لبنان.. ماذا بعد اعتذار الحريري؟

بعد اعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري عن عدم تشكيل الحكومة اللبنانية وفق المبادرة الفرنسية، يدخل لبنان مرحلة المجهول، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. لكن ما الذي ينتظر لبنان واللبنانيين في الأيام المقبلة؟

لبنان.. ماذا بعد اعتذار الحريري؟
الإثنين 19 تموز, 2021   02:36
بيروت – زياد أبو غزالة

يدخل لبنان بعد تسعة أشهر من التكليف منعطفاً جديداً، جراء اعتذار رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري عن تشكيل الحكومة، وهو ما من شأنه أن يعمق الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية التي يُخشى أن تتردى فيها البلاد أكثر فأكثر.

ويُجمع المراقبون للمشهد اللبناني أنّ البلاد مقبلة على أصعب مرحلة مرّت بها منذ زمن، بحيث تتزامن الأزمة السياسية الحادة مع أزمتين مالية واقتصادية غير مسبوقتين، ما يمهد لتطورات أمنية وفوضى لا يمكن تكهّن حجمها ولا كيف تنتهي.

ماذا بعد الاعتذار؟

قدّم الحريري اعتذاره عن تأليف الحكومة كما كان متوقعاً، رغم النصائح التي أُسديت إليه (إحداها من مصر) بوجوب عدم الاعتذار.. وبصرف النظر عن الأسباب التي أدت إلى اعتذار الحريري، السؤال الأبرز: ما الذي ينتظر لبنان واللبنانيون في الأيام المقبلة؟

المحلل السياسي اللبناني وفيق إبراهيم قال لوكالتنا إن مرحلة ما بعد اعتذار الحريري ستكون أصعب من كل النواحي، فالأمور في الشارع يمكن أن تتطوّر ويحدث انفلات أمني، فتنطلق احتجاجات واعتصامات لأنصار الحريري، قد تتحوّل لاشتباكات ومواجهات مباشرة مع أنصار أحزاب أخرى، وبخاصة "التيار الوطني الحر"، باعتبار أن الاحتقان الأكبر هو بين الطرفين في هذه المرحلة. من دون استبعاد تطور الأمور أكثر باتجاه فوضى شاملة وحرب، تستدعي التدخل الدولي المباشر وتدويل الأزمة التي بدأ الحديث عنها والترويج لها قبل فترة، وهذا ما ظهر من بعض الإشارات في هذا الاتجاه قبل أيام، وبخاصة حركة سفيرتي واشنطن وباريس باتجاه الرياض.

ويؤكد إبراهيم أن "النصف الثاني من شهر تموز وشهر آب سيكونان أشد حرارة من الطقس والأخطر منذ ما قبل الاستقلال اللبناني، بحيث أنّ الكيان اللبناني ككل بات مهدداً، فالأزمة الراهنة لم تعد أزمة سياسية، إنما أزمة وجود لبنان الذي عرفناه منذ تأسيسه".

أما السيناريو الثاني فيقول إبراهيم هو "استيعاب التحركات في الشارع سريعاً لعدم رغبة القسم الأكبر من القوى بالدخول في مواجهة مباشرة مع بعضها البعض، ما يؤدي إلى استيعاب نقمة شارع "المستقبل" والنقمة السنّية سريعاً بجهود ومساع دولية، على أن يلي ذلك تسمية شخصية قريبة من الحريري ودار الفتوى تتولى تشكيل حكومة، تدير الانهيار والانتخابات النيابية المقبلة".

والمؤكد أن السّير بهذا السيناريو، لن يكون سهلاً وسلساً، باعتبار أن الحريري كما "نادي رؤساء الحكومات السابقين" لا يبدون على الإطلاق حالياً، بصدد تقديم تنازل من هذا النوع، ما يحتم خضات متنوعة سياسية وأمنية تسبق تنفيذ هذا السيناريو.

أما السيناريو الثالث فهو أن يتّحد فيه "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" ليفرضا من جديد مرشحهما لرئاسة الحكومة، فإما تكون شخصية كالنائب فيصل كرامي أو على غرار حسان دياب، علماً أن الرئيس اللبناني ميشال عون يدفع باتجاه تكليف كرامي بقراءة استشرافية للواقعين الإقليمي والدولي في ظل المفاوضات الناشطة، والتي يبدو أنها أوشكت الوصول إلى نهايتها وبخاصة بين واشنطن وطهران، ما يرجح أن يعيد تعويم دور دمشق، وإن كان ليس بالسرعة التي يعتقدها البعض.

تدخل دولي؟

عملياً اعتذار الحريري يعني ذلك الفراغ الذي يدعي الحريري أنه ضده! الفراغ في الوضع الحالي، غير الطبيعي وغير السليم، لمؤذٍ، وقد يستجدي تدخلاً دولياً بهامش وصاية أوسع، بذريعة أن البلاد تنهار وتحتاج إلى حكومة، ورجال هذا البلد عصاة على الحل. وخطوة الحريري يمكن إدراجها في خانة "استجداء التدويل" وفي هذه الحالة قد تتوفر ظروف التدخل بشكل أنشط، ولما لا، قد تصبح بعض الدول في وارد إجراء "تدوير" على مفهوم "مجلس القناصل" وجعله "مجلس انتداب"! يفرض – أو يحاول أن يفرض – تحت خطر الفراغ وتعميق الانهيار رئيساً لمجلس الوزراء. وفي ظل أن تلك الدول، لا ترى حالياً أمامها سوى الانتخابات النيابية التي تسعى من ورائها إلى إعادة إنتاج السلطة وفق معاييرها، قد تجد من هذه الذريعة باباً إضافياً للتدخل، وقد يؤدي ذلك في حال حصوله إلى اشتباك داخلي أوسع في ظل رفض شريحة لبنانية سياسية واسعة "منطق الإملاء". ولعدم الوصول إلى هذه المرحلة، تردّد بُعيد الاعتذار أن "الثنائي الشيعي" سيعيد تنشيط محرّكاته باتجاه أن يناقش الحريري باعتذاره عندما تنجلي العاصفة، ولحينه، سنمضي إلى مواجهة مفتوحة.

ولكن ماذا عن اقتراح تسمية رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي؟ عملياً، الرجل أبلغ إلى زملائه في "نادي الأربعة" عدم رغبته في المهمة، لكن كلام الصالونات يشير عكس ذلك. يتحدث عن أن ميقاتي قد يقبل في حال توفّرت له المقومات والالتزامات. ويُحكى في هذا الإطار أن ميقاتي "يربط الموافقة على المهمة بإعادة تكليفه مجدداً لرئاسة حكومة ما بعد الانتخابات"، لسببين: لكونه يحمل "برنامج عمل" ومحال تطبيقه ضمن مهلة 9 أشهر، وتعويضه عن عزوفه عن الترشح للانتخابات، وثمن هذه الأخيرة يفترض أن يقبضه من الحريري حيث ستُجيّر لصالحه قاعدة ميقاتي الشعبية الطرابلسية.

الأزمة الاقتصادية تتصاعد

انهيار العملة الوطنية مسألة طبيعية بالنسبة للذي يحصل ولكن السرعة الهائلة لارتفاع سعر صرف الدولار يطرح تساؤلات واستنتاجات، وهي أن البعض من المتضررين من اعتذار الحريري أو الأطراف السياسية المؤيدة له أو حتى المناهضة لعون وباسيل ساهمت بالتلاعب والمضاربة على العملة وذلك لتحميل الأخيرين مسؤولية الانهيار.

وقالت مصادر اقتصادية إنه "نظراً إلى الواقع وبما أننا بفراغ سياسي فالأزمة المالية والنقدية من غير المنتظر أن تهدأ بل العكس فمن الممكن أن نذهب إلى منحى متصاعد وتؤدي إلى انفجارٍ اجتماعي فالحل يبدأ من تشكيل حكومة، وما دام هذا الخيار غير متوفر فمن الصعب أن نلمس تراجعاً بحدة الأزمة الاقتصادية".

وفيما يخص التفاؤل والحديث عن أموال من صندوق النقد الدولي تقدر بنحو 900 مليون دولار من المرتقب ضخها في لبنان، أكدت المصادر أن هذا الأمر أعطى السلطة راحةً نوعاً ما، بأن هناك المزيد من الوقت يمكن أن تستفيد منه، ولكن هذا الأمر لم يوضحه بالضبط صندوق النقد فهو لم يحدد ما المقومات أو الدوافع التي تدفعه لضخ هذه الأموال في لبنان ومن غير المنتظر أن يضخ صندوق النقد دولاراً واحداً من دون أن يلمس نية حقيقية بتشكيل حكومة والمباشرة بالإصلاحات".

إذاً الدعم مرتبط بالإصلاحات كما تقول الحكاية والإصلاحات مرتبطة بحكومة فاعلة تستطيع أن تعطي ثقة للمواطن بالدرجة الأولى، فهل من حكومة تحديات، قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبيل الانتخابات النيابية؟

ردود خارجية

وفي ردود الفعل الخارجية اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان أن الإخفاق في تشكيل حكومة لبنانية جديدة أمر مروع، وانتقد الطبقة السياسية التي تحكم البلاد بأكملها.

واعتبر لودريان أن اعتذار الحريري بعدم تشكيل حكومة يشكل "فصلاً مأساوياً إضافياً في عجز المسؤولين اللبنانيين عن إيجاد حل للأزمة في ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي" في البلاد.

وقال "هذا التدمير الذاتي المستمر شهد للتو فصلاً جديداً، ولكن لا يزال الوقت متاحاً للنهوض مجدداً. هذا الأمر يضع السياسيين اللبنانيين أمام مسؤولياتهم"، مبدياً أسفه لاتخاذ الحريري قراره قبل أيام من الذكرى الأولى للانفجار المروع بمرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب 2020.

وفي حديث للصحافيين بالأمم المتحدة في نيويورك، قال الوزير الفرنسي "ما فهمته هو أن رئيس الوزراء المكلف الحريري عرض تشكيل حكومة على الرئيس عون الذي رفضها.. ومن المنطقي فحسب أن يصل رئيس الوزراء لأحكامه الخاصة".

ومن جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن إعلان استقالة سعد الحريري كرئيس وزراء مكلف في لبنان هو تطور آخر مخيب لآمال الشعب اللبناني، وشدد على الأهمية العاجلة لتشكيل حكومة ملتزمة وقادرة على تنفيذ الإصلاحات ذات الأولوية.

وأضاف أن الحكومة يجب أن تبدأ في التحضير للانتخابات البرلمانية العام المقبل، مشدداً على ضرورة إجرائها في موعدها، واتهم الطبقة السياسية في لبنان أنها أهدرت الشهور التسعة الماضية، كما حذر من أن الاقتصاد اللبناني في حالة سقوط حر، قائلاً إن الحكومة الحالية لا تقدم الخدمات الأساسية بطريقة موثوقة.

ودعا بلينكن القادة اللبنانيين إلى تنحية الخلافات الحزبية جانباً، وتشكيل حكومة تخدم الشعب اللبناني.

بدورها، عبرت نائبة المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة عن أسفها لعدم تمكن قادة لبنان من التوصل لاتفاق تشكيل الحكومة، وجددت دعوة منظمتها إلى الاتفاق على تشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات في لبنان.

(ح)

ANHA