أثيوبيا.. بوابة تركيا إلى القرن الأفريقي

توجهت الأنظار خلال الأيام الماضية، إلى دخول تركيا على خط الأزمة بين السودان وأثيوبيا، دعمًا للأخيرة، والتي على ما يبدو تعمل على تصعيد التوتر بين الطرفين، فما هي طبيعة العلاقات بين تركيا وأثيوبيا، وما هي الأهداف التركية من ذلك؟

أثيوبيا.. بوابة تركيا إلى القرن الأفريقي
الأحد 21 شباط, 2021   22:29
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

وازدادت حدة التوتر والنزاع الحدودي بين السودان وأثيوبيا على منطقة "الفشقة" التي يستوطنها مزارعون إثيوبيون، إلا أن السودان يقول إنها تقع داخل حدوده التي تم ترسيمها عام 1902.

واستدعت وزارة الخارجية السودانية، يوم الأربعاء، السفير السوداني الموجود في إثيوبيا، للتشاور بشأن التطورات العسكرية بين السودان وإثيوبيا على الحدود الفاصلة بينهما.

وأعلنت الخارجية السودانية في بيان سابق لها، أن اعتداء إثيوبيا على الأرض السودانية هو تصعيد يؤسف له ولا يمكن قبوله، وستكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن السودان يحمّل إثيوبيا المسؤولية كاملة عما سيجره إليه عدوانها من تبعات.

ويعود اتفاق ترسيم الحدود إلى عام 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا، أي قبل استقلال السودان عام 1956، وما زالت الخلافات قائمة بشأنه.

وتقول الحكومة السودانية إن مناطق حدودية واسعة ظلت محتلة من قبل جماعات مسلحة إثيوبية لأكثر من 25 عامًا، وتتهم الجيش الإثيوبي بدعم هذه الجماعات، فيما تنفي أديس آبابا ذلك.

وتصاعد التوتر في المنطقة الحدودية منذ اندلاع الصراع في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ووصول ما يزيد عن خمسين ألف لاجئ إلى شرق السودان.

وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2020 تعرضت قوة من الجيش السوادني لكمين داخل الأراضي السودانية، مما أسفر عن مقتل وإصابة جنود سودانيين، واتهم الجيش السوداني "ميليشيات" إثيوبية بتنفيذ الهجوم.

وبحسب مراقبين، فإن التوترات الأخيرة على الحدود بين الدولتين قد تؤدي إلى اندلاع اشتباكات جديدة، حيث تفتعل إثيوبيا دائمًا الخلافات، وتسعى إلى إرغام السودان على إعادة التفاوض على الحدود رغم أن اتفاقية 1902 رسمت الحدود بين البلدين التي عززتها اتفاقية 1907 أيضًا.

'علاقة تركيا وأثيوبيا'

وعلى إثر هذه الخلافات، تطورت العلاقة بين تركيا وأثيوبيا، والتي شهدت تناميًا مستمرًّا.

ووقَّعت أنقرة اتفاقية دفاع مشترك مع أديس أبابا في أيار/ مايو 2013، وأقرها البرلمان الإثيوبي في آذار/ مارس 2015.

وتنص الاتفاقية على تدعيم التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وأن تقدم تركيا دعمًا فنيًّا ولوجستيًّا؛ لزيادة قدرات إثيوبيا العسكرية، ونقل التكنولوجيا الدفاعية، وتحديث الموجودات العسكرية لإثيوبيا، وإقامة تعاون متبادل بين شركات الصناعات الدفاعية، بأن تحصل تركيا على الدعم الفني والعسكري واللوجستي من إثيوبيا، مقابل إمدادها بالتكنولوجيا الدفاعية.

وجاء في إعلان البيان الختامي لاتفاقية الدفاع المشترك: "تركيا تنقل خبرتها في بناء السدود وتساعد في الدفاع عن السد ضدّ أي تهديد".

وتتضمن أيضًا إبرام صفقات سلاح، ومنها، اتفاقية تنص على توريد شحنة أسلحة إلى أديس أبابا بقيمة مليار دولار، والمشاركة في تدريب القوات الإثيوبية وقوات الشرطة والأمن، والتعاون المشترك في مكافحة الإرهاب.

وتعهدت تركيا في إطار تعاونها العسكري مع إثيوبيا، بحماية إنشاءات السد بوساطة أجهزة رادارات تركية، تستخدم للإنذار المبكر، ومد إثيوبيا بنظام صواريخ «تركية – إسرائيلية» مشتركة الصنع.

وبحسب تقارير، فإن تركيا حاولت السيطرة على المياه الإقليمية، وفرض نفوذ في منطقة الشرق والقرن الأفريقي من جهة، وإفساد أي توجه مصري لأفريقيا من جهة أخرى.

وحول ذلك قال الكاتب والمحلل السياسي المصري أكرم القصاص: "سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تقوية علاقات تركيا بالسودان في أواخر حكم الرئيس السابق عمر البشير، لكن بعد قيام الثورة السودانية في ديسمبر 2018 دخلت العلاقات بين البلدين منعطفًا ارتفعت فيه الأصوات مطالبةً بإعادة النظر في اتفاقية ميناء وجزيرة سواكن على البحر الأحمر، وبعد الإطاحة بالبشير عاد الجدل مجددًا بشأن الجزيرة التي سلّمتها الخرطوم إلى أنقرة بموجب اتفاق في ديسمبر 2017 أثناء زيارة أردوغان للسودان".

وتابع: "خاصة وأن أردوغان قدم وعودًا كثيرة للبشير باستثمارات ومشروعات مختلفة، لكن المعارضة اعتبرت الاتفاقات محاولة لدعم النظام الإخواني للبشير، ووضعت الاتفاقات في المجهول، بل إن الاتفاقات تم تجميدها تقريبًا، خاصة وأن السودانيين اكتشفوا أن أردوغان كان يعتبر الاتفاق حول الجزيرة انتصارا عثمانيًّاً، وهو ما دعم وجهة نظر المعارضة. وبعد رحيل نظام البشير سعى أردوغان إلى استمرار العلاقات مع السودان بشتى الطرق، من دون أن يقدم أكثر من التصريحات".

'استغلال تركي واستثمار في الأزمات'

وعلى الرغم من أن الخلافات بين السودان وأثيوبيا في ظاهرها تبدو بين طرفين مختلفين على حدود مشتركة، إلا أن مراقبين يرجعون أسباب التوتر إلى تدخلات خارجية.

وحول استغلال تركيا لهذه الخلافات قال القصاص: "لا يمكن النظر لأي تحرك تركي بمعزل عن سياسات تركيا الأردوغانية خلال العقد الأخير، وهي سياسة لا تتعلق بالتحركات التقليدية للدول وبناء سياسات خارجية للتعاون أو التأثير لكنها تستند إلى أوهام الإمبراطورية العثمانية الغابرة، التي دفعت حزب العدالة والتنمية إلى بناء تحالفات مع الجماعات المتطرفة، خاصة تنظيم الإخوان، الذي أراد أروغان الاستفادة منه ومن قدراته وبنيته التحتية".

وأوضح في هذا السياق "ظلت تركيا ممثلة المعسكر الأمريكي والغربي طوال الحرب الباردة، لكنها فقدت هذا الموقع بعد انتهاء الحرب الباردة، وبعد سنوات بنت فيها تركيا علاقات متوازنة مع الدول العربية والإسلامية، أيقظت سنوات الربيع العربي أحلام أردوغان بحثًا عن نفوذ، من خلال محاولة توظيف التنظيمات المتطرفة والإرهابية مثل داعش والقاعدة، وبمزاعم دعم حرية السوريين كما أوهم الغرب، لكن الأمر تطور إلى التدخل المباشر في سوريا ومحاولة انتزاع منطقة أمنة بزعم حماية الأمن القومي، ونفس الأمر في العراق، وبهزيمة داعش في سوريا والعراق فقد أردوغان حلفاء تصور أنه يمكن أن يستفيد من الفوضى، وقبلها فقد الرهان على تنظيم الإخوان أثناء عام حكموا فيه مصر".

وأضاف: "حاول أردوغان اللعب في ليبيا من خلال دعم الميليشيات وتصدير المرتزقة، لكنه اصطدم بالخط الأحمر الذي وضعه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في يوليو الماضي، معتبرًا أن خط الجفرة سرت خطٌّ أحمر، ومصر تعتبر تخطيه تهديدًا للأمن القومي، كما أن التدخلات الإقليمية للحل السياسي في ليبيا حجمت الرهانات التركية والتي يبدو أنها اختصرت في بناء علاقات مع أطراف ليبية".

'تقارب الخاسرين'

وفي وقت يسود فيه التوتر على الحدود بين الطرفين، توجه وزير الخارجية الأثيوبي، ديميكي ميكونين، إلى تركيا، وتحدث خلالها مسؤولو البلدين عن توسيع استثمارات تركيا في إثيوبيا والتي تقدر بمليارات الدولارات.

وعقب هذه الزيارة، طالبت إثيوبيا بدعم تركي في نزاعها مع السودان، وأكد المتحدث وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، أن "بلاده ستشعر بالامتنان، في حال توسطت تركيا بينها وبين السودان، من أجل حل النزاع الحدودي القائم".

وبحسب السلطات الأثيوبية، فإن استثمارات تركيا في إثيوبيا تبلغ حاليًّا 2.5 مليار دولار، وتعتبر ثاني أكبر مستثمر في إثيوبيا بعد الصين بصناعات النسيج المتطورة وشركات تصنيع الكابلات.

وحول الأسباب الاقتصادية لهذا التقارب أوضح القصاص أنه "بسبب الرهانات الخاطئة، فقد الاقتصاد التركي الكثير من ما حققه خلال العقدين الماضيين، وأصبحت سياسات الرئيس التركي هروبًا دائمًا الى الأمام ومحاولة لتعويض تراجع شعبيته سياسيًّا أو تحقيق أي تعويض اقتصادي، ومن هنا يمكن تفهّم العلاقات التركية مع اثيوبيا التي تعاني هي الأخرى من مشكلات وصراعات عرقية داخلية، فضلًا عن المشكلات مع جيرانها، فيما يبدو أنه نوع من تقارب الخاسرين، أردوغان الذي تطلب إثيوبيا وساطته في نزاعها مع جارتها السودان، هو نفسه يواجه مشكلات داخلية وإقليمية بعد فشل رهاناته الإقليمية لبناء نفوذ يدفع ثمنه حاليًّا من اقتصاده".

وأوضح أنه "لا يعوض ذلك ادعاءات السفير التركي لدى إثيوبيا، بيرق ألب، أن أنقرة أصبحت أكبر مستثمر في إثيوبيا بعد الصين، وأن العلاقات السياسية بين البلدين في درجتها الممتازة، ويبدو رهان تركيا على استغلال ظروف النزاع القائمة بسبب سد النهضة الأثيوبي مع السودان ومصر، استمرار لرهانات أردوغان لتحقيق مكاسب من وسط الفوضى، وهو رهان يبدو أنه سيلحق بباقي رهاناته السابقة، حيث يجري الحديث عن التبادل التجاري بين إثيوبيا وتركيا أو الاستثمارات التركية نوعًا من القفز على الأزمات التي تحيط بالطرفين".

ماذا تمثل أفريقيا لتركيا؟

ووضعت تركيا، خلال السنوات الماضية، السيطرة على القرن الأفريقي، هدفًا لسياستها، حيث زادت من عدد السفارات في المنطقة، بالإضافة إلى محاولة إقامة قواعد عسكرية.

واستغلت تركيا، رغبة إثيوبيا في أن تكون لاعب مهم على الساحة الأفريقية والدولية، حيث رفعت مستوى العلاقات معها، وزارها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العام 2005.

القصاص رأى أن "تركيا تسعى إلى علاقات متعددة اقتصادية لكنها في الأساس سياسية، وانتقلت التحركات التركية من شرق المتوسط إلى منطقتَي الساحل والصحراء، ووقعت تركيا اتفاقات مع النيجر وغينيا ودول في غرب افريقيا، لكن أنقرة تصطدم بالمصالح الفرنسية في افريقيا".

وأضاف: "السياسة الخارجية التركية تسعى إلى خلق موطئ قدم في مناطق عدة من العالم، وأفريقيا من بينها، لكنها تركز في الدول ومناطق الصراعات فيما يسميه بعض الخبراء "الاستثمار في الأزمات" حيث سعت إلى إقامة علاقات بدول أفريقية مثل النيجر، وتشاد، ومالي، وبوركينا فاسو وموريتانيا، وهي دول تواجه أزمات منها انتشار الإرهاب والفقر والصراعات العرقية والإثنية، وتحاول عقد تحالفات مع أطراف النزعات، وهي سياسة بالرغم من فشلها في سوريا وليبيا، ما يزال أردوغان يراهن على نجاحها في تحقيق أماكن وجود ونفوذ تعوض خسائره الاقتصادية والسياسية".

'عداء مشترك لمصر'

وكان أحد أبرز أسباب التقارب بين تركيا وأثيوبيا، هو العداء المشترك لمصر التي تقف عائقًا أمام المشروع التركي في أفريقيا وشرق المتوسط، كما أنها على خلاف مع أثيوبيا حول سد النهضة.

القصاص رأى حول ذلك أن "الكثير من تحركات أردوغان الإقليمية في ليبيا أو السودان، أو أفريقيا فيها اتجاه للتوسع التركي ومحاولة تدعيم الوجود التركي في أفريقيا، خاصة من خلال تحالفات مع المنظمات المتطرفة والجماعات المسلحة، وقد خسر أردوغان رهانه على تنظيم الإخوان، وبعد ثورة 30 يونيو أعلنت تحركات وتصريحات أردوغان أنه فقد رهانًا كبيرًا وحليفًا محتملًا، وأطلق تصريحات معادية فضلًا عن تحركات لدعم الميليشيات والمرتزقة في ليبيا وفقد رهاناته في ليبيا بعد الخط الأحمر المصري".

وأردف القصاص: "بالطبع يمكن أن تكون محاولاته التقارب مع أثيوبيا نوعًا من التعويض لخسارة رهاناته المتعددة، لكن التجربة السابقة تشير إلى أن أردوغان فشل في استهداف مصر في أكثر من موضع، خاصة وأن ملف سد النهضة أو سياسات الحكومة الاثيوبية داخليًّا وإقليميًّا، تدخل في أكثر من صراع يجعل من الصعب الرهان على تحالف مع تركيا أو غيرها، خاصة وأن كلا الطرفين يواجه مشكلات داخلية وإقليمية".

(ح)

ANHA