جرائم الاحتلال التركيّ مرسومة على وجوه وأجساد أطفال عفرين

كورجين وأفرين ومنذر وخوشناف علي أربعة أطفال لم يقترفوا ذنباً سوى أنّهم كرد حتّى استهدفتهم آلة الحرب التركيّة، استشهدت على إثرها كورجين، وحوّلت حياة الأخوة الثلاثة الباقين إلى آلام سترافقهم طوال حياتهم.

جرائم الاحتلال التركيّ مرسومة على وجوه وأجساد أطفال عفرين
الأحد 7 شباط, 2021   05:24
حلب -  محمد عبدو

يطلب الطفل خوشناف ابن الرّابعة من العمر أن تؤخذ  له صورة فوتوغرافية بالكاميرا، ظناً منه أن الكاميرا ستعمل على محو التشوهات التي رافقت وجهه منذ أول عام له في الحياة.

أمّا آفرين  فيراودها الخجل من الجلوس أمام الضيوف، فهي لا تستطيع مساعدة أمّها في خدمتهم لأنّ أطرافها السفلية لا تساعدها على التحرّك، فتكتفي بالابتسامة وإخفاء وجهها ظّناً منها أنّها ارتكبت شيئاً غير لائق.

والطفل الثالث منذر يبرز إشارة النّصر بيده مع فقدانه للخنصر والبنصر وهو مبتسم، ويريد لفت الانتباه إلى الضّربة التي تلقاها في رأسه والتي جعلته يعاني منها إلى هذه اللحظة.

الأخوة الثلاثة رغم جراحهم العميقة يفتقدون أختهم كورجين الّتي ظلّ جثمانها في مدينة عفرين دون أن يودّعوا بعضهم البعض، هذا ما فعله بهم الاحتلال التركي عبر استهدافهم بإحدى قذائف المدفعية محولاً حياتهم إلى آلام لا تنتهي.

في هذا التقرير نسلّط الضوء على الجريمة التي ارتكبت بحقّ عائلة المواطن عبد الرّحمن علي على يد جيش الاحتلال التركيّ ومرتزقته.

'يوم 13 آذار يوم ملعون'

أثناء غزو الاحتلال التركي لمقاطعة عفرين، اضطرّت عائلة عبد الرحمن علي، وهم من سكّان ناحية جندريسة إلى النزوح باتّجاه مركز المقاطعة، خوفاً من بطش الاحتلال التركي، فاحتمت العائلة في أحد بيوت أقربائها في حي المحمودية، حتى هدأ الوضع، وفي أحد أيام شهر آذار انتقلت العائلة المكوّنة من ستة أشخاص إلى حيّ الأشرفية كبقية العوائل العفرينية هرباً من هول قصف طائرات الاحتلال التي لم تكن تفارق السّماء.

ربّة العائلة جنات من قرية قرميلق رفضت التحدّث أمام الكاميرا لأنّ الذكريات الأليمة المرافقة لها جعلت من الكلام غير كافٍ لوصف ما ارتكبه الاحتلال من جرائم بحقّ عائلتها.

وصفت جنات ذات العقد الثالث يوم الـ 13 من آذار عام 2018 بالملعون، وقالت: "اشتدّ القصف التركي على مركز المقاطعة في 13 آذار، بتنا لا نفرّق بين أصوات الطائرات والقذائف، فخرجنا من البيت نبحث عن مكان آمن، وأثناء خروجنا لم أرَ سوى الدّخان الأسود وأحسست أنّي ارتطمت بالأرض".

وكان المشهد الذي لم تره جنات هو وقوع إحدى قذائف مدفعية الاحتلال التركي التي أمطرت مقاطعة عفرين  بالقرب منهم مباشرة متسبّبة باستشهاد طفلين هما كل من ابنتها كورجين البالغة من العمر 7 سنوات آنذاك، وابن قريبتها محمد كاميران قشلة 5 سنوات.

كما تسبّبت شظايا القذيفة بشلل ابنتها الأخرى آفرين التي كانت تبلغ 5 سنوات آنذاك نتيجة إصابتها لحبل النّخاع الشوكي ما أدّى إلى شلل أطرافها السفليّة.

أمّا منذر البالغ من العمر 4 سنوات فأصيب في الرأس، وتسببت الشظايا بتهشّم الجمجمة وارتجاج بالدماغ ما استدعى تركيب صفائح بالرأس لحماية الدماغ من الصدمات وفق تقرير الطبيب المعالج إلى جانب فقدانه لإصبعين من يده اليسرى وانتشار الشظايا في جسمه.

أمّا الطفل خوشناف الذي كان يبلغ عاماً واحداً آنذاك، فتسبّبت القذيفة باحتراق وجهه بعدما نشبت النار في الغطاء الذي كان يغطيه، فوصف الطبيب حروقه بالخطيرة ومندرجة ضمن الدرجة الثالثة، كما أنّ صغر سنّه أثناء إصابته جعله يدخل في حالة صدمة أثّرت في نموّه.

أمّا الأم جنات فأصيبت بشظايا في كامل جسمها، حتّى أنّ بعضاً منها لا يزال موجوداً بها لدرجة عمقها حالها حال قريبتها زايدة محمّد علي التي استشهد ابنها كاميران في هذه المجزرة المروعة.

ولم تقوَ العائلة على دفن ابنتها، إلّا أنّ أقرباءهم في عفرين قاموا بدفن جثمانها في المقاطعة قبل احتلالها من قبل جيش الاحتلال التركيّ.

جروح لم ولن تندمل

استطعنا الالتقاء بجدّة الأطفال وأم المواطنة جنات، وهي المواطنة جميلة مجيد طاهر من قرية جاقالا التابعة لمقاطعة عفرين، والتي كانت مرافقة لابنتها جنات في المشفى وتعمل على مساعدتها في خدمة أطفالها المصابين على مدار ثلاث سنوات الماضية.

تقول جميلة إنّها انفصلت عن ابنتها بعدما ذهبت إلى حي الأشرفية وأنّ القصف التركي لأبراج الاتصالات أدّى إلى انقطاع التواصل بينها وبين ابنتها إلّا أنّها عرفت بإصابتها من خلال نشرة الأخبار التي تعرضها فضائية روناهي.

وتابعت جميلة: "هرعت إلى المشفى بكلّ ما أوتيت من قوة، لأساند ابنتي وأطفالها الجرحى وعند وصولي صدمت من الواقعة، فحوّلهم الأطباء في مشفى آفرين فوراً إلى مدينة حلب لتلقي العلاج نتيجة جروحهم العميقة التي لم ولن تندمل".

وأردفت جميلة: "فور وصول العائلة إلى مدينة حلب عمدت حواجز حكومة دمشق إلى اعتقال عبد الرحمن رب الأسرة بحجّة أنّ عليه احتياطاً للخدمة العسكرية، غير آبهين بمأساة عائلته التي كانت بأمسّ الحاجة إليه".

نداء إنسانيّ لطلب المساعدة

 وتشير جميلة بأنّ تكلفة العمليات الجراحية أثقلت كاهل عائلة ابنتها، فكلّ طفل من أطفالها أجريت له على الأقل 5 عمليات، متوسّط تكلفتها بحدود 350 ألف ليرة سورية وإلى الآن وبعد مرور ثلاث سنوات على الجريمة التي ارتكبت بحقّهم لا تزال إصابات الأطفال في خانة المستدامة.

فالطّفلة آفرين هي أكثر المتضرّرين نتيجة إصابتها في النّخاع الشوكي وتتطلّب حالتها عملاً جراحيّاً لزراعة الخلايا الجذعية ومثل هذه العمليات لا تجرى سوى في الدول الأخرى.

وتمنّت المواطنة جميلة في نهاية حديثها أن يعود أهالي عفرين وأطفالهم إلى مدينتهم بعد تحريرها من الاحتلال التركي ومحاسبته على جرائمه، مناشدة كلّ نفس إنسانية معطاءة لمساندة الأطفال في طريق علاجهم من التّشوّهات التي خلّفها الاحتلال التركي ومرتزقته.

(إ)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/qOXnFlGQSXw" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>