​​​​​​​تفاقم أزمة سد النهضة.. تعنّت إثيوبي ورسالة نارية من مصر

لا زالت إثيوبيا مصرة على أن الملء الثاني لسد النهضة سيكون في موعده بدون أن يكون هناك اتفاق ملزم مع دولتي المصب "السودان ومصر" وهذا ما دفع السيسي إلى إرسال رسالة نارية قال فيها إن المنطقة لن تشهد استقرارًا، وأكبر المتضررين ستكون أثيوبيا التي تعاني أصلًا من اضطرابات داخلية يهددها من الداخل.

​​​​​​​تفاقم أزمة سد النهضة.. تعنّت إثيوبي ورسالة نارية من مصر
الأربعاء 31 آذار, 2021   21:32
القاهرة - أماني عزام

رغم إعلان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة استعدادهما للتوسط لحل أزمة سد النهضة بالطرق الدبلوماسية، إلا أن التعنت الإثيوبي المتواصل منذ بداية الأزمة يزيد من مخاوف دولتي المصب، مصر والسودان، خصوصًا في ظل اعتزام أديس أبابا المضي قدمًا في خطة الملء الثاني لبحيرة السد وإعلانها إنجاز 79 % من مراحل السد الذي تبلغ تكلفته 5 مليار دولار وبطاقة تخزينية تقدر بنحو 74 مليار متر مكعب.

وفي ظل اعتزام اثيوبيا الملء الثاني لبحيرة سد النهضة في يوليو وأغسطس المقبلين بقرارات أحادية، حدث تغيّر كبير في اللهجة المصرية، حيث حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، من المساس بحصة مصر في مياه نهر النيل.

'رسائل نارية.. حالة عدم استقرار غير مسبوقة'

وأطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مجموعة من الرسائل النارية بشأن أزمة سد النهضة المشتعلة بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من جانب آخر.

وقال: "نحن لا نهدد أحدًا، ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر (..) وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد ومن يريد أن يجرب فليتفضل".

وذكر السيسي خلال مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء: "أنا مبهددش حد وعمرنا ما هددنا وحوارنا رشيد جدًّا".

وتابع: "محدش هيقدر ياخد نقطة مياه من مصر، وإلا هيبقى في حالة من عدم الاستقرار في المنطقة لا يتخيلها أحد ومحدش يتصور إنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا".

'حصة مصر خط أحمر'

وأضاف: "المساس بحقنا في المياه خط أحمر، نتطلع إلى التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل السد".

وأوضح السيسي أنهم يسعون "إلى الحصول على حقنا في مياه النيل لا أكثر"، وأشار إلى أن هناك تحرك إضافي خلال الأسابيع المقبلة عبر المفاوضات، وأوضح أن "الأعمال العدائية تمتد تأثيراتها لسنوات طويلة".

'قرار أحادي'

وتأتي تصريحات السيسي بعد أن قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي إن بلاده أبلغت المبعوث الأميركي للسودان، دونالد بوث، بمضي إثيوبيا في عملية الملء الثاني لسد النهضة وإنها جزء من عملية بناء سد النهضة بقرار أحادي دون الرجوع للقاهرة والخرطوم.

'مفاوضات متعثرة'

وأوضح خلال مؤتمر صحفي أن نائب رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية، دمقي مكونين، أجرى محادثات ناجحة مع المبعوث الأميركي تناولت فرص مساهمة الولايات المتحدة في دفع عملية مفاوضات سد النهضة المتعثرة وفقًا لإعلان المبادئ الموقع بين البلدان الثلاث.

وقال إن مكونين أطلع كذلك المبعوث الأميركي على حاجة إثيوبيا في الاستفادة من مواردها للتنمية وإن أكثر من 60 بالمئة من الإثيوبيين لا يحصلون على الكهرباء.

وأضاف مفتي بتأكيدات مكونين التزام إثيوبيا بالقوانين الدولية المنظمة للأنهار العابرة وعدم إلحاق أي ضرر بدول المصب جراء بناء سد النهضة.

وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية على أن "حل الخلافات يجب أن يكون بالمفاوضات، وأي تغيير في آليات المفاوضات يجب أن يكون حسب إعلان المبادئ"، على حد تعبيره.

'اتفاق ملزم ينظم عملية الملء'

وقبل أسبوع، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ضرورة السعي للتوصل "في أقرب وقت ممكن"، إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة، "بعيدًا عن أي منهج أحادي يسعى إلى فرض الأمر الواقع وتجاهل الحقوق الأساسية للشعوب".

وفي هذا السياق قالت صباح موسى، الصحفية المصرية المتخصصة في الشأن السوداني ودول حوض النيل، إن أزمة سد النهضة شهدت تصعيدًا وحدة في اللهجة المصرية لأول مرة وهذا ما ظهر في تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي، مشيرة إلى أن الرئيس المصري كان يتحدث دائمًا عن التزام مصر وتمسكها بالمفاوضات والحلول السلمية إلى أبعد مدى.

وأوضحت صباح موسى في تصريح خاص لوكالتنا، أنه عندما تحدث الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن أن مصر لو أقبلت على ضرب سد النهضة لن يلومها أحد سارعت القاهرة بالإعلان عن تمسكها بالمفاوضات السلمية وعدم دخولها في إطار التصريحات العنيفة القوية التي أدلى بها ترامب في ذلك التوقيت.

'فشل مفاوضات واشنطن والاتحاد الإفريقي'

وأشارت الصحفية المصرية المتخصصة في الشأن السوداني ودول حوض النيل إلى أن القاهرة ضاقت ذرعًا من التعنت الإثيوبي في مفاوضات سد النهضة، فمنذ بدء المفاوضات الثلاثية بين أطراف الأزمة الثلاثة لم تفضِ المفاوضات إلى شيء مما اضطرهم للذهاب إلى واشنطن، لافتة إلى أنه على مدى أربعة أشهر تهربت إثيوبيا في اليوم الأخير الذي كان من المفترض أن يتم فيه التوقيع على وثيقة الاتفاق، وأشارت إلى أن الوساطة الإفريقية لم تجدِ نفعًا بالوصول إلى أي اتفاق.

'رفض الرباعية الدولية'

ولفتت صباح موسى إلى أنه في نهاية المطاف طالب السودان برباعية دولية رفضتها إثيوبيا بتعنت شديد ومخالفة واضحة للقوانين والاتفاقات والمواثيق الدولية، وتصر على الملء الثاني بشكل منفرد، على الرغم من أن الملء الأول تسبّب في أضرار جسيمة على السودان، مما تسبب في فيضانات عنيفة وخرجت شبكات السودان والسدود عن العمل بالرغم من أن التخزين وقتها كان أقل بكثير حيث كانت نسبته تقريبًا مليار و4.0 متر مكعب، بينما التخزين هذه المرة سيصل إلى 13 ونصف مليار متر مكعب وهو ما يعني أضعاف الملء الأول.

'أضرار جسيمة على السودان'

وأكدت الصحفية المصرية المتخصصة في الشأن السوداني ودول حوض النيل، أن الملء الثاني بدون تنسيق مع السودان سيؤدي إلى أضرار جسيمة على السدود السودانية، ولم يكن أمام مصر أمام هذا التمسك الشديد بالمفاوضات والمضي في الإطار السلمي خاصة بعد جولة الوساطة التي يجريها المبعوث الأمريكي للسودان، وجاء إلى القاهرة ثم ذهب إلى أديس أبابا ورغم ذلك تصر إثيوبيا على المضي قدمًا في الملء الثاني، وبالتالي لم يكن أمام القاهرة إلا هذه اللهجة الحادة التي تحدث بها الرئيس السيسي ليرسل رسائل قوية لإثيوبيا والإقليم والمجتمع الدولي أن مصر قد ضاقت ذرعًا من الأسلوب الإثيوبي.

'سيناريوهات متوقعة'

ونوّهت صباح موسى إلى أنه بعد تصريحات الرئيس السيسي وتغيّر اللهجة المصرية هناك سيناريوهات متوقعة إما "بالضغط عبر المجتمع الدولي وإما أن تأخذ الأمور طريقًا آخر غير التفاوض لا نستطيع أن نجزم به الآن ولكن سنرى ماذا تخبئ الأيام المقبلة لهذا الملف، خاصة وأن ما يفصلنا عن الملء الثاني في يوليو المقبل أشهر قليلة ومصر كانت وضعت سقف نهائي للتفاوض على لسان الرئيس في زيارته الأخيرة للخرطوم بأن نهاية أي تفاوض سيكون نهايتها منتصف إبريل المقبل، حتى تتمكن القاهرة والخرطوم من إيجاد سيناريوهات بديلة لإيقاف إثيوبيا عن إصرارها على الملء الثاني".

'خطر يحدق بالأمن الإقليمي'

ومن جانبه قال محمود بسيوني، الباحث السياسي المصري، إن التجاهل الإثيوبي للمطالبات المصرية والسودانية بضرورة الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ حصصهم المائية التاريخية قبل عملية الملء الثاني لسد النهضة ينذر بخطر شديد على حالة الأمن والسلم الاقليمية في إفريقيا.

وأضاف بسيوني: "فقد أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن مصر لن تتخلى عن حصتها واعتبرها خطًّا أحمر، وأكد أن القاهرة ستستخدم كل أدواتها من أجل الحفاظ على حقوقها وهو ما قدم ردًّا مباشرًا على التصريحات الإثيوبية المتغطرسة والمتعالية والتي أكدت فيها عزمها القيام بالملء دون اتفاق وقللت من التحركات المصرية والسودانية الهادفة إلى إنجاح المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي".

'سابقة في عمليات اقتسام المياه'

وأشار بسيوني في حديثه لوكالتنا، إلى أن التصرفات الإثيوبية الأحادية تعرض علم الاتحاد للخطر الشديد خاصة وأنها تسحب من رصيد الثقة في الآلية الإفريقية المهمة وتضعف تعامل الاتحاد الإفريقي مع الأزمات الإفريقية مستقبلًا، كما تضع سابقة خطيرة في عمليات اقتسام المياه العابرة للحدود، حيث أشعلت نزاعًا يهدد حق الإنسان في الحياة وعصفت بحقه في الحصول على المياه النظيفة.

'حسن نية مصر والسودان'

وأوضح الباحث السياسي المصري أن مصر والسودان اعترفتا بحق إثيوبيا في التنمية، ووقعا إعلان مبادئ يؤكد حسن نيتهما تجاه السد، كما أثبتت مصر والسودان جدية التزامهما بقواعد القانون الدولي ومبادئ التفاوض لحل النزاع ولكن الصلف الإثيوبي يتصاعد يومًا بعد يوم مع اقتراب موعد الملء الثاني وتعرض مصر والسودان لخطر داهم بسبب ذلك.

'تهديد حياة المصريين والسودانيين'

وأكد بسيوني أن ما تقوم به إثيوبيا فيه تهديد خطير لحياة الناس في مصر والسودان اللذان أعلنا إنهما لن يقفا مكتوفي الأيدي تجاه استمرار التعنت الإثيوبي، كما زادا من التعاون بينهما على كافة الصعد وأهمها التعاون العسكري ويظهر بشكل واضح في مناورات نسور النيل بين القوات الجوية المصرية والسودانية، وكذلك ترحيب مصر بالمبادرة السودانية والتي حاولت حل أهم نقاط الخلاف بين البلدان الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا، والتي بسببها تعثرت المفاوضات بينهم، وتتمثل في تدابير التخفيف من الجفاف، وتباين التصريفات اليومية من سد النهضة، والمنحنى المتوسط للتشغيل، وعملية إعادة ملء السد بعد تعاقب سنوات الجفاف في المستقبل، وحق التنمية المستقبلية وعلاقة الاتفاقية بقضايا تقاسم المياه، الطبيعة الملزمة للاتفاقية وكيفية تعديلها، وآلية حل النزاعات بين الدول الثلاث.

'تصدير أزماتها الداخلية'

ومن القاهرة إلى الخرطوم حيث قال إبراهيم ناصر، الباحث السوداني المتخصص في العلاقات الدولية، إن إثيوبيا تسعى إلى تصدير أزماتها الداخلية عبر سد النهضة من خلال إبداء مواقف متشنجة حيال ملف سد النهضة ورفض قاطع للنداءات السودانية والمصرية في عملية الملء الثاني لأنها تعلم أنها في حال حققت هذا النصر ربما تقلل من حدة الخلافات الداخلية التي تحدث في داخل إثيوبيا، وبالتالي فهي ترفض أي مطلب سوداني أو مصري عقلاني وهو ما يولد حالة من الاحتقان في عملية التفاوض ويعلق المفاوضات ويدخلها في نفق ضيق.

'ردود مصرية وسودانية خشنة'

وأشار ناصر في حديثه لوكالتنا إلى أن الوضع ذاهب إلى الكثير من التأزم في العلاقات البينية ومن المتوقع أن يكون هناك ردود سودانية ومصرية خشنة تضر بأمن واستقرار إثيوبيا.

'ضرب استقرار أديس أبابا'

ولفت الباحث السوداني المتخصص في العلاقات الدولية، إلى أن إثيوبيا تعاني من حالة من الانقسامات الداخلية الحادة، وهناك الكثير من المعطيات التي يمكن استغلالها من طرف السودان ومصر في ضرب استقرار أديس أبابا، كاستغلال أزمة التيغراي التي ربما تسهم في تعقيد المشهد السياسي والأمني الإثيوبي، وبحكم أن السد قائم في منطقة بني "شنجول" ربما تسعى القوى المخابراتية السودانية والمصرية إلى التغلغل في المنطقة مما يدخل إثيوبيا في حالة من الفوضى والاضطرابات الأمنية، فضلًا عن ما تشهده منطقة أروميا الآن من اضطرابات.

(ح)

ANHA