​​​​​​​كيف تدير حكومة دمشق أزمتها الاقتصادية وعلى ماذا تراهن: مركز بحثي يجيب

تدير حكومة دمشق الأزمة الاقتصادية التي تعانيها عبر تشديد القبضة الأمنية وترشيد المساعدات التي تحصل عليها من حليفيها روسيا وإيران، وتراهن على الخوف الأمريكي والغربي من تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة وانعكاس ذلك على الأمن الإقليمي والقلق العربي من انهيار سوريا وزيادة التغلغل الإيراني والتركي، لتخفيف أزمتها واجتيازها.

​​​​​​​كيف تدير حكومة دمشق أزمتها الاقتصادية وعلى ماذا تراهن: مركز بحثي يجيب
الأربعاء 21 نيسان, 2021   06:34
مركز الأخبار

وسلط مركز الإمارات للسياسات في بحثٍ على سياسات حكومة دمشق في إدارة الأزمة الاقتصادية، ومواقف الأطراف الفاعلة، والمخارج التي تراهن دمشق عليها.

إذ تشتد الأزمة الاقتصادية في سوريا بشكلٍ تصاعدي، نتيجة تعطّل الاقتصاد والعقوبات الغربية على حكومة دمشق، وفي ظل انسداد الأفق السياسي جراء رفض الحكومة وداعميها روسيا وإيران السير في خريطة الطريق الدولية للحل السياسي التي وضعها قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015، ما دفع كثيرًا من الجهات الإقليمية والدولية إلى التحذير من احتمالات انهيار الدولة السورية، وحصول اضطرابات وفوضى قد تُطيح الاستقرار الهش أصلًا.

واقع الأزمة الاقتصادية

تمرّ على سوريا أوضاع اقتصادية لم يسبق أن عانت البلاد منها، فالاقتصاد في حالة تعطّل وخراب شامل، نتيجة تعطل المرافق والبُنى الإنتاجية والخدمية، وحرمان الاقتصاد من أهم موارده، وهجرة غالبية الكفاءات العلمية والاقتصادية، وتداعيات العقوبات الغربية، ومفاعيل وباء كورونا والإجراءات الوقائية المتخذة التي أسهمت في توقف العمل لمعظم الشرائح والمكوّنات الاجتماعية.... وساهم عدم استقرار سعر صرف الليرة والهبوط الحاد الذي تعرضت له في شلل الأسواق التجارية نتيجة استنكاف الكثير من الفعاليات الاقتصادية عن العمل مع احتمال تعرضها لخسائر كبيرة.

ولا يوجد ثمّة أفق في المدى المنظور للخروج من هذه الأزمة، إذ من المرجّح ازدياد العجوزات المالية والاقتصادية بصورة دراماتيكية في الأشهر القادمة، ما يعني دخول الاقتصاد السوري في حالة انكماش اقتصادي حاد قد تترتبُ عليها نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية مربكة، وقد تنفتح على احتمالات لا يمكن ضبط مفاعيلها.

استراتيجية الحكومة في إدارة الأزمة

وتقوم استراتيجية حكومة دمشق لإدارة الأزمة الاقتصادية على عدد من التكتيكات التي تهدف إلى التخفيف من تداعيات الأزمة، وذلك عبر:

تحميل الخارج المسؤولية: لكن هذه السردية لا تحقق نتائج مهمّة.

إدارة صعبة للموارد: تحاول حكومة دمشق إدارة الموارد القليلة المتوافرة، والتي يجري الحصول عليها نتيجة المساعدات الدولية، بطريقة تخفّف من حدّة غضب الشارع ضدها، وتثبيت سلطتها المستعادة على مناطق واسعة ... الإنفاق يتبع أولويات الحكومة التي تتركز بالدرجة الأولى على المسائل العسكرية والأمنية.

استخدام الذراع الأمنية: وذلك لقمع ومواجهة أي احتجاجات أو اعتراضات صادرة عن البيئة الخاضعة لسلطة الحكومة، حيث تتم ملاحقة وسجن الناشطين على وسائل الاتصال الاجتماعي الذين ينتقدون إدارة الحكومة الاقتصادية، وانتقاد الفساد وسيطرة أمراء الحرب على جزء كبير من الاقتصاد السوري، وكذلك مراقبة شركات التحويل والتّجار، بالإضافة إلى قمع أي حراك قد يتشكّل احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

الاعتماد على المساعدات الإيرانية: تشكّل الإمدادات الإيرانية، وخاصةً في مجال الطاقة، أداةً مهمّة بيد حكومة دمشق في إدارتها للأزمة الاقتصادية الراهنة .. حكومة دمشق تسعى إلى التكيّف مع هذا الواقع عبر اتباع تقنين شديد لتوزيع المحروقات، التي يتم توزيعها على آلتها العسكرية وحاجات السوق المحلية.

إيران وروسيا.. تحويل التحديات إلى فرص

تُرهق الأزمة الاقتصادية الداعمَين الأساسيَّين لحكومة دمشق، إيران وروسيا، فالطرفان يفتقدان للموارد اللازمة نتيجة أوضاعهما الاقتصادية المتراجعة بسبب العقوبات الغربية ووباء كورونا ... وتحاول إيران وروسيا تحقيق أكبر قدر من الاستفادة من الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها سوريا، وتوظيف ضعف الحكومة لمصلحتهما، حيث يسمح لهم ذلك بمواصلة العمل على ترسيخ مشاريعهما الجيوسياسية، كما يتيح لهما الفرصة في السيطرة على ثروات البلاد ومصادرها الاقتصادية، فقد وضعت روسيا يدها على أهم الأصول الاقتصادية من مرافئ ومناجم فوسفات وحقول نفط وغاز، كما تقوم إيران بشراء العقارات حول دمشق وفي مناطق غرب الفرات، وفرضت على حكومة دمشق اتفاقيات اقتصادية مستقبلية تمنحها احتكار الأسواق السورية.

مواقف الأطراف المؤثرة

وتضع حكومة دمشق في دائرة رهاناتها مجموعةً من الفاعلين المؤثرين في المجال الاقتصادي، وتتوقع تحقيق نتائج مهمة مع هذه الأطراف:

الصين: إذ تمتلك الصين قدرات مالية كبيرة من الممكن أن تساهم في تخفيف حدة الأزمة من خلال بعض الاستثمارات ... سوريا تدخل في إطار مشروع الصين الاستراتيجي "الحزام والطريق". لكن من المشكوك فيه قيام الصين باستثمارات كبيرة في المستقبل القريب في سوريا.

دول الخليج: تملك دول الخليج قدرات مالية تؤهلها للعب دور مهم في التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية السورية، كما تمتلك في الوقت نفسه مشروعًا سياسيًا يقوم على استرداد سوريا من إيران والحفاظ على هويتها العربية ... غير أن ثمّة عوائق عديدة تمنع دول الخليج من التحرك بهذا الاتجاه، مثل حالة عدم الاستقرار والأهم قانون "قيصر" الذي يستهدف الشركات الأجنبية التي تتعاون مع حكومة دمشق.

الموقف الأمريكي: لا يزال موقف إدارة الرئيس، جو بايدن، غير واضح من الأزمة السورية ... ولكن وبناءً على التصريحات التي يطلقها أركان الإدارة الأمريكية، يبدو أن الأمور تسير باتجاه التشدّد في الموضوع السوري، في ظل مؤشرات تشير إلى حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا.

رهانات حكومة دمشق

وفي سبيل تخفيف الأزمة الاقتصادية التي تعانيها، ترتكز حكومة دمشق على الرهانات الآتية:

فرض الأمر الواقع: تسعى حكومة دمشق إلى تكريس نفسها بوصفها القناة الوحيدة لاستقبال المساعدات وحل الأزمة الاقتصادية في سوريا، وتدعمها روسيا في هذا الإطار عبر مطالبتها وضع جميع التبرعات والمساعدات تحت إشرافها.

إعادة تشكيل السياسة الأمريكية تجاه سوريا: تراهن حكومة دمشق في هذا المجال على مسألتين: الأولى، كسْر حلقة العقوبات الصلبة ضده عبر تنازلات ستجد إدارة بايدن انها مضطرة لتقديمها في مواجهة الضغوط الإنسانية جراء تفاقم الأزمة المعيشية واحتمالات تحوّلها إلى كارثة إنسانية. والثانية، قضية المعتقلين الأمريكيين في السجون السورية، وضغط الرأي العام الأمريكي.

انقسام الموقف الغربي: تُراهن حكومة دمشق على تحقيق اختراق في الموقف الأوروبي، بهدف إضعاف مواقف الدول التي تتخذ مواقف متشددة منه، وخاصةً فرنسا وبدرجة أقل ألمانيا وهولندا.... لكن يبدو أن هذه السياسة لن تنجح، حيث قال مسؤول الشؤون الأمنية والخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في مدوّنته، إنّ الاتحاد الأوروبي لن يتوقف عن فرض العقوبات الاقتصادية، ولن يكون هناك تطبيع من أي مستوى، ولن يدعم جهود إعادة الإعمار أبدًا حتى نشهد بدء عملية الانتقال السياسي في سوريا.

تحرّك عربي: نتيجة قلق مشترك بين الدول العربية على مصير سوريا وإنقاذها من التوغل التركي والتغلغل الإيراني، وحتى من توسُّع النفوذ الروسي، وهذا سيدفع الدول العربية، التي باتت مصالحها السياسية والأمنية مهددة في سوريا، إلى ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة للحصول على استثناءات من العقوبات الأمريكية.

تحقيق تقدّم في المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة: والذي سيُفضي إلى رفع العقوبات عن إيران، ما سينعكس بالضرورة إيجابًا على الاقتصاد السوري. ويقوم هذا الرهان على أهمية سوريا بالنسبة لإيران، واعتبارها أهم أولوياتها في هذه المرحلة، في ظل تنافس إيراني-روسي حالي، وإيراني-عربي محتمل، على السيطرة على القرار السوري.

تقديم روسيا حلول اقتصادية جاهزة: وذلك انطلاقًا من قناعة حكومة دمشق أن سوريا هي مختبر للاستراتيجية الروسية، وفشلها يعني تحطّم مشروع صعود روسيا وإخفاق روسيا ورهاناتها وسياساتها في المنطقة، وبالتالي فإنّ روسيا معنيّة بتقديم مساعدات اقتصادية تخرج نظامها من المأزق الراهن، كما تعتقد حكومة دمشق أنها أعطت لروسيا ما يكفي من مصالح اقتصادية واستراتيجية تدفعها إلى تقديم مقابل.

الاستنتاجات

لا تملك حكومة دمشق، ولا حلفاؤها المباشرين، موارد كافية للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، وتمنع العقوبات الغربية الأطراف الأخرى من تقديم المساعدة، وفي الوقت نفسه ترفض حكومة دمشق تقديم تنازلات سياسية لحل أزمتها الاقتصادية، انطلاقًا من قناعة تسود لدى صانع القرار السوري أنه انتصر في الحرب العسكرية، والانتصار السياسي والاقتصادي سيتبع ذلك وإن تأخر بعض الشيء، وكذلك لإدراكها أن السير في طريق التنازلات، تلبيةً للمطالب الغربية، سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفككها ومحاكمتها.

وإلى حين حصول تطورات إيجابية في المواقف الدولية، تُدير حكومة دمشق الأزمة الاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية، بأسلوب تمرير الوقت، وتشديد القبضة الأمنية، بالإضافة إلى ترشيد الموارد التي بحوزتها والمساعدات التي تحصل عليها من حلفائها.

وتراهن حكومة دمشق على تحقيق اختراقات في المواقف الأمريكية والأوروبية، نتيجة حسابات سياسية وأمنية لهذه الأطراف، وخاصة مخاوفها من تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة، وانعكاس ذلك على الأمن الإقليمي، بالإضافة إلى تجدد موجات الهجرة باتجاه أوروبا، وبنفس المقدار تحاول حكومة دمشق الاستفادة من القلق العربي من انهيار سوريا وزيادة التغلغل الإيراني والتركي والمخاطر المترتبة على هوية سوريا وموقعها في النظام العربي.

ومن المرجّح أن تشهد الفترة المقبلة بعض الحلحلة للأزمة الاقتصادية السورية، جراء جهد عربي بدأت تتضح ملامحه، من خلال مطالب بعض الدول العربية بإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وغض الولايات المتحدة النظر عن المساعدات الغذائية إلى سوريا، وإن كان ذلك لن يؤدي حكمًا إلى تحقيق طموح روسيا و حكومة دمشق في تدفق الأموال على سوريا، إلّا أنّه كافٍ لتجاوز المرحلة الخطيرة الراهنة، مرحلة احتمال وقوع مجاعة قد ينتج عنها فوضى عارمة.

(ح)