​​​​​​​كاتب: انتصار روسيا ناقص ولا تملك القدرة على صناعة الحل السوري

رأى رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط، غسان شربل، أن روسيا الحاضرة حاليًّا في الملفات الليبية والأفغانية والسورية لا تملك وحدها القدرة على صناعة الحلول وهي تحتاج إلى تفاهم مع أميركا وإلى دعم الدول الخليجية.

​​​​​​​كاتب: انتصار روسيا ناقص ولا تملك القدرة على صناعة الحل السوري
الإثنين 15 آذار, 2021   07:11
مركز الأخبار

وفي مقال نشرته صحيفة الشرق الأوسط قال شربل: "لم تكن زيارة «الربيع العربي» لربوعنا موفقة. فنحن نتحدث عنها كأننا نقرأ في رواية قديمة مؤلمة، ويخالجنا شعور أن تلك الأحداث وقعت في زمن بعيد، وأن طبقات من التراب والنسيان غطت بقع الدم التي توزعت في العواصم والساحات، ومن حق المرء أن يتساءل ما إذا كان ذلك الربيع بكّر أم تأخّر، وما إذا كانت مجتمعاتنا ملقحة ضد الربيع والتغيير.

 الأكيد أن الربيع وجد مجتمعًا دوليًّا مستعدًا للتصفيق وتحريض الثوار على مزيد من الأحلام، لكن من دون توفير التضامن السياسي والقانوني والإنساني في ساعة الامتحان".

وأضاف شربل أنه "يمكن معاقبة الربيع بوسائل عدة، خصوصًا حين يستولي المتشددون على المنابر والساحات، فيهجم الخوف على المجتمع، وتتحرك قوات الأمن لتبديد الخوف والربيع معًا. يمكن معاقبة الربيع بأساليب كثيرة في الشرق الأوسط الرهيب، لكن العقاب في سوريا كان الأشد، وكانت الحصيلة نظامًا منتصرًا في بلاد مدمرة، فبعد عقد على الشرارة الأولى، تبدو سوريا حائرة وسط التدخلات والأعلام والخسائر والأرقام".

وأشار الكاتب إلى أن "النظام السوري كان محظوظًا، وإيران التي تعتمد لغة الدفاع عن المقهورين والمظلومين اختارت منذ اللحظة الأولى منع الربيع السوري من إنجاز أي تغيير في وضع النظام وتموضعه الإقليمي، وكان تغيير النظام في سوريا يعني ببساطة قطع خط الاتصال بـ«حزب الله» في لبنان، وهو أكبر استثمار إقليمي لإيران، والدليل الدور الذي يضطلع به الحزب في حروب المنطقة".

وأوضح الكاتب "تكاثرت التدخلات على أرض سوريا، وتدفقت الأسلحة وقوافل المقاتلين في مواجهة تميزت بوحشيتها، خصوصًا بعدما صار أسلوبها الوحيد هو أسلوب «الأرض المحروقة». لكن التجربة أظهرت أن الميليشيات الموالية لإيران ليست قادرة وحدها على منع سقوط النظام، بعدما اقتربت هجمات المعارضين من قلب دمشق. كان لا بد من البحث عن مظلة تنقذ النظام من السقوط، وتعطيه لاحقًا فرصة ترميم قدراته لاسترجاع المناطق الحيوية.

 وإذا كانت طهران كرهت الربيع حين اقترب من دمشق، فإن سيد الكرملين لا يحبه أصلًا. أسباب كثيرة شجعت فلاديمير بوتين على توجيه ضربة قاضية للربيع السوري. إذ أنه لا يحب الثورات الملونة، وبيانات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الدولية، ويعتبرها مجرد أقنعة لرغبة غربية لانتهاك سيادة الدول".

وقال شربل "تعسكرت الثورة السورية واستولى على صفوفها الأمامية المقاتلون الجوالون الذين سهّلت تركيا تسللهم إلى الأراضي السورية، فرفعوا شعارات «داعش» و«القاعدة»، وكان بين هؤلاء عدد كبير من الوافدين من البلدان الخارجة من الركام السوفياتي، فرأى بوتين فرصة في أن يطاردهم على أرض سوريا، بدلًا من أن يطاردهم على أطراف روسيا أو داخلها".

وأكد الكاتب أن "التدخل الروسي قلب الموازين، وها هو الربيع السوري مجرد ذكريات، حيث لم يعد إسقاط النظام مطروحًا، وأكثر ما تحلم به الدول الغربية هو أن يوافق الرئيس بشار الأسد الذي يقترب من الفوز بولاية رئاسية جديدة على إبداء مرونة باتجاه الحل السياسي، ولو أقل مما يطالب به قرار مجلس الأمن الدولي 2254. وعندما اعتبرت سوريا ساحة مفتوحة للتدخلات، تقدمت تركيا بدورها لتقويض الشريط الكردي قرب حدودها ولتحجز، على غرار إيران، موقعًا في أي مفاوضات مقبلة".

ويرى الكاتب أن الخريطة باتت شديدة التعقيد، حيث إن الانتصار الروسي واضح لكنه ناقص. والإيراني شريك صعب، وهو تسرب إلى الأجهزة العسكرية والأمنية السورية، وإلى بعض المجتمع، وإسرائيل تشن حربًا لا هوادة فيها على التموضع الإيراني في سوريا، وبوتين يعطي نتنياهو صفة الشريك والصديق. وتركيا شريك معترف به منذ انطلاق مسار آستانا مع روسيا وإيران. أما الوجود العسكري الأميركي على الأرض السورية فهو وجود يرفع راية التصدي لـ«داعش»، لكنه يأمل في قطع طريق طهران - بيروت، أو مراقبتها على الأقل.

ويوضح الكاتب أن الانتصار الروسي ناقص لأن موسكو ليست قادرة على قيادة عملية لإعادة الإعمار في سوريا، ولا قادرة على "إعادة تأهيل النظام"، وإعادة دمجه في المجموعتين العربية والدولية.

وانتصار النظام ناقص أيضًا، فهو لم يعد مهددًا بالسقوط عسكريًّا، لكن التدهور الاقتصادي المريع عدو لا يقل خطورة. ثم إن القدرة على الإقامة الطويلة وسط الركام والأرقام المذهلة لعدد القتلى والجرحى واللاجئين والنازحين محفوفة بالعزلة والتآكل.

وحول أهداف زيارة لافروف إلى الخليج، قال شربل "في ضوء هذه المعطيات، ومع وجود إدارة أميركية تتلمس طريقها في الشرق الأوسط، جاءت جولة سيرغي لافروف الخليجية التي شملت السعودية والإمارات وقطر.

وكان لافتًا أن لقاء الدوحة الروسي - القطري - التركي أسفر عن إطلاق «مسار سياسي مواز لمسار آستانة»، ومن الواضح أن روسيا الحاضرة حاليًّا في الملفات الليبية والأفغانية والسورية لا تملك وحدها القدرة على صناعة الحلول، إنها تحتاج إلى تفاهم مع أميركا، وتحتاج أيضًا إلى دعم الدول الخليجية، ويعرف النظام السوري أنه غير قادر على تغيير واقعه الحالي من دون اتخاذه خطوات تشجع العرب على إعادته إلى الجامعة العربية، وتشجع الغرب على تليين العوائق التي تحول دون مساعدته على التقاط أنفاسه".

وأوضح غسان شربل في نهاية مقالته قائلًا: "روسيا هي اللاعب الأول في سوريا الحالية، لكنها ليست اللاعب الوحيد. الخيوط الروسية لا بد منها لحياكة سجادة الحل في سوريا لإخراجها من الركام والتدهور الاقتصادي، وفتح الباب لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، ويحتاج الحائك الروسي أيضًا إلى الخيوط الأميركية والأوروبية والخليجية والتركية والإيرانية.

 سجادة الحل في سوريا ليست بسيطة، وتعرف روسيا وسوريا أن إدارة بايدن المهتمة بالاتفاق النووي مع إيران، واحتواء «الصعود الصيني»، قد لا تكون مهتمة بتمكين بوتين من تحقيق مثل هذا النجاح في سوريا من دون ثمن مقابل. فهل يستطيع الأسد تسهيل مهمة الحائك الروسي؟".

(ي ح)