​​​​​​​'ساق واحدة.. لا تمنعنا من التحليق في الهواء'

"هناك من يقفز فوق معاناته ليعيش حياةً يريدها، وهناك من يعصره الظرف الأليم الذي يمر به، ولا يقاومه فيظل أسيره"، قالها الشاب محمد عليوة ثم وثب بقدمٍ واحدة صانعًا إحدى حركات الباركور – القفز الحر في الجو، وهبط إلى جانب صديقه أحمد أبو دقن، وهما ثنائيان مشهوران في قطاع غزة بلعب هذه الرياضة الخطيرة، بساقٍ واحدة.

​​​​​​​'ساق واحدة.. لا تمنعنا من التحليق في الهواء'
السبت 23 كانون الثاني, 2021   05:38
غزة - عمر موسى

ثمة حوارات وعادات لا تخطر على بال كثير من الناس، من جملتها تلك التي حدثنا عنها الشاب محمد عليوة خلال لقائنا به، يرسم ابتسامة خفيفة على وجهه ويقول: "أنا وعكازي عادةً بنحكي كثير، لما أجي أنام مثلًا، بحكيله الآن وقت راحتي وراحتك"، ثم "أنام، وينام هو بجانبي".

وعليوة (18 عامًا) كان لاعب كرة قدمٍ محترف قبل أن يفقد ساقه اليمنى عقب إصابته برصاص الجيش الإسرائيلي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 في المنطقة الشرقية من مدينة غزة، خلال مشاركته في مسيرة العودة الكبرى، تلك الرصاصة التي غيّرت حياته كما يقول: "أدخلتني في غيبوبة قصيرة، استيقظت بعدها ووجدت قدمي مبتورة".

مرّ الشاب بمحطات يأس كبيرة بعد بتر ساقه، وإقصائه من نشاطاتٍ كبيرة كان يمارسها كرياضة كرة القدم التي كانت رياضته المفضلة، إذ شارك قبل الإصابة في دوريات محلية وماراثونات دولية.

غير أن ذلك لم يدم، يحكي الشاب لوكالتنا، أنه نفض غيمة اليأس عن رأسه، وقرر العودة إلى ممارسة كل أنواع الرياضة التي يحبها: "كرة القدم، والباركور (القفز الحر)"، وبات يعرف الشاب في قطاع غزة، الآن بأنه "النجم الذي يمارس رياضة الباركور بساقٍ واحدة"، يتنفس بهدوء ويوجز سعيه إلى الحياة: "قدمٌ واحدة.. لا تمنعنا من التحليق في الهواء".

/ar/uploads/files/2021/01/23/073035_geza-28129.webp

ويضيف باللهجة الفلسطينية: "كان لازم أتحدى كل شيء ممكن يحبطني في الحياة، رياضة الباركور معروف أنها تحتاج قوة بدنية كبيرة، وتكامل جسماني، لكن قررت أتحدى هذه الشروط، وأمارس هذه الرياضة، إذ دائمًا ما تحسرت حين أشاهد الشبان وهم يلعبون الباركور، أما الآن فقد أصبحت واحدًا منهم، وبعزيمة أقوى".

عليوة ليس وحده، يشاطره المعاناة والإبداع صديقه أحمد أبو دقن (17عامًا)، الذي فقد إحدى ساقيه، عقب حادثة، يتقابلان بشكلٍ دوري؛ يتسلقان ويقفزان فوق العوائق المعنوية والمادية، حتى شكلا ثنائيًّا بإرادة فولاذية، ويشاركان جنبًا إلى جنب في ألعاب مختلفة، وفي نشاطاتٍ أخرى كالدبكة وغيرها.

ويقول أبو دقن: "أنا بحب الحركة، وبكره أتقيد في مكان واحد، قبل المرحلة الحالية، كنت محرومًا من كل أنواع الرياضة التي أحبها، الباركور، وكرة القدم، لكن الآن، أنا أمارس كل شيء تعينني عزيمتي عليه".

ويحلم الشابان في السفر وتمثيل منتخب "بلادنا في المحافل الدولية، والتأكيد على أنه رغم الحصار والأوضاع الصعبة، هناك مواهب كبيرة في غزة". وقد نجحا في وقتٍ سابق في المشاركة ضمن منتخب فلسطين للمبتورين في ألعاب دولية مختلفة، وحصدا مراكز متقدمة فيها.

ولكن، يواجه الشابان، صعوباتٍ تتمثل في ضعف الجهات الراعية لأنشطتهما، إلى جانب المتابعة الطبية لحالتهما، فهما كما يقولان: "بحاجة إلى طرف صناعي مناسب لحالتهما، وهو أمر يحصل عليه المحتاج بصعوبة في ظل ظروف غزة".

وبصوتٍ واحد يتحدثان، عن حلمهما باستكمال تعليمهما والتخصص في تخصصات "تدعم الأشخاص الذين يشبهوننا، إذ هناك آلاف آخرين، ربما يشعرون بالنقص ويتعرضون للإقصاء، وهو أمر مؤذٍ نفسيًّا ومعنويًّا للشخص، وقد عانينا منه في أوقات معينة".

/ar/uploads/files/2021/01/23/073000_geza-28329.webp

وخلال "مسيرات العودة وكسر الحصار" التي انطلقت بتاريخ 30 مارس/ آذار 2018، على حدود غزة واستمرت قرابة عامين، قتل الجيش الإسرائيلي (215) فلسطينيًّا خلال مشاركتهم في المسيرات، بينهم (47) طفلًا، وسيدتان، و(4) مسعفين، إلى جانب صحفيين اثنين، و(9) من ذوي الإعاقة، وتواصل إسرائيل احتجاز جثامين بعضهم، بالإضافة إلى إصابة (19173) فلسطينيًّا أصيبوا برصاص الجيش الإسرائيلي خلال المسيرات، من بينهم (4987) طفلًا، و(864) سيدة، ومن بين الإصابات سجلت وزارة الصحة في غزة، عشرات حالات بتر الأقدام.

(ح)

ANHA