​​​​​​​تداعيات الانسحاب الأميركي من أفغانستان والسيناريوهات المحتملة .. مركز بحثي يجيب

يكثر الحديث عن تداعيات الانسحاب الأجنبي من أفغانستان والسيناريوهات التي يمكن أن تحدث في هذا البلد الذي تتقاطع فيه مصالح العديد من الدول منها الصين وروسيا وإيران وتركيا وباكستان والهند، ولكن يبقى سيناريو سيطرة طالبان على البلاد السيناريو الأكثر ترجيحاً.

​​​​​​​تداعيات الانسحاب الأميركي من أفغانستان والسيناريوهات المحتملة .. مركز بحثي يجيب
الثلاثاء 13 تموز, 2021   05:56
مركز الأخبار

بعد حوالي عقدين سينتهي الوجود العسكري الأجنبي في أفغانستان بحلول سبتمبر المقبل (2021). ورغم أنه كان من الممكن أن يمثل هذا التطور نقطة تحول إيجابية كبيرة في تاريخ أفغانستان، لكن على العكس، هناك مخاوف ضخمة من تبعات هذا الانسحاب، بالنظر إلى ما قد يرتبه ذلك من سيناريوهات عدة على مستوى الوضع الداخلي، أو على مستوى الصراعات الدولية والإقليمية على أفغانستان، وهي سيناريوهات سلبية في المجمل يعززها انقسام النخبة الأفغانية وضعف مؤسسات الدولة الأفغانية، سواء القوات الأمنية أو مؤسسات إنفاذ القانون وانحسارها عن مساحة كبيرة من الأراضي الأفغانية، وذلك وفق دراسة أعدها مركز الإمارات للسياسات.

وترى الدراسة أن هناك تداعيات عديدة متوقعة:

أولاً: على صعيد التوازنات الداخلية أو على صعيد التفاعلات الدولية والإقليمية حول أفغانستان:

ومنها توسع سيطرة طالبان على الأراضي الأفغانية، فإحدى النتائج الأساسية المباشرة لانسحاب القوات الأجنبية هو سيطرة طالبان على المزيد من الأراضي الأفغانية. وقد سرّعت طالبان من هذه الاستراتيجية مع بدء عمليات الانسحاب.

ثانياً: حدوث تراجع متوقع في أنشطة التدريب ومكافحة الإرهاب:

إذ أنه في المراحل الأولى من بدء الانسحاب الأمريكي أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترمب، أن تخفيض حجم القوات العسكرية الأمريكية لن يؤثر على الالتزامات الأمريكية تجاه أفغانستان، سواء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب أو التدريب أو تقديم الاستشارات أو تقديم الدعم للقوات الأفغانية. وقد أعاد الرئيس بايدن التأكيد في خطابه في 14 أبريل 2021 على أن "الولايات المتحدة سوف تعيد تنظيم قدراتها الخاصة بالحرب على الإرهاب وقدراتها في المنطقة لمنع إعادة ظهور الإرهابيين مجدداً في أفغانستان". لكن من الناحية العملية تراجعت مصداقية هذه الوعود لأسباب عدة؛ أبرزها صعوبة تنفيذ بعض هذه الالتزامات، وخاصة مكافحة الإرهاب والتدريب والدعم الفني لقوات الأمن الأفغانية وذلك في ظل عدم وجود قوات أمريكية على الأرض، باستثناء العناصر المسؤولة عن حماية الدبلوماسيين.

ثالثاً: تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية:

إذ لا يوجد تقييم محدد بشأن مستقبل العمليات العسكرية الأمريكية ضد داعش في أفغانستان (الذي يُقدر عدد عناصره بنحو 2000-4000 لعام 2019). والاحتمال الأغلب هو إهمال الولايات المتحدة لهذه العمليات لأسباب تتعلق بتراجع الأهمية النسبية لأفغانستان بشكل عام لصالح ملفات أخرى على رأسها الصراع مع الصين، وغياب الوجود العسكري المباشر اللازم لهذه المواجهات. ومن ثم يصبح هناك احتمالان بشأن مستقبل داعش، الأول هو الدخول في صراع مع طالبان والقاعدة للسيطرة على مساحة من الأراضي الأفغانية تضمن الحفاظ على "ولاية خراسان" كنقطة ارتكاز للتنظيم في منطقة جنوب ووسط آسيا. والثاني هو اضطرار عناصر التنظيم إلى الخروج من أفغانستان -التوجه إلى وسط آسيا أو أفريقيا-وذلك على خلفية إدراك التنظيم صعوبة البقاء في أفغانستان في ظل البيئة الجديدة وهيمنة طالبان والقاعدة.

الصراع الدولي والإقليمي

الصين:

تطورت مصلحة صينية مهمة في أفغانستان تمثلت في العمل على دمجها ضمن "الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني" في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، وهو تطور يكتسب أبعاداً وتداعيات سياسية مهمة بالنسبة للصين. فمن ناحية، لا شك أن ضم أفغانستان إلى هذا الممر سيمثل فرصة كبيرة لتوسيع حجم النفوذ الصيني في أفغانستان وفي إقليم جنوب آسيا. كما أن نجاح ربط أفغانستان بهذا الممر سيضمن دخول أفغانستان منطقة النفوذ الصيني، من جانب، وتعميق ارتباطها بباكستان من جانب آخر، بعيداً عن دائرة النفوذ الهندي. كما أنه يُجهِض الجهود الهندية التي رمت إلى تعميق نفوذها داخل أفغانستان على حساب باكستان.

إيران:

نجحت إيران أيضاً خلال العقدين الأخيرين في تطوير نفوذها داخل أفغانستان اعتماداً على أدوات عدة، منها علاقاتها التاريخية مع مكونات تحالف الشمال خاصة الطاجيك والأقلية الشيعية (قبائل الهزارة وقيزلباش والفرسيوان والسيدز) وعدد من القيادات المحلية والحزبية، فضلاً عن الدعم المالي الذي قدمته للحكومة الأفغانية (أكثر من 500 مليون دولار). كما مثلت الأداة الثقافية أداة مهمة، جسدها وقوف إيران وراء بناء العديد من المدارس وجامعة خاتم النبيين الإسلامية، ومن ثم ليس من المتوقع أن تغامر إيران بالتضحية بهذا النفوذ في حالة سيطرة طالبان.

التقاء المصالح

وهناك فرصة لتوافق مصالح الصين وباكستان مع إيران وتركيا بشأن أفغانستان، وذلك بالنظر إلى أهمية الدول الثلاث على مسارات الحزام والطريق سواء ممر الصين-باكستان أو الصين-غرب آسيا الذي يربط الصين بأوروبا عبر وسط آسيا وإيران وتركيا.

ومن المتوقع أن يزداد التنسيق الباكستاني-التركي-القطري لإقناع طالبان بتوقيع اتفاق سلام مع الحكومة الأفغانية كبديل أول، أو تشجيعها على الاندماج في المجتمع الدولي وتغيير صورتها. وقد تلعب الدول الثلاث دوراً مهماً في الترويج لنظام طالبان والدفاع عنه، آخذاً في الاعتبار الدور الذي لعبته قطر وباكستان في تسهيل وإنجاح المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة. صحيح أن عودة نظام طالبان تنطوي على بعض المخاطر بالنسبة لباكستان، وعلى رأسها إمكانية تشجيع التنظيمات الإرهابية داخل أفغانستان وعلى الحدود المشتركة وداخل الحدود الباكستانية، لكنه يظل بديلاً يمكن التعامل معه في ظل الخبرة والعلاقات الباكستانية التاريخية مع طالبان، فضلاً عما ينطوي عليه من فرصة مهمة لتحجيم النفوذ الهندي داخل أفغانستان.

وهكذا، تظل هناك فرصة كبيرة للتنسيق والتعاون الصيني-الباكستاني، والباكستاني-التركي-القطري، فضلاً عن إمكانية التنسيق الروسي-الصيني، أو الروسي-الباكستاني، في أفغانستان، بدءاً من دعم الحكومة الأفغانية وعملية السلام أو القبول بنظام طالباني جديد. ويظل الاستثناء الوحيد تقريباً هو الهند التي يصعب قبولها لنظام طالبان.

لكن تظل هناك فرصة للتنسيق الهندي-الإيراني في أفغانستان، وخاصة في ظل المصالح الإيرانية-الهندية المشتركة في تطوير ميناء تشابهار الإيراني وربطه بأفغانستان عبر الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية كوسيلة لنفاذ الهند إلى أفغانستان وآسيا الوسطى بعيداً عن المسار الباكستاني، ويمكن أن يتطور هذا التنسيق إلى تنسيق روسي-هندي-إيراني.

لكن مع أهمية هذه المصالح الدولية والإقليمية المشتركة في تحقيق الاستقرار في أفغانستان يظل هناك سؤالان رئيسان: الأول، كيف يمكن التنسيق بين هذه الدول وضمان عدم تحوُل أفغانستان إلى ساحة للتنافس والصراع فيما بينها؟ والسؤال الثاني يتعلق بكيفية دعم الحكومة الأفغانية في مواجهة طالبان، إذ لا شك أن الدعم المطلوب مستقبلاً للحكومة الأفغانية سيشمل كافة أشكال الدعم: المالي والاقتصادي والعسكري، بجانب التدريب والاستشارات. وسوف تزداد الحاجة إلى هذا الدعم في ظل التراجع المتوقع للدعم الأمريكي والأوروبي.  وسيعتمد الأمر أيضاً على طريقة إدارة الحكومة الأفغانية لعلاقاتها مع هذه القوى. ومما يزيد من التأثيرات السلبية لأدوار هذه القوى على استقرار أفغانستان أنها تعتمد على مكونات قومية ومذهبية محددة، إذ تعتمد باكستان على البشتون بالأساس، بينما تعتمد إيران على الطاجيك والشيعة الهزارة، في حين تعتمد الهند على الطاجيك.

سيناريوهات مرحلة ما بعد الانسحاب

السيناريو الأول: تشكيل حكومة انتقالية

كان قد تم طرح هذا البديل من جانب مبعوث الولايات المتحدة الخاص بأفغانستان، زلماي خليل زاد في مارس 2021، لكنه قوبل بالرفض آنذاك من جانب الحكومة الأفغانية. ومع ذلك قد يُعاد طرح هذا البديل مرة أخرى بضغط من القوى الدولية. يدعم هذا السيناريو بعض القوى السياسية الداخلية الطامحة إلى المشاركة في السلطة والتي لازالت ترى في طالبان "شريكاً محتملاً" يمكن دمجه بالحياة السياسية، بجانب رفضها لفكرة الحرب. ينسحب ذلك بشكل خاص على "الحزب الإسلامي" بقيادة قلب الدين حكمتيار، الذي وقع اتفاق سلام مع الحكومة الأفغانية في 2016. في هذا السياق، دعا الحزب طالبان في 17 أبريل -بعد ثلاثة أيام من إعلان بايدن الالتزام بالانسحاب من أفغانستان- إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار يقوم على خمسة مبادئ، تشمل إقامة حكومة جديدة تحظى بقبول جميع الأطراف مع اكتمال الانسحاب الأجنبي بحلول سبتمبر والتزام كافة الحكومات الأجنبية بوقف أي عمليات عسكرية أو استخباراتية في أفغانستان، وإطلاق سراح جميع المعتقلين الذين تم اعتقالهم خلال العقدين الأخيرين لأسباب سياسية أو عسكرية، ورفع أسماء جميع الأفغان من قائمة الإرهاب الأمريكية، والتزام المجتمع الدولي بدفع تعويضات لأفغانستان عن الخسائر الناتجة عن الغزو الأمريكي خلال العقدين الأخيرين.

ولا يمكن استبعاد دعم القوى الأفغانية التي أبدت استعداداها لسيناريو "المقاومة" لهذا السيناريو، إذ يُلاحظ أن معظمها يؤكد استعداده للسلام والحرب معاً، على نحو يُفهم منه أن خيار الحرب هو الخيار الثاني بالنسبة لها، الأمر الذي يعني استعداد هذه القوى لخيار السلام مع طالبان. فضلاً عن أن العديد من القيادات المحلية وأمراء الحروب يتسمون بدرجة كبيرة من البرجماتية، بمعنى استعدادهم للتوافق مع طالبان إذا أيقنوا تضحية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالحكومة الأفغانية، واستعدادهم للتعاون مع نظام طالباني.

لكن هذا السيناريو يواجه تحديات عدة، أبرزها وجود خلافات داخل النخبة السياسية ذاتها، والتي برزت في مناسبات عدة، وأخذت أكثر من مستوى وأكثر من شكل... وحتى إذا افترضنا إمكانية قبول هذا السيناريو من جانب الحكومة الأفغانية في ظل موازين القوى الجديدة، فليس من المتوقع قبوله من جانب طالبان، لأسباب تتعلق باختلال موازين القوى بين الحركة والحكومة الأفغانية، وهو اختلال من المتوقع أن يزداد عقب اكتمال الانسحاب الأمريكي.

السيناريو الثاني: الحرب الأهلية

هناك استعداد وعمليات تعبئة تجري بالفعل داخل الفصائل الأفغانية، خاصة من جانب القيادات المحلية وأمراء الحروب، الطامحين إلى الحفاظ على مكاسبهم في مواجهة تهديد طالبان.

لن تقتصر الحرب الأهلية على طالبان من ناحية، والحكومة الأفغانية والفصائل الأفغانية وأمراء الحروب والزعامات المحلية من ناحية أخرى، لكن من المتوقع أن ينضم إليها تنظيم القاعدة بجانب طالبان.

السيناريو الثالث: بقاء الوضع على ما هو عليه

يقوم هذا السيناريو على افتراض قدرة الحكومة الأفغانية على الحفاظ على بقائها دون القدرة على هزيمة طالبان، بينما تظل الأخيرة متمسكة بإدارة الصراع مع الحكومة دون القدرة على دفعها إلى الانهيار. يظل هذا السيناريو مرهوناً باستمرار الدعم الدولي للحكومة الأفغانية، سواء الأمريكي أو بعض القوى الأخرى التي لا تتوافق مصالحها مع هيمنة طالبان على أفغانستان. ويصدق ذلك على معظم القوى الدولية والإقليمية، وخاصة روسيا والصين والهند وإيران، وباكستان أيضاً.

سيطرة طالبان السيناريو الأكثر احتمالاً

وتطور أي من هذه السيناريوهات على المدى القصير لا يعني أنه سيظل سيناريو نهائياً، فقد تمر أفغانستان بسيناريو أو أكثر؛ وقد يستمر الوضع القائم لفترة يعقبها الدخول في حرب أهلية، تنتهي بسيطرة طالبان على البلاد. وقد تقبل طالبان -تحت الضغوط الدولية-بقبول فكرة الحكومة المؤقتة، لكنها سرعان ما تنهار لتبدأ حرب أهلية قد تنتهي بسيطرة طالبان. وقد تنهار الحكومة القائمة خلال شهور قليلة لينتهي الأمر بسيطرة طالبان، وهكذا.

ومن ثم، يمكن القول إن سيناريو سيطرة طالبان على أفغانستان وعودتها إلى الحكم مرة أخرى يظل هو السيناريو النهائي الأكثر احتمالاً، بصرف النظر عن بعض المراحل/السيناريوهات المؤقتة التي ستمر بها أفغانستان خلال المرحلة المقبلة.

(ح)