​​​​​​​الإخطبوط ... وحرب المياه

إن مشكلات المياه لا يمكن فصلها عن الأحداث السياسية الجارية في المنطقة، فالأوضاع الحالية سيئة ويمكن أن تسوء أكثر في المستقبل إذا لم تتخذ الأحداث السياسية مجرى إيجابيًّا سريعًا. وفي تقرير نشرته المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم أوضح خبراء المياه فيه أن منطقة مصب نهري دجلة والفرات ستكون أول منطقة في العالم تجف منها المياه.

​​​​​​​الإخطبوط ... وحرب المياه
الثلاثاء 4 مايو, 2021   02:43

د. جواد كاظم البيضاني

ولا يخفى أن القوانين الدولية التي تنظم العلاقة بين دول المنبع والمصب لم تكن فاعلة وبعضها لم يتم التصديق عليه مثل اتفاقية الأمم المتحدة لتنظيم استخدام مجاري الأنهار الدولية للأغراض غير الملاحية، غير أن بعض الدول اتخذت هذه القرارات إطارًا لتنظيم اتفاقات ثنائية أو ثلاثية أخرى لم تكن مجدية في معظمها.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هناك دلائل تعطي انطباعًا أن الحروب ستقع حتمًا بين الدول في هذه المنطقة الملتهبة أصلًا، وقد حذرت منظمات دولية من احتمال وقوعها مع تَزَمُّتَ دول المنبع وفرضها قرارات تعجيزية على دول المصب، وليس بعيدًا عنا ما يحدث في نهر الفرات من تجفيف اعتمدته تركيا لسنوات لأغراض سياسية بحتة.

فتركيا التي لم تكترث بما سببته من أزمات بدول المصب بسبب منظومة السدود الممولة (عربيًّا)، بدأت تتحكم بنسب المياه التي توردها إلى هذه الدول، وأخذت سياساتها بعدًا آخر من خلال التنسيق مع إثيوبيا في تعطيش الشعبين السوداني والمصري من خلال تقديم الدعم لإثيوبيا في حقل بناء السدود على نهر النيل وبمال عربي طبعًا. فما هي الأسباب التي تدفع تركيا إلى الجنوح نحو هذا التطرف في تجفيف مصب الفرات ودجلة؟ وماذا تريد من العراق وسوريا؟

تتزايد الاتهامات لتركيا باستخدام المياه ورقة لابتزاز جيرانها، في سوريا والعراق، فتلجأ إلى قطع مياه نهري دجلة والفرات بصفة متكررة بعد أن بنت عددًا من السدود على حوضيهما، وكان أخطر هذه السدود سد أتاتورك الذي يعد سادس سد في العالم من حيث التخزين والاستيعاب، فضلًا عن سد إليسو على نهر دجلة الذي لا يقل خطورة عن سد اتاتورك، ومنظومة السدود تلك تشكل تهديدًا كبيرًا على العراق وسوريا، وكانت السبب في تراجع حصة السوريين من المياه إلى أقل من ربع الكمية المتفق عليها دوليًّا، وهي مستويات غير مسبوقة.

وتسبب سد إليسو في انخفاض حصة العراق من مياه النهر، وقد يصل التراجع إلى نسبة 60 في المئة بسبب تشغيل مولدات الكهرباء على هذا السد.

وتتعارض ممارسات تركيا بشأن مياه نهري دجلة والفرات مع حقوق دول المصب، بل وتتجاوز الاتفاقيتين الدوليتين لعام 1966 و1997، وأيضًا مع الاتفاقات الثنائية التي وقعتها مع سوريا والعراق.

لا شك أن تركيا استغلت بشكل كبير الأوضاع المضطربة في العراق وسوريا، مستغلة المواقف الدولية المتذبذبة تجاه تجاوزاتها في شرق المتوسط وفي ليبيا وتدخلها السافر في الشأن العراقي، وبدأت خطواتها الاستفزازية بقطع المياه عن العراق وسوريا غير مبالية بالقيم الإنسانية والدينية التي تتبجح بها متجاهلة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلمون شركاء في ثلاث، الماء والنار والكَلَأ) فأي دين تدعو له تركيا وأي عقيدة تؤمن بها؟

إن صمت العالم في وجه الإخطبوط التركي الذي يعيث في الأرض فسادًا يدفعه إلى ارتكاب المزيد من التجاوزات لا تقل عن تجاوزاته على كرامة الإنسانية وإبادته لشعب كامل في الأناضول عام 1915م. وعليه أصبح من الضروري رفع أصواتنا للمطالبة بدور أكبر للمنظمات الدولية للحد من نشاط هذا الإخطبوط وتحجيمه.