​​​​​​​درعا .. توازن هش وصراع خفي يُنبّئ بتصاعد الانفلات

تفاقمت الأوضاع في درعا، واشتدّ العنف بفعل صراع القوى المتعددة هناك، ما يُنبّئ بتصاعد الانفلات وانعدام الاستقرار فيها، وفقاً للمحلل السياسي ،نصر فروان، الذي أكّد أنّ مصيرها مرهون بالسياسات الإقليمية. 

​​​​​​​درعا .. توازن هش وصراع خفي يُنبّئ بتصاعد الانفلات
السبت 19 كانون الأول, 2020   04:00
مركز الأخبار - دجلة أحمد  

وتشهد مدينة درعا الواقعة في جنوب سوريا بالقرب من الحدود السورية الأردنية، في الآونة الأخيرة عمليات اغتيال، واعتداءات، وهجمات، وانفجارات اتخذت أشكالًا وأساليباً عدّة؛ منها تفجير العبوات الناسفة، والألغام والآليات المفخّخة بالإضافة إلى عمليات إطلاق نار تنفّذها خلايا مسلحة، يُضاف إلى ذلك الاحتجاجات التي تطالب بإطلاق سراح المعتقلين، وعدم قبول سكان المنطقة أي ممارسات تقوم بها القوى العسكرية والأمنية الموجودة هناك.

ويعود الانفلات الأمني هذا، إلى تعدُّد القوى المتصارعة التي تسعى لإحكام قبصتها على درعا العاصمة التاريخية لمنطقة حوران، التي تضم المدن الثلاث (درعا، السويداء وقنيطرة)، ففيها قوات حكومة دمشق، إلى جانب القوات الموالية لإيران، وكذلك مجموعات تعمل تحت إمرة روسيا، ولكل طرف أهداف خاصة به.

الموقع الجيوسياسي

ويتمتّع الجنوب السوري بأهميّة استراتيجية كبيرة في مجريات الأحداث بالأزمة السورية، وخصوصاً درعا والقنيطرة، فدرعا تعتبر المهد الذي انطلقت منه الثورة السورية عام 2011 قبل عسكرة الثورة وانحرافها عن مسارها، كما تحتل هذه المحافظات أهمية استراتيجية، باعتبارهما مفتاحاً لسلسلة مناطق، تمتدّ على طول الجغرافيا السورية، فهي نقطة وصل بين مناطق جنوب ووسط سورية، وواقعة على الحدود السورية الأردنية الفلسطينية اللبنانية وعلى حدود الجولان المحتل، لذلك تشكل نقطة ربط بين المناطق الجغرافية السورية المرتبطة بالعاصمة دمشق غرباً والحدود الأردنية والفلسطينية واللبنانية جنوباً.

وفي هذا السياق يقول المحلل السياسي ،نصر عبد الرزاق فروان، الذي ينحدر من درعا، في حديث لوكالتنا :"أنّ للموقع الجيوسياسي للجنوب السوري بشكل عام ولدرعا بشكل خاص دوره الكبير في ما حدث لهذه المنطقة منذ اندلاع الانتفاضة، فالجغرافيا السياسية لهذه المنطقة جعلتها ساحة تلاقي عدة قوى، إمّا للحرب أو للهيمنة، أو للغزو الثقافي على سبيل المثال (حملة التشيع التي تقوم بها إيران) أو لتجارة المخدرات".

فالطبيعة التي يتمتع بها الجنوب السوري وهي عبارة عن مرتفعات، تجعل منه حاضنة سهلة لمختلف العناصر، وتعدُّد القوى، ولعلّ ذلك أبرز الأسباب لوجود عناصر تابعة لإيران فيه، وأخرى تابعة لحزب الله اللبناني، وعناصر روسية بالإضافة إلى عناصر فصائل المعارضة التي أعلنت ولائها لروسيا نتيجة التسويات منذ 2018، ناهيك عن أولئك التابعين لجماعة الإخوان المسلمين، خصوصاً وأنّ جبهة العمل الاسلامي الأردنية تتمتّع بنفوذ قوي في مدينة إربد الأردنية المجاورة لدرعا.

ويرى فروان أنّ كل القوى الأجنبية الفاعلة في المسألة السورية، تسعى إلى تعزيز نفوذها في هذه المنطقة بشكل عام، بالإضافة إلى كثرة الاتجاهات التي ترى هويتها فوق حدود الوطن.

توازن هش قد يؤدي لمعترك إقليمي

ويرجع فروان الصراع في الجنوب السوري إلى "تحرُّك كلٍ من النظام والمعارضة والقوى الخارجية، والمجموعات المحلية في منطقة صراع متنازع عليها"، ويؤكّد "أنّ أي تغيير في هذا التوازن الهشّ من شأنه أن يؤدّي إلى تصعيد جديد حوّل النزاع السوري في المنطقة الحدودية الجنوبية في البلاد إلى مُعترك للصراع الإقليمي". مشيراً إلى أنّ الجنوب "لايزال منطقة ملتهبة وربما سيبقى كذلك لسنوات، وسيكون مصيره رهناً بالسياسات الإقليمية لا بإرادة الحكومة السورية".

اتفاق 2018

وكانت الاتفاقية الخاصة التي جمعت كل من (الأردن، روسيا وأمريكا ومن خلفها إسرائيل) في منتصف عام 2018،  واتّفق فيها الأطراف على إبعاد الوجود الإيراني عن الحدود مسافة 80 كم، والتكفُّل الروسي بتحقيق ذلك، عبر تكليف الفيلق الخامس (وهو عبارة عن فصائل كانت تتبع للمعارضة السورية أعلنت ولائها لروسيا بعد جهود التسوية في عام 2018 إذ يضم هذا الفيلق، اللواء الثامن) بالتنفيذ، ما فتح الباب واسعاً لصراع على النفوذ والهيمنة بين روسيا وإيران.

وبحسب المحلل السياسي نصر عبد الرزاق فروان، فإنّ "روسيا تبذل جهودًا للحد من التغلغُل الإيراني في الجنوب، وتبدو قدرتها على ذلك محدودة، وثمذة دلائل على أنّ القوات المسلحة الموالية لإيران ومعها وحدات أمنية من الجيش السوري، تبحث عن وسائل لتوسيع نطاق تواجدها في الجنوب".

الصراع الخفي والغاية الواضحة

ووفقاً له، "الآن هناك صراع خفي بين روسيا وإيران، وتصفيات متبادلة بين ميليشيات الطرفين في درعا، الصراع الدائر في سوريا منذ 10 سنوات ليس فقط بين النظام والمعارضة، بل يتحوّل إلى صراع أجنحة بين الميليشيات التابعة لإيران وروسيا، وبعد مرور سنتين على عودة قوات النظام السوري إلى درعا في جنوب البلاد، عادت إلى المواجهة في المحافظة حالة من الانفلات الأمني، ما بين عمليات اغتيال، واستهدافات وتفجيرات وخطف وما إلى ذلك، بينما يستمر نزف الدم الذي لا تزال تتجرع درعا وأهلها مرارته".  

مساعي تقويض الوجود الإيراني

لا يخفى أنّ الغاية من هذه الاتفاقية، هي أنّها تهدف لتقويض الوجود الإيراني في سوريا، بعد أن تعهّدت روسيا للولايات المتحدة الأمريكية بحفظ أمن المنطقة الجنوبية لصالح إسرائيل بإبعاد الإيرانيين، لذلك شكَّلت اللواء الثامن هناك ليكون القوة العسكرية المحلية التي يستطيع الاعتماد عليها في تحقيق هذا الهدف.

وهنا يجد فروان أنّ "الصراعات تتصاعد بين الأطياف المختلفة للمعارضة والنظام، إلى جانب التنافس الدولي الذي يمثله الوجود الروسي والإيراني في المنطقة؛ فهناك صراعاً خفياً بين «الفيلق الخامس» التابع لروسيا و«الفرقة الرابعة» المُقربّة من إيران".

وفي المقابل ترفض إيران الجهود الرامية إلى إبعادها عن الجنوب وسوريا عموماً، فيمضي فروان قائلاً: "ويتمثّل هذا الصراع في المحاولات المستمرة من جانب كل منهما لفرض نفوذه الكامل على المحافظة، فبعد أن ثبّتت قوات «الفيلق الخامس» نفوذها على الأرض، عادت «الفرقة الرابعة» إلى الساحة مؤخّراً".

ويضيف: "في المقابل لا تزال كفة الروس راجحة عبر «الفيلق» الذي يضم مقاتلين سابقين لدى الفصائل، ممّن رفضوا التهجير إلى إدلب على الحدود التركية، وأبرموا المصالحة وخضعوا للتسوية مع النظام، مما ينبّئ بمزيد من التوترات في المحافظة وضواحيها؛ خصوصاً مع استمرار استهداف القوات الموالية للنظام فيها".

الود الروسي

وعمدت روسيا إلى كسب الود في درعا بعد موجةٍ من السخط الشعبي حيال حكومة دمشق، عبر سلسلةٍ من الأحداث من ضمنها مؤتمر اللاجئين الذي انعقد في دمشق الشهر الماضي، بالإضافة إلى أحداث بلدة الكرك الشرقي التي حاصرتها حكومة دمشق، من خلال التوسُّط للإفراج عن المعتقلين لدى الحكومة ممن كانوا قد اعتُقلوا خلال سنوات الثورة السورية، حيث أفرجت عن دفعتين من المعتقلين.

ورغم ذلك يرى فروان أنّ "التصعيد لا يزال مستمراً، إضافة إلى زيادة معدلات الاغتيالات والتفجيرات والاختطاف والعصيان المدني، وعدم خضوع كافة الأهالي في مناطق درعا لإجراءات التسوية، وتتعدّد أسباب العنف في محافظة درعا والمناطق التابعة لها؛ حيث لجأت كل من روسيا وإيران إلى إنشاء قوات تابعة لها في جنوب سوريا، على الحدود مع الأردن والجولان السوري المحتل، في ظل تنافس غير مباشر بينهما على النفوذ في المنطقة، ممّا يُفاقم حالة انعدام الأمن".

الاستياء الشعبي

وفي غضون ذلك يستمر الاستياء الشعبي من الوضع العام في درعا، لاسيّما بعد التسويات التي أُجرت بين عناصر المعارضة من جهة، وحكومة دمشق بضغط روسي من جهة ثانية، الأمر الذي لم يلق قبولاً لدى الشرائح الموجودة في المنطقة، ومع عمليات التصفية ومحاولات التمدُّد الإيراني التي زادت معها عمليات الاغتيال.

ويرى فروان أنّ إخلال النظام باتفاقات المصالحة والتسوية مع فصائل المعارضة، من بين أسباب استمرار العنف والانفلات الأمني، ناهيك عن فشل موسكو التي قدّمت ضمانات في تلك الاتفاقات، في لعب دور الوسيط بين كلٍّ من دمشق وفصائل التسوية، لمحاولة رأب الصّدع ورأب الخلافات بينهما.

أزمة اقتصادية تفاقم تدهور الوضع الأمني

وما زاد الطين بلة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة جراء نقص المواد الأساسية من خبز وغاز، ومحروقات وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، وسط عجز الحكومة عن تأمين حلول للأزمة الخانقة التي تُعتبر الأشد في تاريخ سوريا. 

وفي السياق يقول المحلل السياسي فروان، أن، من بين أسباب التّدهور الأمني "استمرار الأزمة الاقتصادية وسوء الأحوال المعيشية، ناهيك عن الخناق الاقتصادي المفروض على مناطق النظام، بفعل عقوبات «قانون قيصر» الأمريكي، وخروج أهالي المحافظة في غير مرة للاحتجاج على الأوضاع المعيشية".

ويتوقّع فروان أنّ الصراعات وتفاقمها "في ظل المصالح المتشابكة بين القوى المتضادة والمتنافسة في المحافظة بمناطقها المختلفة، سيُزيد من الانفلات وعدم الاستقرار، نظراً لعدم وفاء النظام بالتزاماته تجاه مواطني درعا، إضافة إلى سعيه للاستقواء بالقوى الخارجية في خلافاته مع القوى المحلية (فصائل التسوية)، إلى جانب تعامله مع التوترات في مناطق نفوذه بعقلية أمنية قديمة، وترسيخ الوجود الأجنبي جنوب سوريا".

(ح)

ANHA