​​​​​​​عيد الأضحى يحلّ حزيناً على اللبنانيين في ظل ضائقة اقتصادية 

يحلّ عيد الأضحى هذا العام حزيناً على اللبنانيين، في ظل أزمة اقتصادية سببت الأسى والقهر والضائقة المعيشية وسلبت من اللبنانيين طعم العيد والفرحة.

​​​​​​​عيد الأضحى يحلّ حزيناً على اللبنانيين في ظل ضائقة اقتصادية 
الثلاثاء 20 تموز, 2021   03:01
بيروت – زياد أبو غزالة

تغيب مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى عن المدن اللبنانية هذا العام، بسبب الضائقة الاقتصادية التي يمر بها، وتدهور سعر صرف الليرة اللبنانية والغلاء الفاحش الذي طال المواد الغذائية. فمتاجر اللحوم والمسالخ التي اعتادت أن تكتظ بروّادها مع اقتراب موعد عيد الأضحى، تظهر شبه خالية من اللحوم مع تراجع كبير في عدد الزبائن.

اعتاد أبو محمد حلبي في كل عيد أضحى أن يذبح خروفاً ويوزع لحمه على الفقراء، لكنه يشعر اليوم بغصّة كبيرة لعدم قدرته على أداء هذه الشعيرة على الرغم من كونه جزاراً، بسبب الانهيار الاقتصادي الذي يرهق اللبنانيين منذ أشهر. يقف أبو محمد مكتوف اليدين داخل محله لبيع اللحوم ومعالم اليأس على وجهه. لكنها سرعان ما تتغيّر مع دخول أحد الزبائن.

ويقول حلبي لوكالتنا: "هذا العام هو الأسوأ في مصلحتنا بسبب الغلاء الفاحش" مضيفاً: "يأتي موسم عيد الأضحى من دون أيّ إقبال على شراء اللحوم أو طلبات من الزبائن لذبح الخراف" لتقديمها كأضحية.

وعلى غير عادة، يخلو المحل من اللحوم المعلّقة على الواجهة، باستثناء حصّة صغيرة يسارع لوضعها في البراد لحظة توفّر التيار الكهربائي الذي ينقطع لساعات طويلة.

ويشرح الرجل الذي يعمل في هذا المهنة منذ خمسة وثلاثين عاماً: "بسبب تحكّم السوق السوداء بقطاع اللحوم، بات ثمن الخروف لا يقلّ عن 3 ملايين ليرة لبنانية" بينما كان العام الماضي بحدود 600 ألف ليرة".

عيد بأي حال؟

وتقول أم طارق، وهي أم لخمسة أطفال، في السوق الرئيس لصيدا: "أي عيد؟ انظر حولك، هل يبدو لك هذا كسوق في وقت عيد؟ أين الناس؟".

ويمتلك زوجها متجراً لبيع الحلوى ولكنه بالكاد يتمكن الآن من توفير الطعام لأسرته. وقالت أم طارق "إنه لو حالفهم الحظ سيمكنهم شراء البطيخ للعيد. وأضافت: "لقد اشتريناه مرة واحدة فقط هذا الموسم..".

ويقول درويش سرحان، الذي يدير متجر أحذية تملكه أسرته منذ ستة عقود "في العادة كنت تشق طريقك بصعوبة في هذا السوق خلال العيد". ويعتزم إغلاق المتجر بعد العيد.

"البالة" تنتعش

وأمام هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة على الكثير من الشعب اللبناني، استعادت أسواق "البالة" زخمها ونشاطها بعد الأزمة الاقتصادية، رغم شكاوى العاملين فيها. وتاريخياً، تعود ظاهرة انتشار البالات إلى ما قبل الحرب الأهلية عام 1975، وتعتبر طرابلس من أقدم المدن اللبنانية في هذا المجال، إذ بدأت تنتشر بالاتها في خمسينيات القرن الماضي، وفق ما يشير بعض التجار العاملين فيها.

ومنذ عام 2007، توسعت بالات طرابلس، تزامناً مع تنفيذ "مشروع الإرث الثقافي" الذي أقرته بلدية طرابلس بكلفة ناهزت 45 مليون دولار، وجرى على إثره سقف مساحة كبيرة من نهر "أبو علي". وقد أثار المشروع سجالات كثيرة في المدينة على قاعدة أنه يساهم في تشويه النهر بدل تأهيله.

وخلافاً لأهداف المشروع، يوجد حالياً على سقف نهر "أبو علي" نحو 280 بسطة للألبسة والأحذية، بحسب أرقام بلدية طرابلس، ناهيك عن عشرات محلات البالة المنتشرة حوله، ويشغلها مئات العمال اللبنانيين ومن اللاجئين السوريين.

وعلى الجسر أيضاً، تتراكم أطنان من الألبسة والأحذية المستعملة، يوضع بعضها في مستوعبات خشبية أو حديدية، وبعضها الآخر معلق على الجدران أو يتدلى من سقوف خيم النايلون.

ركود تجاري في بيروت

أحمد أبو دراع صاحب محل لبيع المكسّرات يقول إن حصيلة المترددين على محله لم يتجاوز 5 أشخاص، ويضيف: "اقتصرت مشترياتهم على الاحتياجات الأساسية فقط".

فيما أوضح صاحب محل لبيع الملابس في منطقة "مار إلياس" التجارية ببيروت، أن التخفيضات وصلت إلى 70 % ومع ذلك لم تجذب المواطنين على الشراء. ويتساءل: مَن سيشتري وغالبيّة العائلات الميسورة باتت دون عمل أو مصدر رزق؟.

بدوره، أكد عماد الحلو، صاحب محل لبيع الحلوى منذ 30 عاماً في بيروت، أن الأعباء الاقتصادية على اللبنانيين جعلت من الحلوى سلعة ترفيهية وليست أساسية في العيد. ويتابع: "عَرضت جميع أنواع الحلوى مثل كل عام، لكن البيع اقتصر على أرخص الأنواع".

وقالت أم حسين (40 عاماً، ربة منزل): "الفرحة غائبة هذا العيد، كما العيد السابق حتى لو لم توجد كورونا، فلم يعد باستطاعتنا اصطحاب الأطفال إلى مدينة الملاهي بسبب الظروف الاقتصادية".

أيادٍ تتلاعب بسعر الصرف

وأكد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، أن "اعتذار الرئيس سعد الحريري أحدث خضة كبيرة تعكس أن الفراغ سيطول واستنزاف الدولار وطبع الليرة سيكونان أكثر، ما يفقد الليرة من قيمتها وبالتالي يجعل الطلب على الدولار أكبر"، مستغرباً في الوقت نفسه "الارتفاع الذي سجّله الدولار مؤخراً"، قائلاً: "هناك أيادٍ تتلاعب بسعر الصرف والتطبيقات لا تعكس الواقع الحقيقي". 

وأشار عجاقة في تصريحات صحفية إلى أن "هناك مخاوف اقتصادية بينها تأخر حصول لبنان على حصته من صندوق النقد الدولي إذا لم تكن هناك حكومة تفاوض الصندوق"، معتبراً أن "اعتذار الحريري يعني تأخراً في جلب هذه الأموال".

كما دعا حكومة الرئيس حسان دياب إلى ضبط الاحتكار والأسعار، "لأنه إذا ترك البلد في هذه الفوضى، فاللبناني سيعاني والأمر قد يتطور إلى عنف في الشارع". وأوضح أن "لبنان لم يصل بعد إلى الانهيار التام"، لافتاً إلى أن "هناك سببين اقتصاديين يدفعان إلى الغضب الشعبي الكبير هما: البنزين والخبز".

77  في المئة لا تستطيع شراء الطعام

وأشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"، إلى أن 77 في المئة من الأسر اللبنانية لا تجد ما يكفي من المال لشراء الطعام خلال الشهر الحالي. وجاء ذلك في سياق تقرير نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية تناول الأوضاع المعيشية المتردية في لبنان، حيث جاء تحت عنوان "المواد الغذائية والأدوية تنفد في لبنان وسط انهيار الاقتصاد".

واستعرضت الصحيفة العديد من أسباب انهيار الاقتصاد اللبناني، مؤكدة أنه أسوأ من انهيار وول ستريت من حيث القيمة المطلقة، وأنه "لم يسبق له مثيل في التاريخ من حيث الحجم بالنسبة لدولة واحدة". وسلطت الصحيفة الضوء على نسبة الفقر في لبنان قبل عامين، حيث بلغت نحو 26 %، بحسب البنك الدولي، مما يشير إلى صورة لبنان كدولة مزدهرة في ظل وجود طبقة وسطى مهيمنة غير معتادة في العالم العربي غير الغني بالنفط.

وحللت الصحيفة الوضع الحالي في لبنان قائلة إن البلاد "عالقة في صدع جيوسياسي، حيث يقف سكانها الشيعة في معسكر إيران وسورية، فيما يتلقى السنة دعماً تاريخياً من السعودية، أما مسيحيوها فممزقون بين الشرق والغرب". وفي وقت سابق، حثت فرنسا لبنان على اختيار رئيس وزراء جديد في أقرب وقت ممكن، وذلك بعد أن اعتذر الرئيس المكلف سعد الحريري عن تشكيل حكومة جديدة بعد جهود استمرت شهوراً.

(ح)

ANHA