"حكومة انتخابات".. ولادة لبنان القيصريّة

يدور لبنان في حلقة مفرغة، ومن حيث يبدأ يعود. فالمشهد طوال الأشهر التسعة الأخيرة، صار أقرب إلى ملعب مناكفات منه إلى دولة، فالأفرقاء المتخاصمون يتقاذفون الكرة، ويلعبون في الوقت الضائع بلا أهداف.

"حكومة انتخابات".. ولادة لبنان القيصريّة
الأربعاء 7 تموز, 2021   09:34
بيروت – زياد أبو غزالة

بعد أن ساد جدل طويل حول تشكيل الحكومة أو الاعتذار أو قرب الاعتذار، يتجه الحديث اليوم إلى "حكومة انتخابات" تنقذ ما بقي قائماً من النّظام الهشّ، وتعطي بريق أمل للبنانيين الذين عانوا خلال هذه المرحلة أضعاف ما عانوه خلال الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي.

ويرتبط هذا الأمل بحكومة انتخابات وظيفتها الإعداد للاستحقاق النيابي المرتقب في أيار/مايو العام المقبل. وذلك بعد أن انعدمت فرص المرونة السّياسيّة جراء استمرار عناد المحاصصة والمذهبية، في ظلّ معادلات خارجيَّة إقليميّة ودوليَّة تفرض نفسها بقوّة في الملفّ اللبناني وتديره على طاولة المصالح الكبرى.

"ديجافو" الحكومة... متلازمة الفراغ المتكرّر

تُطرح ورقة حكومة الانتخابات اللبنانية بعد فشل كل المحاولات السابقة لتشكيل حكومة بزعامة الرئيس المكلف سعد الحريري، فيما لا شيء مؤكّداً بعد بخصوص الاعتذار. وفي هذا يقول المحلل السياسي سركيس أبو زيد لوكالتنا: "اعتذار الحريري ما يزال معلقاً لأن الرّجل يتوقع حلاً للمشكلة، فتشكيل الحكومة حماية للحريري من الفشل الذي يعرض مستقبله السياسي للخطر، لذلك هو يعاند حتى يحصل على حكومة وفق شروطه".

ولكنّ هذا العناد لا يمكن أن يتجاوز الفيتو السّعودي المفروض حتى وإن لم يصرح به الحريري، يوضح أبو زيد: "ما يزال الفيتو السّعودي يلوح في الأفق، وربّما تعيق العلاقة الملتبسة بين السعودية والحريري عملية تشكيل الحكومة. وعندما يقتنع الحريري بوجود فيتو جدي لا يمكن تجاوزه بالوساطات العربية وخاصة الإماراتية أو التدخلات الفرنسية والأميركية، عندها فقط سيشعر الحريري أنه مضطر للاستقالة".

استقالة لا يعرف من سيكون الخلف بعدها، فأبو زيد يؤكد أنه "لا يوجد في الأفق بديل واضح عن الحريري. فالأسماء المطروحة عديدة منها نواف سلام وفيصل كرامي وغيرهما من الشخصيات البارزة ورؤساء الحكومة السابقين. لكن البعض يتكتم على الأمر لأنه يرى أنّ طرح الأسماء الآن بداية حرق لها. لذلك هناك تريث حتى يحسم الحريري أمره إمّا بتشكيل الحكومة أو الاعتذار. وعندها سيكون بازار بالأسماء المتداولة المطروحة من جهات دولية وعربية وداخلية".

الفراغ داخلي والحلُّ من الخارج

ويجد الحريري نفسه أمام مرحلة خيارين أحلاهما مرّ جداً، فإما أن "يرضخ لشروط وإملاءات رئيس الجمهورية ميشال عون، والتيار الوطني الحر، أو يسعى إلى رفع الفيتو السعودي وهو ما لم ينجح فيه حتى الآن. لذلك، فالفرصة المتاحة الوحيدة أمام الحريري هي الرهان على الوقت، على أمل أن تؤدي التسوية الإقليمية والدولية التي تجري بين الأطراف المتنازعة إلى تسهيل مهمته المستعصية. وفي ظل هذا الانتظار بدأ الحريري يخسر من رصيده وشعبيته لأنه لا يستطيع أن يكون قائداً أو يقوم بمبادرات وحلول جدية" بحسب المحلل السياسي اللبناني.

وللخروج من لعبة الوقت الضّائع يقول أبو زيد: "إمَّا أن يحصل توافق سياسي لبناني على تشكيل حكومة تصريف أعمال جادة في الإشراف على الانتخابات الملحة، وإما يحدث تدخل خارجي وعربي لإنتاج حكومة تشرف على الانتخابات الدورية والرئاسية بشكل أساسي، وتحل بعض المسائل العالقة لجهة الإصلاحات الضرورية لإنقاذ البلد من الإفلاس المحتوم عبر إيجاد مخارج ولو مؤقتة للوضع الاقتصادي والمالي".

ولكنّ الأمر ليس بهذه السهولة، فمصير الحكومة "ما يزال مجهولاً بسبب الخلافات والصلاحيات والمحاصصات الداخلية والتسويات الإقليمية والدولية التي ربما تساعد على تشكيل أو تزيد من تعقيداتها"، ولذلك يؤكد أبو زيد لوكالتنا "لم يحسم بعد أمر تشكيل الحكومة على الرغم من المبادرة الفرنسية ومبادرة نبيه بري، بالإضافة إلى مساع أخرى تبذل في الخفاء وتحت الطاولة".

هكذا، يقطع الأفرقاء في لبنان الوقت دون نتيجة، إلى عتبة الشهر العاشر من التكليف. وسط مرحلة هي الأغرب والأعتى لجهة الخصومة السياسية، قطيعة بين فرق، بين عون والحريري، وبين عون وبري، مبادرات واقتراحات عبثية لا تفضي إلى شيء، بروز باسيل نداً للحريري ومعطلاً أساسياً لتشكيل الحكومة، فيما يدير الثنائي الشيعي عجلة التوازن بين عون والحريري من غير تغليب لأحد على الآخر.

الحكومة قبل الانفجار الإنساني؟

تشكيل الحكومة صار واجباً ضرورياً أكثر من أي وقت مضى، سواء كانت حكومة إنقاذ جديَّة، أو حكومة انتخابات تعدُّ في المطبخ العربيّ والإقليمي والدّولي للمساعدة في انتخاب رئيس الجمهورية والنهوض بلبنان من مستنقع الانهيار. لكن المعضلة الأساسيّة تتمثل في تسارع وتيرة الأزمة الاقتصاديّة والماليّة قبل أن تبصر الحكومة النور، إلى حدّ لا يمكن التنبّؤ بعده بما سيؤول إليه الحال. فتسعة أشهر من الفراغ السياسي كانت كفيلة في خلق واقع جديد لم يشهد لبنان مثله منذ عقود، والآتي حتماً سيكون أعظم في ظل سياسة مكانك راوح.

وعلى الرغم من الحديث عن حكومة انتخابات محتملة، إلّا أن المعطيات على أرض الواقع هي نفسها، بل إنها تتفاقم وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم. فالغلاء والاحتكار ونفاد الأدوية وطوابير البنزين، كله ينذر بوقوع انفجار إنساني وشيك يتجرع مرّه كل من يسكن الأراضي اللبنانية.

هل سلّم الحريري اسم البديل؟

وبحسب المعلومات حتى اللحظة لم يسلم رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري أي اسم ولم يقترح أي اسم حتى اللحظة ليكون مكلفاً بتأليف الحكومة بعد اعتذاره.

وفي هذا السياق تقول أوساط سياسية "إنه يتبلور نوع من كلام عن رزمة من البنود التي يتم السعي للاتفاق حولها. أهمها أن يخرج الرئيس المكلّف الجديد من بيت الوسط، أي أن تتم تسميته من قبل الرئيس الحريري شخصياً وأن يكون الشخص المسمّى يحظى بدعم رؤساء الحكومات السابقين وبيئته السنيّة، وذلك عبر اختيار اسمين أو ثلاثة أسماء. أمّا البند الثاني: أن تراعي الحكومة التوازنات التي يُعمل عليها اليوم، بمعنى ألاّ تضم ثلثاً معطّلاً لرئيس الجمهورية وفريقه، وأن يكون هناك احترام لكل ما يحكى عنه اليوم في موضوع توزيع الوزارات والتوازنات داخلها، بحيث تسقط أي محاولة للهيمنة من قبل الفريق العوني على الفريق الآخر داخل الحكومة. والبند الثالث: استبعاد أي أسماء نافرة للرئيس عون ومنع محاولة تمريرها داخل الحكومة".

أما بالنسبة لمدى إمكانية ولادة اتفاق من هذا النوع، يشكّل بديلاً ومخرجاً لسعد الحريري على قاعدة حكومة انتخابات تشكل بالحد الأدنى غطاءً له في عبوره من مرحلة التكليف إلى مرحلة الاعتذار، خصوصاً لناحية أن رئيسها ستتمّ تسميته من بيت الوسط، وأوضحت الأوساط، أنه من خلال إبرام اتفاق مماثل يمكن للحريري أن يقول داخل بيئته أن سبب اعتذاره هو أن الحكومة المُراد تشكيلها هي حكومة انتخابات وليست إنقاذيّة، وبالتالي، لا داعي لأن يكون هو على رأسها، وأنه اعتذر، لكن طيفه بقي في الحكومة بحكم أنه هو من سمى الرئيس المكلّف الجديد، لذا، فإن اعتذاره ليس انتصاراً أبداً للفريق الآخر، وإنما مجرّد تموضع تكتيكي جديد، وأنه اعتذر لأن هذا العهد يتعاطى مع الأمور الوطنيّة بخلفيات شخصانية، وبالتالي، أمام دقّة المرحلة وخطورتها المالية قرّر الذهاب في هذا المسعى الذي لا شك في أنه لا يزال في بداياته ولم يتبلور بعد.

إلا أن الحقيقة الواحدة تكمن بأن الأزمة تتفاقم، والعهد يريد أن يذهب حتى النهاية في هذه المواجهة، في حين أن هناك قوى سياسية أخرى، تعتبر أن مصلحة البلاد أهم من الانزلاق في مواجهة الخاسر الوحيد فيها هو البلد والشعب، لذلك ما نشهده اليوم هو محاولة أخيرة لمحاولة تأليف حكومة برئاسة سعد الحريري.

(ح)

ANHA