتت القضية

وتابع: "قضية معتقلي داعش تخصّ المجتمع الدولي عموماً، هناك بعض الأطراف تدعو للتعامل مع هذه القضية بشكل منفرد، أي كل دولة لديها رعايا يجب أن تتصرف لوحدها، وهذا هو الخطأ، يجب أن تكون هناك محكمة دولية خاصة بكل المعتقلين، المقاربات الفردية لن تحل المشكلة بل ستشتت القضية وتجعلها بسيطة، ولن يحصل كافة الضحايا على حقوقهم".

هناك دول يخيفها التدقيق في ملفات الإرهابيين

ووجه مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية أصابع الاتهام لدول معينة قائلاً: "كانت هناك نداءات ومطالبات قبل الاجتماع الأخير للتحالف الدولي، هناك دول في التحالف تضغط لحسم هذه القضية ومحاسبة داعش، ولكن في المقابل، هناك بعض الدول تتغاضى عن هذه القضية، ودول أخرى يخيفها التدقيق في ملفات الإرهابيين المعتقلين، كتركيا، التي فتحت الحدود على مصراعيها وقدمت كافة التسهيلات لعناصر داعش للوصول إلى الأراضي السورية ومن ثم قدمت لهم كافة الدعم الاستخباراتي والعسكري وقدمت اللجوء لمرتزقته الهاربين من الباغوز وهم موجودون في المناطق المحتلة في عفرين وتل أبيض ورأس العين".

ونوه شامي إلى أنه "في حال تشكيل أي محكمة دولية بحضور قضاة محترفين فإنه لن يكون بإمكان أحد إنكار الدعم التركي لهؤلاء المرتزقة، حينها ستنكشف جميع وثائق الدعم التركي للتنظيم الإرهابي".

قسد اقترحت إنشاء محكمة دولية على أراضيها والنقاشات مستمرة

مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية كشف عن فحوى نقاشاتهم مع القوى الدولية حول ذلك قائلاً: "اقترحنا إنشاء محكمة دولية مستقلة على أراضينا حيث ارتكب هؤلاء العناصر جرائمهم هنا، هذه المحكمة ستضمن محاسبة عادلة لعناصر داعش وتعزز الحماية للضحايا، وكذلك ستحمي السلم الأهلي وهي الأساس لأي نجاح في حلّ هذه القضية وترسيخ النصر الذي حققناه على داعش".

وأوضح أن "إنشاء المحكمة هنا ستضمن حضور جميع الضحايا للجلسات وكذلك إيصال الأدلة والوثائق بشكل مؤمن. وحتى تتشكل المحكمة يجب أن يتم توفير الحماية الدولية لمناطق شمال وشرق سوريا، تحمي المنطقة من الهجمات المحتملة وكذلك تحمي الأدلة والضحايا وتضمن العدالة بعيداً عن التدخلات الخارجية".

وأضاف: "تمكنا من خلال مناقشاتنا ولقاءاتنا مع شركائنا في إقناع كثير من الأطراف وحثهم على دعم هذا المقترح، وهناك توافق عام بضرورة إيجاد آلية قانونية مناسبة لحسم هذا الملف، إلا أنه ليس هناك اتفاق نهائي بهذا الخصوص إلى الآن".

وحول خطط قوات سوريا الديمقراطية قال شامي: "الجهاز القضائي في شمال وشرق سوريا بدأ منذ مدة بمحاكمة العناصر المحلية لداعش، ونعتقد بأن أي تأخير في حلّ قضية المعتقلين أصحاب الجنسيات الأجنبية ستدفع بالجهات المسؤولة إلى البدء بمحاكمتهم وفق القوانين المحلية".

وشدد شامي على أن قضية معتقلي داعش قضية دولية وجماعية وليست فردية، وأي حلّ لا بد أن يستند إلى حقيقة أن عناصر ارتكبوا الجرائم بحق مجتمعات بأكملها استناداً إلى فكر متطرف ورسائل تحريضية على الإرهاب والجريمة.

استراتيجية دولية غير واضحة

الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية والإرهاب الدولي مصطفى أمين يقول في سياق عدم جدية المجتمع الدولي لمحاسبة داعش: "عدم جدية المجتمع الدولي في حل قضية مرتزقة داعش وعوائلهم يعود إلى عدم وجود رؤية واستراتيجية واضحة لحل هذه القضية الشائكة والمعقدة التي بدأت تنمو مع نمو التنظيم وإعادة تموضعه مرة أخرى في جغرافيات جديدة وفي خلايا جديدة أصبحت منتشرة على امتداد الأراضي العراقية تقريباً وأيضاً بشكل كبير في الشمال السوري وبدأت توجه عمليات واضحة واستنزافية للقوات العراقية وقوات سوريا الديمقراطية وقوات الحكومة السورية".

وأضاف: "قضية العوائل والمحتجزين من داعش لدى قوات سوريا الديمقراطية لم ينظر عليها أنها قضية ربما يترتب عليها آثار كارثية في المستقبل بل نظر عليها أنها مجرد حل مؤقت ريثما يجدوا حلاً آخر لها في المستقبل، ولكن مع تعقد المسألة ومع تدقيق بقايا تنظيم داعش على هذه السجون والمخيمات وهذه العوائل أصبحت المسألة تأخذ منحى أكثر تعقيداً وخطورة ويمكن أن تشكل حافزاً لاستمرار بعض المقاتلين والخلايا في عملهم وانضمامهم للتنظيم باعتبار أن هذه العوائل تهمهم في المقام الأول وتمثل أسرهم وبالتالي يحاولون إيجاد خطط وآليات لإخراجهم".

أميركا تنسحب وأوروبا مأزومة.. من سيتحمل المسؤولية؟

وحول فشل الاجتماعات الدولية أشار إلى أن "اجتماع التحالف الدولي في إيطاليا كان أقرب إلى الكلمة منه إلى استحداث آليات حقيقية لحل مشكلة عوائل داعش ومقاتلي داعش في السجون. التحالف الدولي لا يزال يطلق تصريحات رنانة وفارغة من المضمون بينما على أرض الواقع لا يمارس نفس قوة هذه التصريحات. التحالف الدولي يستطيع أن يعيد مرة أخرى قوته العسكرية ويوجه عمليات دعم واضحة لقوات سوريا الديمقراطية في القضاء على بقايا الإرهاب".

وأشار أمين إلى أن "التحالف الدولي يستطيع أن يفعل الكثير لكنه لا يفعل والواضح أن الدول المشاركة فيه تخشى من الكلفة المالية ومن سيتحمل هذه الكلفة المالية الهائلة هل الولايات المتحدة الأميركية التي تنسحب من الشرق الأوسط سواء من أفغانستان أو العراق أم الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من مشاكل وأزمات مالية".

حل سريع أم كوارث مقبلة

وحول الحل الأفضل لذلك رأى أمين "أولاً، إنشاء محكمة دولية توضع آلياتها من قبل الدول الغربية بالتعاون مع الدول الإقليمية المعنية بهذا الملف ومحاكمتهم وإعادة كل شخص أدين إلى موطنه الأساسي، ثانياً تكوين محاكم خاصة داخل سوريا والعراق لمحاكمة الأشخاص المدانين في هذه الأعمال، ثالثاً، تمويل برامج إعادة تأهيل الأطفال والنساء الذين لم يتلوثوا بعمليات القتل والترويع التي قام بها داعش وإعادة إدماجهم مرة ثانية في الحياة المدنية كل في دولته".

وفي ختام حديثه قال أمين: "الإدارة الذاتية لا يجب عليها أن تتحمل أي عبء سوى المتعلق بالسوريين، وتكاليف هذه الرعاية يجب أن تقوم بها القوى الغربية والإقليمية والمجتمع الدولي بشكل عام. القوى الدولية عليها مسؤولية ضخمة ومهمة يجب أن تقوم بها وهي إنهاء هذا التكتل البشري الذي يمثل بؤرة لإمداد عناصر داعش بالقوة الذاتية والقتالية والمعنوية يجب إنهاء هذا الأمر فوراً وإلا سننتظر كوارث قادمة وأعتقد أن إرهاصاتها ومقدمتها نراها في الوقت الحالي".

(ح)

ANHA