لبنان: العودة إلى الشارع.. تحركات مطلبية أم استغلال سياسي؟

 لعل الحدث الأبرز في المشهد اللبناني المضطرب، كان عودة التحركات الاحتجاجية إلى الشارع اللبناني، على الرغم من الإقفال العام المرتبط بتفشي فيروس كورونا، وربما هذا الإقفال هو جزء من مكونات إطلاق هذا التحرك الشعبي، فيما يرى البعض أنه تحرك مطلبي لكنه استُغِل سياسيًّا.

لبنان: العودة إلى الشارع.. تحركات مطلبية أم استغلال سياسي؟
السبت 30 كانون الثاني, 2021   07:05
بيروت - زيادة أبو غزالة

شوهِدَ الملف الحكومي يتحرّك خلال الأيام الماضية.. فهل حدث ذلك أثناء تحرّك الشارع، أو على وقعه؟ تساؤل ينمّي الشكوك حول عودة الاحتجاجات التي تبدو مترامية الأهداف، ولا يمكن إعفاء أو إغفال الأدوار السياسية منها.

حفلت الأيام الماضية بتحرّكات وتواصل بين وسطاء محسوبين على قصر بعبدا وبيت الوسط، رفعت الرتابة عن الملف الحكومي، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى وصل ما انقطع بين الصرحين، أو يدفع بهذا الملف إلى الأمام، لكنه أسفر عن "هدنة"، تجسّدت بوقف الفعل وردّ الفعل على المواقف المتطايرة من الصروح.

تحركات بتوجهات حزبية!

وخطف الشارع اهتمام الجميع، ففي عزّ الإقفال، وفي ظل حالة الطوارئ ومنع التجوال وارتفاع البطالة واستحواذ لغة العَوَز على المجتمع، وانفلات سعر الصرف وتآكل ما بقيَ من قيمة الليرة، رُصدت تحرّكات وتظاهرات منظّمة امتدت من الشمال، مرورًا ببيروت وصولًا إلى خط الجنوب الساحلي، أجمعت التقارير الأمنية على أنها ظاهرة معدّة سلفًا.

 فالخروج إلى الشارع تمّت الدعوة إليه أولًا في طرابلس (التي أُدرجت قبل مدة على سلم رصد الجهات الأمنية كافة) من قبل مجموعات تحمل أفكارًا سياسية وتتبنى توجّهات حزبية ظاهرة لأطراف في السلطة، ولاحقًا دخلت على خطها مجموعات تتعاطف مع وجهات نظر لأطراف معارضة.

وفي هذا السياق، ربط مستشار رئيس الجمهورية النائب السابق أمل أبو زيد أحداث طرابلس بعملية تشكيل الحكومة، وقال، عبر حسابه على "تويتر": "الاحتجاجات الناتجة عن الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة وفوقها قرار الإقفال العام وجائحة (كورونا)، تكون مفهومة عندما يكون منطلقها مطلبيًّا بحتًا، لكن هذه التحركات تصبح غير مفهومة ومستغربة في توزيعها الجغرافي، ما يؤشر إلى رغبة في استغلال الشارع لتوجيه رسائل سياسية ضاغطة في غير مكانها في الملف الحكومي".

وأضاف: "إن ما يرافق هذه التحركات من أعمال شغب ومن دخان أسود، ومن تعدٍ على الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والممتلكات العامة والخاصة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذ كان هناك منتفعون من هذه الاحتجاجات لمصالح سياسية ضيقة من جهة، وإن كانت هناك رغبة دفينة لدى البعض الآخر في زعزعة الاستقرار الأمني ونشر الفوضى التي لا تقود إلا إلى المجهول".

وعلّق المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان السابق، يان كوبيتش، على الاحتجاجات، وكتب عبر حسابه على "تويتر" قائلًا: "تزايد مستوى العنف، بخاصة أثناء الاحتجاجات في طرابلس، مع سقوط عدد من الجرحى، الذين أُصيب بعضهم بجروح خطرة؛ سواء بين المتظاهرين أو القوى الأمنية، هو رسالة أخرى للطبقة السياسية".

 ودعا السياسيين "إلى تشكيل حكومة فعالة بدون المزيد من التأخير"، معتبرًا أنه "لم يعد باستطاعة الناس تحمّل هذا السقوط الحر إلى الهاوية".

'المستقبل" ينتقد "مخطط أقبية المخابرات'

وكان موقف "تيار المستقبل"، لافتًا وعالي اللهجة، إذ أكد في بيان له أن الحل الأمني للأزمة المعيشية ليس حلًّا، وأبناء طرابلس وسكانها لن يجاروا مخططًا دنيئًا يطل برأسه من "أقبية المخابرات سيئة الذكر"، متهمًا أطرافًا في أجهزة أمنية بغض النظر عما يحصل.

وقال البيان: "بين الأيدي المشبوهة التي تعمل على إغراق طرابلس بالفوضى، وبين الصرخة المحقة التي تعكس واقع المعاناة المعيشية في الأحياء الشعبية، تتصدر عاصمة الشمال المشهد السياسي والأمني والحياتي، وسط معلومات تؤكد وجود أمر مريب يعود بالذاكرة إلى مراحل الفلتان الأمني والاشتباكات المسلحة التي كانت تحصل عند الطلب".

وأضاف: "إذا كانت الكثير من المواقف قد أكدت في الساعات الماضية وجود جهات حزبية وسياسية وفعاليات محلية، اشتغلت على تسلق أوجاع المواطنين، وقامت بتمويل مجموعات، بعضها استُقدم من خارج طرابلس والشمال، فإن أداء أطراف في أجهزة أمنية؛ سواء في غض النظر عن ممارسات مخلّة بالأمن والقانون، أو في التخلُّف عن دعم القوى الأمنية في الوقت المناسب، هي وجه من وجوه التقصير الذي يثير الشكوك ويطرح الكثير من علامات الاستفهام حول الأهداف المبيتة لعمليات التخريب التي استهدفت الأملاك الخاصة والعامة في المدينة".

وفيما أكد بيان "المستقبل" أن المسؤولية تقتضي مقاربة وضع طرابلس بخطة واضحة ترفع عن كاهل الناس أعباء المعيشة في هذه الظروف الصعبة، سائلًا عن سبب التأخر في توزيع المساعدات التي أُقرت خلال فترة الإقفال العام، وأضاف: "هل هو متعمَّد؟ ولماذا لم يتم توزيع المساعدات قبل انفجار الغضب الشعبي؟"، وشدد على أن "الحل الأمني للأزمة المعيشية ليس حلًّا، والذين يراهنون على استدراج طرابلس إلى ساحات الفوضى والفلتان يعلمون جيدًا أن الأكثرية الساحقة من أبناء طرابلس وسكانها، لن يجاروا هذا المخطط الدنيء الذي يطل برأسه من أقبية المخابرات سيئة الذكر وأزلامها المعروفين".

تحذيرات من "استغلال حاجات الناس"

ورأى رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة أن "ما جرى هو حال غضب حقيقي جراء انهيار الثقة وكل الانهيارات الاقتصادية والمعيشية والمصرفية والطبية، فاللبناني خسر ما يقارب 80 في المئة من قيمة دخله، وأصبح يتعذر على اللبنانيين القادرين أن يصلوا إلى أموالهم، وبالتالي ازداد عدد الفقراء في لبنان"، وأضاف في المقابل "إن ما حدث من أعمال عنف وتكسير هو دليل على أن هناك مَن يندس دائمًا بين صفوف المتظاهرين، ويؤدي إلى استعمال العنف، وهو أمر لا يخدم مصلحة اللبنانيين ولا يوفر رغيف خبز إضافيًّا".

وكذلك كتب رئيس "حزب الكتائب"، النائب المستقيل سامي الجميّل، على "تويتر" قائلًا "أهل طرابلس وعناصر قوى الأمن كما كل لبنان هم ضحية الاستهتار وفقدان الضمير والفراغ في المؤسسات ومحاولات إرساء دولة بوليسية، بدلًا من دولة قانون سيّدة منفتحة مزدهرة وقادرة على تأمين حياة كريمة للبنانيين، في ظل حجر صحي لا مفر منه لمواجهة الوباء".

فيما عبّر رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي عن أسفه لمقتل الشاب عمر طيبة، ولسقوط عدد كبير من الجرحى في صفوف المدنيين والعسكريين خلال الأحداث التي شهدتها طرابلس، سائلًا الله أن "يحمي طرابلس ولبنان من كل من يريد استغلال حاجات الناس لتنفيذ مخطط سياسي وأمني".

ولفت إلى أن "ما تشهده طرابلس من احتجاجات هو ترجمة لغضب كبير على إهمال الدولة وسياساتها الخاطئة، وما يستفز الناس أكثر هو اللامبالاة التي تتعاطى بها السلطة مع أوجاع اللبنانيين، لكن في النهاية، المحتجون أهلنا وأبناؤنا والقوى الأمنية والعسكرية هم أشقاؤنا، وبالتالي لا يجوز أن يتحول هذا الغضب المشروع إلى مواجهات بين المواطنين وعناصر القوى الأمنية الذين يتقاسمون المعاناة، لذلك على الجميع أن يتنبه إلى الجهات التي تحاول حرف الاحتجاجات عن مسارها المطلبي لتحقيق مكاسب على حساب الفقراء".

عنوان التحرك: "الوضع الاقتصادي"

وفي المقابل هناك رأي يؤكد أن ما يحصل في طرابلس له علاقة بالوضع الاقتصادي واستمرار الإقفال العام، وأنه لو كانت الأحداث لها رسالة سياسية لكانت نوعية المشاركة مختلفة، والشعارات كذلك، مع العلم أنه يمكن استثمارها سياسيًّا.

وعنوان التحرك هو الغلاء وانعكاس استمرار الإقفال على الوضع الاقتصادي، وأن موضوع الحكومة ليس مرتبطًا بما يحصل من تحركات على الأرض لأن من يتحركون على الأرض ضد التركيبة السياسية وإسقاطها كلها.

وأشارت مصادر مواكبة لأحداث عاصمة الشمال إلى أن توتر الأوضاع الأمنية في مدينة طرابلس تحت عناوين تفاقم الضائقة المعيشية التي يعانيها المواطنون، لا سيما ذوو الدخل المحدود والمحتاجون، قد يكون أحد الأسباب لما يحصل، ولكن يبدو أن هناك من يحاول استغلال هذه التحركات الشعبية والاختباء وراءها لتأجيج التوتر لغايات وأهداف خبيثة بعيدة كل البعد عن المطالب الشعبية المحقة.

وقالت إن الفراغ الحكومي جراء تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، ووجود حكومة مستقيلة وسلطة عاجزة عن القيام بالمهمات المنوطة، يتسبب بفراغ مميت تستغله الجهات المشبوهة نفسها للتحرك من خلاله أيضًا، لتنفيذ غاياتها الخبيثة على حساب ومطالب المواطنين المحتجين ضد المسؤولين المتهاونين في الاهتمام بمصالح الشعب، ومطالبه المعيشية التي تتدهور يومًا بعد يوم من دون مبالاة، سوى الاهتمام بمصالحها ونفوذها.

وخلصت المصادر إلى القول، إن ما يحصل من توترات واحتجاجات شعبية في مختلف المناطق مرده إلى الفراغ الحكومي وتحلل السلطة في أكثر من مكان، وكلما طال هذا الفراغ، تراكمت الأزمات ومعها الاحتجاجات الشعبية والتي قد يصعب تطويقها ووضع حد لها إذا بقي المسؤولون على عدم مبالاتهم في تسريع تشكيل الحكومة العتيدة.

ما ينتظر لبنان أخطر من "كورونا"!

وأفاد مصدر أمني رفيع، أن "ما يحدث في طرابلس هو مُقدّمة لمزيد من التوترات الأمنية التي ستشهدها مختلف المناطق اللبنانية".

وأكّد المصدر لموقع "ليبانون ديبايت" أن "جهة خارجية تقف وراء التحركات الطرابلسية التي تحولت إلى مواجهات دموية بين المتظاهرين والقوى الأمنية، وهو ما دفع الرئيس سعد الحريري إلى تنبيه أهالي طرابلس من أي استغلال لأوضاعهم المعيشية".

ورأى المصدر أن "انتشار فيروس كورونا سيكون أرحم من الوباء الأمني الذي يخيّم فوق لبنان"، مشدّدًا على "ضرورة تدخل الدولة للحدّ من الفقر الذي تخطّت معدلاته الـ 75 % من الشعب اللبناني".

إذًا، الغضب بدأ يتجاوز الوباء، الذي بدأ يسجل أرقامًا قياسية جديدة في الوفيات، لامس المجموع العام 25 ألف وفاة منذ بدء الجائحة، وقد قدّر خبراء الاقتصاد الأضرار الاقتصادية لهذا الإقفال العام بمليار و800 مليون دولار أميركي، في غضون 25 يومًا من الإقفال، وقالوا إن على السلطة التي تطلب من الناس القعود في منازلهم أن تعوضهم، وإلا لا يجوز أن تطلب ذلك من الناس، فليس كل اللبنانيين يملكون القدرة والاكتفاء.

(ح)

ANHA