​​​​​​​رصد – ثلاث ساعات على طريق الرعب

"نعلم أن الطريق خطر جدًّا، ولا نثق بالقوات الروسية التي ترافقنا، ولكننا مجبرون، لأن برفقتنا مرضى لا يتحملون مشقة الطرق الطويلة، وفي كل مرة نمرّ بسلام على الطريق الدولي، نعتبر أنفسنا عبرنا إلى حياة جديدة"، بهذه الكلمات وصفت أسرةٌ وضع الـ M4 بين عين عيسى وتل تمر.

​​​​​​​رصد – ثلاث ساعات على طريق الرعب
​​​​​​​رصد – ثلاث ساعات على طريق الرعب
​​​​​​​رصد – ثلاث ساعات على طريق الرعب
​​​​​​​رصد – ثلاث ساعات على طريق الرعب
​​​​​​​رصد – ثلاث ساعات على طريق الرعب
الإثنين 21 كانون الأول, 2020   06:33
مركز الأخبار - شرفين مصطفى

وفي مشهد يتكرر يوميًّا، عدا الجمعة، يجتمع عشرات المسافرين من مناطق إقليم الفرات والرقة والطبقة ومنبج، في الصباح الباكر أمام استراحة عين عيسى الواقعة مباشرة في المثلث بين "مفرق عين عيسى تل تمر - عين عيسى- كوباني"، وبرفقتهم سيارات خاصة، أو استأجروها للتوجه إلى إقليم الجزيرة.

في الساعة الـ 07.30 صباحًا، توجهت إلى المكان المخصص لالتقاء السيارات، صادفت أسرة قادمة من مدينة كوباني ترغب بالتوجه إلى مدينة قامشلو في إقليم الجزيرة.

الأسرة كانت تتألف من رجل في العقد الرابع من عمره، وترافقه زوجته المصابة بمرض الديسك، وابنته التي جاءت لتساعد أمها، وطفله الصغير ذو العشرة أعوام.

الأسرة استأجرت سيارة من نوع "فان" بمبلغ باهظ لتتجه إلى قامشلو، وهناك في الاستراحة يوجد ما يقارب 40 سيارة أخرى تجمعت هناك للتوجه إلى تل تمر.

ومنذ هجمات دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها على سري كانيه وكري سبي/تل أبيض في 9 تشرين الأول عام 2019 واحتلالها لأجزاء من شمال وشرق سوريا بالقرب من الطريق الدولي، قُطع الطريق الدولي بين تل تمر وعين عيسى بشكل كامل أمام حركة النقل.

ويعود ذلك إلى استهداف مرتزقة تركيا للسيارات المارة على هذا الطريق، ولكن مؤخرًا حاولت روسيا إعادة فتح الطريق وذلك عبر تسيير رحلة يوميًّا من عين عيسى إلى تل تمر وبالعكس، وذلك برفقة مدرعات روسية كي لا يستهدفها جيش الاحتلال التركي ومرتزقته.

ورغم مرافقة ثلاث مدرعات روسية للمدنيين على طريق الـ M4 إلا أن المواطنين يؤكدون أن الرعب ما زال موجودًا، فجيش الاحتلال التركي ومرتزقته ما زالوا يهاجمون السيارات وينهبون ما بحوزة السائقين من أموال.

بعد فترة من الزمن، جاءت ثلاث مدرعات روسية لمرافقة القافلة. تمركزت إحدى المدرعات في مقدمة القافلة والثانية في نهايتها، فيما حشرت الثالثة نفسها وسط القافلة.

بدأت القافلة مسيرها حوالي الساعة الـ 09.00 صباحًا، وبسرعة 40 كم في الساعة، الأمر الذي من شأنه أن يطيل ساعات السفر، ففي الحالة العادية تستغرق السيارات حوالي ساعة ونصف لتصل من عين عيسى إلى تل تمر، ولكن على هذه السرعة فهي تحتاج حوالي ثلاث ساعات لتصل.

هذه الرحلة ليست الأولى للأسرة التي رافقتها في الطريق، فالوالدة ملقاة في الكرسي الأخير بـ "الفان" ومغطاة بغطاء بسبب إصابتها بمرض الديسك وعدم قدرتها على الحركة.

الخوف كان باديًا على وجه الأم والأب والابنة على حد سواء منذ بداية انطلاق القافلة، بعد مرور عشر دقائق، ابتعدنا عن ناحية عين عيسى، واجتزنا نقاط قوى الأمن وبعض نقاط قوات حكومة دمشق.

اقتربنا من منطقة شركراك التي تضم أكبر قاعدة لجيش الاحتلال التركي، هذه القاعدة تقع شمال الطريق الدولي مباشرة، وهي نقطة خطرة تحدث عنها المدنيون قبل انطلاق القافلة من عين عيسى.

عندما اقترابنا، من القاعدة، بدأت الوالدة بالدعاء لله أن تسلك الطريق دون أي مصيبة، وكلما اقتربنا بدأ صوتها يعلو أكثر وأكثر، تتلو الصلوات للنجاة من هجمات جيش الاحتلال التركي ومرتزقته.

أما الطفل الصغير، فكان كثير السؤال، ويسأل والده: هل داعش هنا؟ هل سيهاجموننا حقًّا، هل سيقطعون الطريق أمامنا. ماذا سيحصل لو تعطلت السيارة بنا؟ وأسئلة أخرى كان يسألها نتيجة سماعه قصصًا عن قطع الطريق من قبل جيش الاحتلال ومهاجمة المدنيين.

وتبلغ المسافة بين عين عيسى وتل تمر حوالي 140 كم، ويفصل هذا الطريق مناطق قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق عن المناطق التي تحتلها تركيا ومرتزقتها في شمال وشرق سوريا.

وينظر المدنيون إلى هذا الطريق على أنه طريق المصير المجهول، فمن يعبر فيه لا يدري إن كان سيصل إلى وجهته أو أنه سيتعرض لهجمات تركيا ومرتزقتها ويُقتل على الطريق أو تسلب منه جميع ممتلكاته.

كان الطريق خاليًا تمامًا من السيارات المارة، لا أحد يتجرأ على أن يسلكه، قواعد جيش الاحتلال التركي موجودة على بعد 1 كم من الطريق، والسواتر الترابية تخفي وراءها تحصينات وأسلحة جيش الاحتلال ومرتزقته.

كانت الطرق الفرعية في بعض أجزاء الطريق الدولي مغلقة تمامًا، مثل المفرق المؤدي إلى مدينة كري سبي/تل أبيض المحتلة.

بالقرب من هذا المفرق توجد مدرسة تبعد عن الطريق مسافة 1 كم، ولكن جيش الاحتلال التركي اتخذها قاعدة عسكرية، منتهكًا بذلك القوانين الدولية، هذه القاعدة تعدّ من أكبر قواعد الاحتلال في هذه المنطقة.

ويرى الأهالي في القواعد التركية خطرًا يهدد حياتهم، لأن هذه القواعد بحسب الأهالي تستهدف السيارات المارة على الطريق باستمرار.

وذكر سائق السيارة أن إحدى شاحنات النقل القادمة من الجزيرة، تعرضت للسلب على هذا الطريق على يد مرتزقة تركيا، رغم أنها تحركت ضمن قافلة برفقتها مدرعات روسية.

وأشار إلى أن الشاحنة تعطلت في الطريق، ولكن المدرعات الروسية لم تعره الاهتمام وتابعت طريقها وتركته خلفها، ما أدى إلى تعرضه للسلب من قبل مرتزقة تركيا.

ولفت إلى أن الشاحنة كانت تحمل مواد تجارية، بما فيها السكر بقيمة 17 ألف دولار سرقها المرتزقة، كما نهبوا ما بحوزته من مال.

وتتكرر مثل هذه الحادثة باستمرار مع القوافل التي تعبر الطريق برفقة المدرعات الروسية، إذ قال سائقون آخرون أن مرتزقة تركيا قاموا بتشليح سائقين وتجار عبروا هذا الطريق، ولكن المدرعات الروسية المرافقة لهم لم تتدخل ولم توقف المرتزقة.

وما لفت انتباهي أثناء سير القافلة، كانت المدرعة الروسية التي تقود القافلة، تقلل من سرعتها عندما تصل إلى مقربة من القواعد التركية، على الرغم من أنها كانت تسير بسرعة 40 كم، إلا أنها كانت تخفض السرعة إلى أقل من ذلك بالقرب من كل قاعدة.

وقالت الأسرة التي كنت أرافقها: "يبدو أن الروس يتقصدون إخافة المواطنين عبر هكذا حركات"، فيما تساءل الآخرون عن سبب إبطاء الحركة عند الوصول إلى النقاط التركية.

بعد مسير ثلاث ساعات على الطريق الدولي الـ M4 بين عين عيسى وتل تمر، ودعاء مستمر من قبل المسافرين، وصلنا إلى تل تمر.

هذا وأنشئ طريق الـ  M4الدولي عام 1950، وفي عام 1980 أصبح هذا الطريق صلة الربط بين كل من تركيا والعراق وسوريا مع سواحل البحر المتوسط، ويمتد الطريق الدولي من الحدود العراقية، انطلاقًا من بلدة تل كوجر/ اليعربية ويمر بمدينة قامشلو، ثم إلى تل تمر وعين عيسى، ومنها إلى منبج وحلب، وفي إدلب يلتقي مع طريق الـ M5 الدولي.

(ح)

ANHA