اتفاق إدلب الجديد.. فائدة سياسية "لروسيا وتركيا" والسوريون يدفعون الثمن

أثار الإعلان الروسي عن اتفاق مع تركيا حول تشكيل منطقة خالية من العناصر العسكرية في إدلب والحديث عن مناقشة الوضع هناك وفي شمال وشرق سوريا تساؤلات حول أهداف ذلك وإذا ما كانت هناك صفقة جديدة؟

اتفاق إدلب الجديد.. فائدة سياسية "لروسيا وتركيا" والسوريون يدفعون الثمن
الثلاثاء 6 تموز, 2021   01:50
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

تستمر التحليلات والقراءات حول الاتفاق الذي أعلن عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع تركيا حول تأسيس منطقة خالية من ما أسماها العناصر العسكرية في إدلب.

وعلى الرغم من أن موقع روسيا اليوم هو الذي نشر الخبر في بادئ الأمر، إلا أن وسائل الإعلام عادت عن نشر ذلك وقالت بأن ترجمة كلام لافروف خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التركي مولود تشاويش أوغلو لم تكن دقيقة.

وأصدرت فيما بعد وزارة الخارجية الروسية بياناً حول ما تطرق إليه وزيرا الخارجية التركي والروسي في مؤتمرهما الصحافي الذي أعقب اجتماعاً بينهما في مدينة أنطاليا التركية، كان بمثابة جلسة تفاوض، شملت قضايا ثنائية وإقليمية بين البلدين، منها الوضع في سوريا وأذربيجان وليبيا، مع احتلال الملف السوري أولوية على الطاولة.

ونقلت الخارجية الروسية في بيان عن لافروف خلال حديثه في المؤتمر، قوله: "تحدثنا عن الأوضاع في شمال وشرق سوريا وفي محافظة إدلب، بما في ذلك مهام تنفيذ البروتوكول الإضافي الروسي – التركي (اتفاق وقف إطلاق النار) المؤرخ في 5 مارس/آذار 2020، لمذكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب في 17 سبتمبر/أيلول 2018 (اتفاق سوتشي)".

الاتفاقيات الروسية – التركية السابقة

الإعلان حول تشكيل منطقة منزوعة السلاح ليس بجديد، إذ يعود الاتفاق على إقامة هذه المنطقة بين تركيا وروسيا إلى عام 2018، عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتفاق مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، على إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب على امتداد خط التماس بين قوات الحكومة السورية والمجموعات المرتزقة التابعة لتركيا.

وتوصل بوتين وأردوغان في سوتشي في أيلول/سبتمبر 2018 إلى اتفاق يضمن تثبيت حدود ما تسمى منطقة خفض التصعيد الرابعة أي إدلب وما حولها والتي تم إقرارها في الجولة الرابعة من مسار أستانا في أيار من العام 2017.

وقضى اتفاق سوتشي حينها بـ "إقامة منطقة منزوعة السلاح بعرض يتراوح ما بين 15 إلى 20 كيلومتراً على طول خط التماس، ابتداء من 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018"، ما يعني إنشاء حزام حول تلك المنطقة من دون انتشار عسكري من قوات الحكومة ومرتزقة تركيا.

وعلى الرغم من ذلك إلا أن شيئاً لم يتحقق من ما يسمى خفض التصعيد ونزع السلاح، حيث واصلت قوات الحكومة قضمها لمناطق واسعة من كامل المنطقة الواقعة ضمن الحدود الجغرافية لاتفاق سوتشي، والتي تشمل إدلب بالكامل، وأجزاء من أرياف حلب الغربية والجنوبية وحماة الشمالية والغربية واللاذقية الشرقي.

إذ شنت قوات الحكومة بدعم جوي روسي، عمليات على مراحل خسر بموجبها مرتزقة تركيا أجزاء من جنوب وشرق إدلب، بالإضافة لأجزاء من ريفي حلب الغربي والجنوبي وريف حماة الشمالي، في المقابل شن الاحتلال التركي هجمات على مناطق شمال وشرق سوريا في صفقات مبرمة مع روسيا.

وعقب ذلك توصل الطرفان إلى اتفاق ثاني وهو بروتوكول وقف إطلاق النار المبرم بين روسيا وتركيا في مارس 2020 والملحق باتفاق سوتشي.

وتضمن الاتفاق ثلاثة بنود "وقف إطلاق النار، إنشاء ممر آمن على طول طريق حلب – اللاذقية الدولي المعروف بطريق أم 4، بجزئه المار من إدلب، بعمق 6 كيلو مترات من شماله، ومثلها من جنوبه، على أن يكون هذا الممر منزوع السلاح. أما البند الثالث، فيتعلّق بتسيير دوريات مشتركة بين الجيشين الروسي والتركي تمهيداً لفتح الطريق أم 4 أمام الحركة الطبيعية والتجارية".

وعلى الرغم من ذلك، لم تتحقق الأمور الإنسانية التي طالما تحدثت عنها روسيا وتركيا خلال إبرام اتفاقياتهما، حيث استولت قوات الحكومة وروسيا على كامل طريق أم 5 ومن ثم حل مشكلة طريق أم 4.

اتفاقيات طبقت مصالح الضامنين

وحول ذلك قال المعارض السوري وعضو لجنة العلاقات في مجلس سوريا الديمقراطية علي رحمون: "فيما يتعلق بالاتفاقيات التي تمت بين الجانبين الروسي والتركي حول الوضع السوري لم تجلب أي شيء إلا لمصالح روسيا وتركيا لكن كانت دائماً وأبدًا ضد مصالح الشعب السوري".

وأضاف: "لو أخذنا اتفاقاتهما سابقاً بالانسحاب من حلب وكيف تم تسليم حلب للنظام السوري مقابل بعض الامتيازات للأتراك وكيف تم أيضاً احتلال عفرين من خلال التواطؤ الروسي مع الأتراك، لذلك هذه الاتفاقيات بين روسيا وتركيا كلها لصالح نظامي روسيا وتركيا وعلى حساب الشعب السوري واحتلال أراضي سورية وفرض سيطرة الأتراك من جهة مقابل بعض التسهيلات للروس على الأراضي السورية".

وبدوره قال المحلل السياسي والصحفي السوري مالك الحافظ: "الحديث عن المنطقة منزوعة السلاح/الخالية من العناصر العسكرية هو بالأساس كان من ضمن بنود اتفاق موسكو في آذار 2020، ولكن كان يتمحور حول طريق M4، أما التصريحات الجديدة حول المنطقة منزوعة السلاح فيجب أن نتابع تفاصيل هذا الاتفاق وإذا ما كان سيشمل منطقة أوسع من المتفق عليها قبل أكثر من عام، أما مصير باقي الاتفاقيات فهي موجودة ولم تلغَ، وإن كان تنفيذ بنودها ليس مكتملاً، أو كان تنفيذ بعض البنود أيضاً مختلف التفسير لدى كل طرف، إلا أن التفاهمات التركية الروسية ماتزال مستمرة، وتريد روسيا استغلالها لتقوية وجودها في سوريا، والتقرب أكثر من الولايات المتحدة".

إعادة تموضع

وعلى الرغم من ذلك إلا أن لقاء الطرفين في هذا الوقت وحديثهم عن مناقشة الوضع في سوريا وخصوصاً إدلب وشمال وشرق سوريا يطرح الكثير من الأسئلة حول أهداف هذا اللقاء وما تم مناقشته وإلى ماذا توصل؟

رحمون أشار إلى أن ذلك "جاء تتويجاً لما يمكن أن يسمى مستقبلًا بمسار الدوحة. الاتفاق الروسي – التركي فيما يتعلق بإدلب مع النظام السوري تحديداً وبالتالي هو إعادة تموضع وانتشار للقوات الروسية والتركية في تلك المنطقة وسيكون لها بالتأكيد نتائج لاحقة في المستقبل منها قد يكون توافقات مع النظام السوري والدولة التركية بإشراف الضامن الروسي كما يسمونه".

استغلال روسي

وحول أهداف ذلك رأى الحافظ أن هذا الإعلان الروسي "له مستويات عدة، تسعى موسكو لاستغلالها بشكل مناسب لرؤيتها خلال الفترة المقبلة، فهي من ناحية تريد أن تفتح مع تركيا ملف القوى الإرهابية هناك والتخلص من تواجدها، وأي تفعيل لمنطقة منزوعة السلاح سيعني بالضرورة عدم وجود أي تنظيم إرهابي مهما كانت حدود هذه المنطقة، وهذا يعني بالتالي موافقة تركيا على إنجاز هذا الملف وإلا لن يكون هناك أي تقدم في المنطقة منزوعة السلاح".

وأضاف: "بذلك روسيا أعادت تركيا لمسار تفاهماتهما الثنائية، ومن ناحية أخرى أظهرت للولايات المتحدة جديتها في مرحلة انتقالية تنهي معها التصعيد العسكري وتتقدم نحو واشنطن خطوة إضافية لبناء الثقة، يتيح توافق روسي-أميركي أكبر من التفاهمات الروسية التركية".

'لن تدوم ولا مصداقية للضامنين'

وحول إمكانية نجاح هذه الاتفاقيات قال رحمون: "هذه الاتفاقيات لن تدوم ولن يكون لها أي نتائج عملية وإيجابية ولا استمرارية ولاحظنا نحن منذ اتفاقيات استانا التي حصلت ونقاط المراقبة وإعادة التموضع ونقاط التمركز التركي كلها لم تفد بأي شيء فيما يتعلق بوقف القتال بين المرتزقة تحت الراية التركية والنظام السوري وروسيا ونلاحظ الآن هناك قصف شديد على إدلب وبالتالي الضامنون لا مصداقية لهم بالمطلق لا الروسي ولا التركي وكل ذلك يتم على حساب الشعب السوري وعلى حساب الدماء السورية".

وأضاف: "لا أمل في هكذا اتفاقيات؛ أملنا الوحيد هو في فرض حل سياسي بضمانة مجلس الأمن والمجتمع الدولي وفق القرار 2245".

ومن جانبه أشار مالك الحافظ إلى أن "نجاح الاتفاق مرهون بقدرة وصول التفاهم الروسي التركي إلى حد يمكن للطرفين اعتبار نفسيهما شركاء وليس خصوم، خلال الفترة الماضية كانت النظرة لدى كلا الطرفين تجاه بعضهما على أنهما خصوم وشركاء في الوقت ذاته وهذا لا يمكن أن ينجح الاتفاق، ما قدر ما يمضي به إلى خطوات معينة قبل أن يتدهور وينحرف مساره، وتشوش عليه التفسيرات المختلفة لدى كل من الروس والأتراك".

هل هناك صفقة؟ وماذا عن شمال وشرق سوريا؟

التجارب السابقة من هذه الاتفاقيات والتي كانت في معظمها تستهدف شمال وشرق سوريا أدت إلى أخذ الشك والريبة منها.

رحمون رأى أن "هذه الاتفاقيات قد يكون أحد أهدافها هو حصار الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وهذا شكل طبيعي ولمسنا نحن منذ فترة ليست بالقصيرة كيف كان التنسيق الروسي التركي في الهجوم على عين عيسى ومحاولة السيطرة عليها إضافة إلى ذلك الاستفزازات المتكررة من قبل النظام السوري وبدعم روسي في هذه المنطقة".

وأوضح أن "كل ذلك جاء تتويجاً لمحاولة واتفاق بين الروسي والتركي لخنق الإدارة كونها تمثل بديلاً للنظام السوري حيث لا يرغبون جميعاً بوجود إدارة ديمقراطية يمكن أن تكون بديلاً لهذا النظام من جهة وبديلاً لكل الديكتاتوريات الموجودة في المنطقة وأيضاً تحقق مصالح الشعب السوري في الحرية والكرامة".

وأضاف رحمون: "لذلك تركيا لم تكن في يومٍ من الأيام مع مصالح الشعب السوري وهي على طول الخط كانت ضد حرية الشعب السوري وأي منطقة تتمتع بنفوذ سوري – سوري من جهة وتحت حكم ديمقراطي وتحقق الكرامة والحرية للشعب السوري. وبالتالي هي صفقة في مواجهة الإدارة الذاتية كونها تشكل البديل الحقيقي".

أما الصحفي والمحلل السياسي السوري مالك الحافظ فكان له رأي آخر حيث قال: "إدارة بايدن واضحة في نظرتها تجاه منطقة شمال وشرق سوريا، وهي لن تنكفئ في وجودها بسوريا إلى حد يسمح بتنفيذ أي صفقات روسية تركية، الإدارة الحالية مختلفة عن إدارة ترامب، وحتى الظروف مختلفة فهي لن تساعد على أي تغيير في موازين القوى أو شكل النفوذ في المناطق السورية".

واختتم الحافظ حديثه قائلًا: "الاتفاق لا يمكن أن ينتج صفقة بقدر ما فيه فائدة سياسية للروس وكذلك للأتراك الذين يريدون تجديد دورهم في سوريا والإعلان عنه لدى واشنطن".

(ح)

ANHA