من تركيا إلى الإمارات.. بماذا عاد الحريري من جولته؟

قام رئيس الحكومة اللبنانية المكلّف سعد الحريري بجولة خارجية، تعددت الأقوال عن أهدافها، كما طُرحت أسئلة حول تموضع لبنان في أي من المحورين في المنطقة، الأول بقيادة الإمارات والسعودية وفرنسا، والثاني بقيادة تركيا، وهل كان الحريري وسيطًا ما بين الطرفين؟

من تركيا إلى الإمارات.. بماذا عاد الحريري من جولته؟
الثلاثاء 26 كانون الثاني, 2021   05:10
بيروت- زياد أبو غزالة

كيف يُمكن أن يجمع الحريري بين فرنسا والإمارات وتركيا، نظرًا إلى العلاقة بين الدول الثلاث، وإن بدت المهمة صعبة ومعقّدة، لكن الإجابة قد تكون أسهل ممّا يعتقد البعض، خاصة بعد الاجتماع المغلق الذي عُقد بين الحريري وأردوغان في مقر إقامة الرئيس التركي في إسطنبول.

المعلومات الصحفية الواردة تقول إن الحريري في زيارته الأخيرة للإمارات، سَمِع من المسؤولين الذين التقاهم "حرصًا عليه"، واستعدادًا إماراتيًّا لتوفير "المتطلبات المالية حتى لا ينهار تياره ومؤسساته".

 إلا أنّه وبعيدًا عن حاجات الحريري الشخصية، لا ترى الإمارات ومن خلفها السعودية نفسها معنية بلبنان أو بمساعدته للخروج من أزمته المالية، "لاعتبار الدولتين الخليجيتين أنّ لبنان ينتمي إلى المحور المُعادي لهما إقليميًّا".

انطلاقًا من هنا، الإمارات والسعودية "غير مُهتمتين بدعم حكومة ما زال "حزب الله" صاحب نفوذ فيها، إن كان الحريري رئيسها أو أي شخصية أخرى".

وفي هذا الكلام رسالة ضمنية إلى الحريري بأنّه "إما تكون في صفّنا أو لا نرغب في أن تكون رئيسًا للحكومة".

الإعلان عن زيارة الرئيس المُكلّف لتركيا أتت "مُفاجئة"، ولا سيما أنها في الشكل توحي كأنها "إعلان قطيعة" مع السعودية والإمارات، التي كان يخطب ودّها قبل أيام قليلة، بالإضافة إلى إمكانية تلبيدها الأجواء بينه وبين فرنسا، "سنده الوحيد" غربيًّا، نظرًا إلى تعاظم المنافسة التركية ـ الفرنسية في مختلف القطاعات.

إلا أن مصادر متابعة تستبعد أن تكون زيارة تركيا استفزازية لـ "الخليج" لأنّ الحريري لن "يخاطر بخسارة الدعم المالي الشخصي الذي سيحظى به"، ولن يُقدم على خطوة مماثلة دون تنسيق مع الإمارات والسعودية "حتى ولو بلغ الجفاء بينه وبينهما أوجه".

وزارة الخارجية السعودية، من جهتها، ردت على تقارير إعلامية عن أن المملكة العربية السعودية "لا تنظر بعين الرضا" إلى الزيارة التي قام بها الحريري إلى تركيا.

وقال مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السعودية، في بيان، إنه "بالإشارة إلى ما نشرته بعض المواقع الإلكترونية، وما نسبته لمصدر سعودي حول انزعاج المملكة من زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى تركيا، فإنه لا صحة لهذه الأخبار جملة وتفصيلًا"، مضيفًا أنه "لم يصدر عن أي مصدر سعودي أي تصريحات في هذا الشأن".

وكان موقع "إيلاف" السعودي نشر تقريرًا بعنوان "هل تخلى رئيس حكومة لبنان عن المملكة؟" وجاء في التقرير أن "السعودية لا تنظر بعين الرضا إلى الحريري وتحركاته الأخيرة"، وأضاف الموقع أن المطلعين على الشأن اللبناني رصدوا أن الحريري يتجه نحو الخيار التركي ويبتعد عن المملكة".

وتابع الموقع بالقول إن "زيارة الحريري إلى تركيا، التي لم تكن فقط للتنسيق ومساندة لبنان، إنما جاءت في إطار التموضع السني اللبناني في حضن تركيا الإخوانية".

ونقل الموقع عن مصدر قوله إن "مسؤولًا سعوديًّا اتصل بوزير لبناني، وأبلغه بأن هرولة الحريري إلى تركيا ستكلفه ثمنًا باهظًا، لأن المملكة لم تقصّر معه ومع لبنان بكل أطيافه في شيء".

وحول ذلك أجرت وكالتنا حوارًا مع المختصة في الشأن التركي والإقليمي الدكتورة هدى رزق.

وكان نص الحوار كالتالي:

*ما هدف جولة الحريري؟ ولماذا توجه إلى تركيا؟

أولًا، الهدف من جولة الحريري العربية الدعم المالي والمساعدات للبنان، كونه رئيس الوزراء. وبسبب الوضع الاقتصادي، يحاول تلقي وعود بمساعدات وتأييد سياسي من الدول العربية، وكذلك من الدول الإقليمية والدولية، خاصة أنه مع المبادرة الفرنسية.

أما بالنسبة لزيارته إلى تركيا، قيل لرأب الصدع بين الإمارات وتركيا، وكون الحريري مقربًا من الإمارات، فهو يلعب دورًا مهمًّا بين الطرفين، أو – كما قيل - لتقريب وجهات النظر بين طهران وأنقرة، لا سيما أن تركيا حاولت أن تتقرب من الملك السعودي محمد بن سلمان في القمة العشرين والقمة الإسلامية، وقالت أن لا مشكلة بين السعودية وتركيا، رغم أن الأخيرة لها مشاكل مع السعودية، وتحديدًا مع بن سلمان بخصوص قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وما حصل من مقاطعة البضائع التركية في السعودية.

*هل الحريري عرض الوساطة مع السعودية على أردوغان؟

ليس للحريري علاقة جيدة مع السعودية في الفترة الأخيرة، خاصة مع الملك بن سلمان، لكن الأرجح أن يكون بحث العلاقة بين تركيا والإمارات.

من جهة أخرى، ممكن أن تكون المحادثات بين الطرفين عن لبنان، ومسألة تركيا دعم بعض القيادات السياسية اللبنانية، بعد زيارة النائب الطرابلسي فيصل كرامي إلى تركيا، ودعم أنقرة الشمال اللبناني، التي فيها مؤيدون لتركيا، والحريري بحاجة إلى علاقات جيدة مع تركيا، لما لها من تأثير في طرابلس، لكن الحريري لا يستطيع أن يقرر لوحده – كما أشيع – بأنه يريد التفاوض مع أنقرة لإعطائها مرفأ طرابلس، فهذا الأمر قراره بيد الدولة اللبنانية مجتمعة، لا بيد الحريري، وإن كان يريد نسج علاقات سياسية مع تركيا.

*هل للزيارة علاقة بتشكيل الحكومة؟

لا أعتقد ذلك، لأن تركيا لا تمون على تشكيل الحكومة اللبنانية، فهي ليس لها سلطة في لبنان لدعم الحريري الذي بالأصل مدعوم من فرنسا وبعض الدول العربية، ومن الداخل أيضًا، فهو الأكثر تمثيلًا للطائفة السنية في البرلمان، لذلك هو ليس بحاجة إلى دعم تركي، وإن بدا بأن زيارته إلى تركيا قد تفيده على الصعيد الشعبي الشمالي، لاستقطاب أصوات الطرابلسيين، أو استعادة بعض السلطة على طرابلس التي تنوعت فيها الأصوات، لا سيما أشرف ريفي المنفتح على أنقرة والإماراتيين، فالحريري يحاول استرجاع بعض من سلطته في هذه الزيارة.

*ما موقف السعودية وفرنسا من الزيارة؟

علاقة الحريري بالسعودية سيئة جدًّا، خاصة مع محمد بن سلمان، وذلك منذ أن اختطف في السعودية، وجرى حبسه، وتدخلت فرنسا، ثم أطلق سراحه، رغم أنه يُسمح له بالذهاب إلى المملكة، لكنه لا يقابل أحدًا من السلطة، فهم لا يتعاملون معه على أنه طرف سياسي، وإن كانت هذه الزيارة تزعج بن سلمان، لكنه لم يعير للحريري أي انتباه، ولا يرى أنه شخصية سياسية يعوّل عليه، أما فرنسا وبالتحديد ماكرون، لا أظن أنه ينزعج من هذه الزيارة، وممكن أن يكون الحريري الوساطة، كون هناك علاقة شخصية بين أردوغان وماكرون.

*هل للزيارة علاقة بالأخبار التي تشير إلى سعي تركيا إرسال مرتزقة إلى لبنان لمواجهة "حزب الله"؟

تركيا لا تريد أن تواجه "حزب الله"، لأن هذا يعني مواجهة إيران، وأنقرة لا تواجهها إلا في سورية، والسبب هو الصراع بين البلدين في سورية، أما في لبنان فلا صراع بين البلدين، وتركيا تعتبر أن الوجود الإيراني في لبنان قديم؛ منذ 39 سنة، وهي لا تهتم بإزاحة "حزب الله" في لبنان، أو قتاله في لبنان، وهذا أمر محسوم بنطاق العلاقات بين إيران وتركيا، لأن الحسابات بالقضايا الإقليمية محسومة، باستثناء القضية السورية، و بدأت أستانا بتحديد حصص بين إيران وتركيا وروسيا، وإن كان هناك مَن هو ضد "حزب الله" في طرابلس بسبب الصراع في سورية، لأنهم يعتبرون الحزب شارك في إسقاط فكرة تولي "الإخوان المسلمين" في السلطة بسورية.

التدخل التركي في لبنان إلى الآن محدود، وهو على الصعيد الاقتصادي فقط، فأنقرة تريد أن تستثمر بلبنان، من جهة أخرى، هناك صراع مع فرنسا في لبنان، حول إعادة إعمار مرفأ بيروت أو استثمار مرفأ طرابلس.

 سياسيًّا تركيا وصلت إلى حد أن تكون مقبولة عند جزء كبير من لبنان، خاصة في الشمال، وتحديدًا عند السنة.

(ي ح)