​​​​​​​تقرير: استفاقة فرنسية لمواجهة الإسلام السياسي وتصادم منتظر مع تركيا وقطر

كشف تقرير لمركز للسياسات الإماراتية، عن مواجهة محتملة بين فرنسا وقطر وتركيا الممولتين لجماعات تتحرّك تحت غطاء الإسلام السياسي، في أعقاب حادثتي ذبح المدرّس صامويل باتي، والهجوم على كنيسة نيس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، واتّخاذ فرنسا إجراءات لمحاربة الحركات المتطرفة.

​​​​​​​تقرير: استفاقة فرنسية لمواجهة الإسلام السياسي وتصادم منتظر مع تركيا وقطر
الإثنين 21 كانون الأول, 2020   09:26
مركز الأخبار

ويتحدّث التقرير عن دوافع الاستفاقة الفرنسية الأخيرة ضد الإسلام السياسي، والإجراءات التي اتّخذتها إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون، بالإضافة إلى تداعياتها المستقبلية المحتملة، والمواجهات التي ستحدث في أعقاب حملته.

ويشير التقرير إلى أنّ الحضور الإسلامي قديم، بعض الشيء، في فرنسا، إلّا أنّ استقرار الجماعات الإسلامية السياسية والحركية كان متأخّراً. وأشار أنّه إلى بحدود نهاية السبعينيات كانت نشاطات المسلمين في فرنسا لا تتعدّى العبادات وبعض الأعمال الدعوية الخالية تماماً من السياسة، من قَبيل تعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن وبعض الدروس الدينية. وقد زاد من ضعفها الحواجز القانونية الفرنسية، التي كانت تمنع الأجانب من تأسيس الجمعيات بكل أصنافها، وبما فيها الدينية والسياسية.

وبدأت مع الثورة الإسلامية الإيرانية وصعود الجماعات الإسلامية، في تشكُّل إسلام سياسي فرنسي، لا سيّما الإخوانية، في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، ودخول هذه الجماعات في صِدام مع دولها أدّى بقياداتها وأعضائها للهروب نحو المنافي الأوروبية ومن بينها فرنسا.

ولفت التقرير إلى أنّ صعود الرئيس فرانسوا ميتران، إلى السلطة في عام 1981، فتح المجال لتدفُّق موجات الهجرة العمّالية والسياسية، ورفع الحواجز القانونية أمام الأجانب في تأسيس الجمعيات والاتحادات، لتشكيل نواة لنشاط إسلامي حركي، بدأها الطلبة التونسيين المنتمين لحركة الاتّجاه الإسلامي (النهضة حالياً) وعناصر من الفرع السوري لجماعة الإخوان المسلمين.

وتابع التقرير من ثمّ تطوّر نشاط الإخوان في فرنسا بشكل واسع، حتى العام 1983، تاريخ تأسيس الفرع الفرنسي للجماعة بشكل رسمي تحت اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية"، ومع تنامي تيار الصحوة في المشرق العربي، بدأ التيار السلفي في الظهور على الساحة الفرنسية، وأسّس شبكات من الجمعيات والشركات الاقتصادية والمساجد، إلى جانب استقرار تيار ثالث موالٍ للحركة الإسلامية التركية بقيادة نجم الدين أربكان في سياق الصراع مع النظام العلماني الحاكم؛ إذ وجد في أوروبا مُستقراً له.

ومع تصاعد حدّة الهجمات على فرنسا، بدأت إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون باستهداف المجموعات الإسلامية ذات الثِّقَل، من خلال سياساته الجديدة في مواجهة ما يسمّيه بــ"الانعزالية الإسلاموية".

الثقل الأكبر للنشاط الإخواني في فرنسا

ويعتبر اتّحاد المنظمات الإسلامية الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو أكبر فروع الجماعة خارج المنطقة العربية، أصبح اليوم يضمّ أكثر من 250 جمعية إسلامية على كامل الأراضي الفرنسية، ويوجد حوالي 100 مسجد ومكان عبادة، إلى جانب عشرات المراكز التدريبية، ومؤسسة جامعية للتعليم الديني، وقد شكَّل الفرع الإخواني في فرنسا الثّقل الأكبر للنشاط الإخواني في أوروبا منذ الثمانينيات، إذ ساهم في تأسيس "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، الذراع الأوروبي للتنظيم الدولي للإخوان منذ العام 1989.

إلى هذا يعتمد الفرع الفرنسي للإخوان في تمويله على تبرعات الأنصار، وريع المؤسسات الاقتصادية والتجارية التي يديرها من خلال أعضائه داخل فرنسا، وخاصّة في مجال تجارة "المواد الحلال"، فيما تأتي نصف ميزانيته من التمويل الخارجي القادِم أساساً من قطر وتركيا وماليزيا.

ويضيف التقرير إنّ التيار السلفي في فرنسا على عكس التيار الإخواني لا يَملِك تنظيماً هرمياً صارماً، وذلك يعود لطبيعة الحركة السلفية عموماً، والتي لا تملك تقاليد راسخة في التنظيم السياسي، وينحدر غالبية الدُّعاة البارزين للسلفية في فرنسا من أصل جزائري، استقرّوا فيها في الثمانينيات والتسعينيات، خاصّةً بعد اندلاع المواجهة بين الدولة الجزائرية، والجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي كان أحد أركانها التيار السلفي الحركي بقيادة علي بلحاج.

ونقل مركز الدراسات عن معهد مونتيني للعام 2018، أنّ التيار السلفي في فرنسا يضم حوالي 20 ألف عضواً عاملاً، وعلى عكس التيار الإخواني المهتم باختراق النخب الفرنسية، وخلق جماعة ضغط، حيث يُركِّز السلفيون جهودهم من أجل السيطرة على المساجد لترويج سردياتهم العقائدية، لذلك فإن أبرز وجوه هذا التيار ليسوا رؤساء المنظمات أو العاملين في الحقل السياسي والطلابي كالإخوان، وإنّما أئمة المساجد والدعاة ومدرسو العلوم الشرعية، الذين يعتمدون على قوة الخطابة والنص الديني، لذلك يُمكِن وصف الظاهرة السلفية الفرنسية بالعُزْلة، ومحاولة خلق مجتمع متمايز عن الواقع الفرنسي.

وفي حقبة ما بعد الثورات العربية أو ما يعرف بـ "الربيع العربي"، ولأسباب تتعلّق بموجة الانتقادات التي بدأ قطاع واسع من النخب الفرنسية في توجهيها للتيارات الإسلامية الحركية الناشطة في فرنسا، بدأت علاقة الإخوان بالسلفيين تتحوّل إلى نوع من التّحالُف أو التّقارب.

الإسلام التركي في فرنسا

إلى ذلك أشار التقرير إلى الوجود التركي في فرنسا، حيث وصل الأتراك كغيرهم من العمال للعمل في حظائر البناء في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستقرّوا في الشرق الفرنسي؛ في مدن سترازبورغ وميلوز وماتز، وأسّسوا مساجد خاصّة بهم لاعتبارات مذهبية ولغوية بعيداً عن بقية المسلمين من أصول مغاربية.

ومع منتصف الستينيات بدأ نجم الدين أربكان في توسيع نشاط جماعته الإسلامية القريبة من الإخوان المسلمين، فأسّس حركة "ميللي غوروش" في العديد من الدول الأوروبية، ومن بينها فرنسا، لحشد الجالية التركية إلى صفِّها في مواجهة النظام العلماني العسكري التركي حينذاك، حيث أصبحت تدير نحو 300 جمعية ومسجداً في فرنسا اليوم.

وبعد تسلُّم رجب طيب أردوغان الحكم، تَحوَّل نشاط المنظمات التركية في فرنسا من الصراع إلى التّحالف، حيث بدأت إدارة حزب العدالة والتنمية في توظيف هذه المنظمات كورقة في سياساتها الخارجية اتّجاه فرنسا، وزادت من دعمها المالي والسياسي لها.

واستمال أردوغان في ضم "اللجنة التنسيقية لمسلمي تركيا في فرنسا" إلى "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" منذ تأسيسها، ثمّ نجح في تصعيد أحمد أوغراس، رجل الأعمال والعضو في حزب أردوغان إلى رئاسة المجلس في العام 2017.

الاستفاقة الفرنسية

وتطرّق التقرير إلى الاستفاقة الفرنسية بعد الهجمات الإرهابية الأخيرة التي تعرَّضت لها فرنسا، وقال: "كان الدافع نحو المواجهة مع الإسلام السياسي ليس وليد الساعة، بل كان إحدى نقاط البرنامج الانتخابي للرئيس ماكرون".

وكانت فرنسا هدفاً لأكثر الهجمات الإرهابية عنفاً في العام 2015، لذلك كان الإسلام السياسي والإرهاب أحد الملفّات التي اشتغل عليها ماكرون قبل دخوله قصر الإليزيه، مُعتمِداً على تشخيص صديقه ومستشاره السابق حكيم القروي، للوضع، والذي يلخصّه في فكرة عدم الاكتفاء بمكافحة الإرهاب، بل يجب مكافحة الإيديولوجيات التي تُغذِّيه، ومن بينها وأهمها "الإسلام السياسي".

واعتمدت الاستفاقة الفرنسية في مواجهة الإسلاميين على توصيات وتحليلات وتقارير متعددة لعدة مراكز بحثية فرنسية تعمل في تكامُل منذ سنوات عديدة مع سلطة القرار في الإليزيه، إلى جانب تقارير عمل لجان برلمانية وأخرى تتبع الوزارات، والتي كان من بينها تقرير آخر يتعلّق بواقع المؤسسات التربوية وتغلغُل الفكر الطائفي فيها.

وتحدّثت كافّة التقارير البحثية والرسمية من تحليلات المراكز الأمنية في فرنسا، إنّ مشكلة التطرّف العنيف التي استهدفت فرنسا طوال السنوات الاخيرة، كانت لها أسباب مباشرة تتعلّق بالأحداث الآنية، وأخرى غير مباشرة ترتبط أساساً بسرديات الإسلام السياسي، التي أصبحت تعمل كحزامٍ ناقلٍ للتطرُّف والانعزال عن قيم المجتمع الفرنسي.

ويقول التقرير إنّ "التحقيقات كشفت عدداً كبيراً من الفرنسيين الذين هاجروا لسوريا للقتال مع جبهة النصرة أو داعش، تلقوا قبل هجرتهم دروساً في مساجد الجمعيات الاسلامية الإخوانية والسلفية التي تسيطر على الضواحي".

وعلى ضوء ما جرى، تَسارعت وتيرة الإجراءات التي اتّخذتها إدارة الرئيس ماكرون في أعقاب حادثتي ذبح مدرس التاريخ صمويل باتي، والهجوم على كنيسة نيس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلّا أنّ هذه الإجراءات انطلقت فعلياً منذ أشهر، مُعتمدةً على الصلاحيات الإدارية التي تتمتّع بها السلطة التنفيذية، في انتظار تمرير مشروع قانون محاربة "الانعزالية الإسلاموية" في البرلمان مطلع العام المقبل، كي يتوفّر لها إطار قانوني تعمل من داخله، في اتذجاه "المواجهة ضدّ الإسلاميين وتحصينها قانونياً".

محاربة الانعزالية الإسلاموية

وفي شأن حلّ الجمعيات والمنظمات المتّهمة بنشر خطاب متطرّف، قامت السلطات بحلّ منظمة سلفية (بركة سيتي)، وجمعيتان مقربتان من التيار الإخواني (تجمع الشيخ ياسين، وتجمع مناهضة الإسلاموفوبيا)، ومنظمة تركية عنصرية (الذئاب الرمادية)، واستطاعت السلطات خلال السنوات الثلاث الماضية إغلاق قرابة 250 فضاءً ومَنْشَطاً إسلامياً، بينها مدارس ومساجد، تُبشِّر بأيديولوجية انفصالية، على حدّ تعبيرها.

وفَتْح تحقيقات في تمويلات المؤسسات التابعة لتيار الإسلام السياسي، وإطلاق "وحدة الخطاب الجمهوري المضاد"، بالإضافة إلى برنامج "كَسْر التأثير الخارجي"، ووقف جلب أئمة المساجد من الخارج.

مواجهة فرنسية مع الممولين

ودعت كاتبة التقرير، السيناتورة جاكلين أوستاش-برينيو، إلى التحرُّك سريعاً، لأنّ "كل مناطق فرنسا صارت متأثّرة اليوم، وإلّا ففي غضون سنوات قليلة، قد تخرج بعض من هذه المناطق والأحياء من الجمهورية"، على حدّ قولها.

وفي هذا الصدّد يقول التقرير: إنّ جذرية السياسات الرسمية في مواجهة الإسلام السياسي في فرنسا، لا تعني أبداً حتمية نجاح هذه السياسات، فالإسلاميون في فرنسا ليسوا مجرّد جمعيات مساجد، إنّما شبكة ضخمة من المنظمات ودور العبادة والشركات التجارية، ومدعومين داخل النخب الجامعية والسياسية الفرنسية.

إضافةً لديهم علاقات خارجية قوية، ودعم وتمويل خارجيين كبيرين، فيما تربط دول مثل تركيا وقطر مصالحها مع فرنسا بمصالحهم، لذا فإنّ الإدارة الفرنسية ستواجه ضغوطاً خارجية وداخلية في أثناء معالجة هذا الملف.

وبحسب التقرير، فإنّ تداعيات هذه المواجهة ستشمل أيضاً علاقات فرنسا الخارجية، والتي يمكن أن تزيد تأزُّماً مع الجانب التركي، وأن تشهد فتوراً مع قطر، ومع الدول التي يشارك في حكمها إسلاميون.

حملة تتسم طابعاً جديّاً

وتَسارَعت وتيرة الإجراءات التي اتّخذتها إدارة الرئيس الفرنسي ماكرون في أعقاب حادثتي ذبح المدرس صامويل باتي، والهجوم على كنيسة نيس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأبرز المجموعات الإسلامية الحركية مثل الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين، والتيار السلفي، والمنظمات والجمعيات الإسلامية التركية الناشطة في فرنسا.

ويبدو أنّ حملة إدارة ماكرون الجديدة ضد الإسلام السياسي أكثر جدّية وأكثر عمقاً، فإلى جانب بُعْدها الأمني، تشمل المواجهة أبعاداً أخرى، أبرزها التعليم، والاقتصاد، والشبكات الافتراضية، والولاءات الخارجية، والتمويل الأجنبي.

كما يريد ماكرون تمرير مشروع قانون "الانعزالية الإسلامية" لإيجاد إطار قانوني صلب يواجه به الإسلاميين بدلاً من القرارات الإدارية التي تَسْقُط أمام القضاء في كل مرة، خاصّة قرارات حلّ الجمعيات وطرد المتطرفين إلى الخارج وإيقاف الأئمة المتشدّدين عن العمل.

ومن المتوقّع أن يُواجِه ماكرون وحكومته ضغوطاً داخليةً كبيرةً من طرف المجموعات الإسلامية وشبكاتها الداعمة (النخبوية، والمالية، والسياسية)، وضغوطاً خارجيةً من شبكات الإخوان المسلمين في أوروبا والدول الدّاعمة لها، وأهمها قطر وتركيا.

(ي م)