موقع أمريكي: تصاعد التوترات التركية الإيرانية

تتصاعد التوترات بين تركيا وعدوها الإقليمي التاريخي إيران حول أذربيجان، في حين أن اعتقال العديد من المواطنين الأتراك بتهمة صلاتهم ببارون مخدرات إيراني، واختطاف منشق إيراني في اسطنبول دلائل إضافية على هذا التوتر.

موقع أمريكي: تصاعد التوترات التركية الإيرانية
الثلاثاء 15 كانون الأول, 2020   10:33
مركز الأخبار

وبحسب تقرير لموقع المونيتور الأمريكي، فإن شرارات التوتر بدأت تتطاير، عندما ألقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قصيدة من تأليف الشاعر الأذري باهتيار فابزاد خلال زيارة رسمية إلى باكو في 10 كانون الأول/ديسمبر للاحتفال بانتصار أذربيجان على أرمينيا في قره باغ.

وكانت القصيدة التي تحدثت عن نهر آراس، ألمحت إلى أن الأقلية الأذرية العرقية الكبيرة في إيران هي جزء من أذربيجان، كما يُنظر إليهم على أنهم انفصاليون محتملون عرضة للاستغلال من قبل أعداء خارجيين.

وبعد يوم من حفل أردوغان، استدعت إيران سفير تركيا في طهران دريا أورس للتعبير عن استيائها، وقالت وزارة الخارجية إن كلماته (أردوغان) كانت "غير مقبولة ومتطرفة"، وطالبت بتفسير.

وذهب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا عبر تويتر أن القصيدة "تشير إلى الفصل القسري بين المناطق الواقعة شمال آراس عن الوطن الأم إيران".

وبدوره، انتقد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر جيليك، إيران في 12 ديسمبر "ندين اللغة القبيحة التي يستخدمها بعض السياسيين الإيرانيين ضد رئيسنا".

وتلا ذلك اتصال هاتفي بين ظريف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو، وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية بعدها أنه تم التغلب على "سوء التفاهم"، ثم أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني، يوم الإثنين "بناءً على تجربتي مع أردوغان، من المستحيل أن تستهدف تركيا سلامتنا الإقليمية، في رأيي، بعد المحادثة والبيان بين وزيري خارجية البلدين، يمكننا اعتبار الأمر منتهيا".

لكن هل هذا صحيح؟

وفي 14 كانون الأول/ديسمبر، أفادت قناة إخبارية تديرها الدولة في تركيا أن جهاز المخابرات الوطنية التركي اعتقل 11 شخصًا على صلة بعصابة مخدرات تركية، ويتهم المعتقلون بخطف المعارض الإيراني حبيب شعب الذي استدرج إلى اسطنبول من منفاه في السويد بوعود تقديم مساعدة مالية، ثم تم نقله عبر الحدود إلى إيران، حيث هوجم وأُجبر على الاعتراف بتهم وهمية بالتورط في استهداف عرض عسكري قبل عامين.

ويُزعم أن بارون المخدرات الإيراني سيئ السمعة ناجي شريفي زندشتي، الذي كان يتصرف بالتنسيق مع المسؤولين الإيرانيين، هو من صمم لكل هذا.

ويشير البث العلني للقصة التي سربها لأول مرة مسؤول تركي إلى صحيفة الواشنطن بوست إلى أن تركيا حريصة على اتخاذ إجراءات صارمة ضد إيران في الوقت الذي تسعى فيه إلى بناء جسور مع إدارة جو بايدن القادمة.

والأكثر غرابة، أن جهاز المخابرات التركي، الذي اتهمت إسرائيل رئيسه هاكان فيدان بتوزيع أصوله المحلية في إيران على نظام إيران الديني، تم تقديمه على أنه أخذ زمام المبادرة، وهذا بدوره يتناسب مع جهود تركيا الأخيرة للتواصل مع إسرائيل، والتي قوبلت بتجاهل كبير وتثاؤب.

وفي ضربة أخرى، أعلنت إدارة دونالد ترامب في 14 ديسمبر/كانون الأول فرض عقوبات مؤجلة طويلة تستهدف وكالة المشتريات الدفاعية التركية بسبب حيازة أنقرة لصواريخ إس -400 الروسية.

ويوافق تيمور سويكان، مؤلف كتاب "معركة البارونات"، وهو كتاب حديث عن مافيا المخدرات في تركيا، على أن السلطات التركية تبدو حريصة على الإعلان عن الاعتقالات.

وقال لـ "المونيتور": "إن قيام بلد أجنبي بعمليات على أرضه هو مشكلة كبيرة جدًّا لأي بلد، وما هو جدير بالملاحظة هو أن تركيا التزمت الصمت في الماضي عندما نفذ عملاء إيرانيون عمليات مماثلة على الأراضي التركية".

فتركيا وإيران لديهما تقليد لإدارة التنافس السني الشيعي، وفي هذا السياق يقول المحلل المقيم في لندن فيردفس روبنسون "على الرغم من التنافس التاريخي بينهما، حافظت تركيا وإيران، بتقاليدهما القوية في إقامة دولة ومجتمعات متعددة الأعراق، وعبر توازن دقيق في علاقاتهما الثنائية، وفيما يتعلق بالكرد، اختاروا التعاون، وفي المقابل، امتنعت تركيا عن أي تعليق أو عمل يمكن أن يُنظر إليه على أنه يدعم الميول الانفصالية بين الأقلية الأذرية الكبيرة في إيران".

إذن ما الذي تغير؟

قد تكون العلاقة مع واشنطن وإسرائيل أحد التفسيرات، لكن روبنسون يعتقد أن القصيدة الشعرية لأردوغان، لم تكن من قبيل الصدفة، بل كانت بمثابة تعاطف مع شريكه في الائتلاف الوطني غير الرسمي، دولت بهجلي، ولاحظ روبنسون "عندما سمعت تعليقات بهجلي الملتهبة، توصلت إلى نتيجة حتمية أن خطابه لم يكن مصادفة، ما يحركها هو نفس الضغط القومي الذي يحل محل أيديولوجية أردوغان الإسلامية ويعيد تشكيل السياسة الخارجية لتركيا في السنوات الأخيرة".

وكان روبنسون يشير إلى رد فعل بهجلي الغاضب على التوبيخ الصادر من إيران، وكرر نفس أبيات القصيدة التي سببت المشكلة على حسابه على تويتر يوم الإثنين.

كما تحدثت المحللة السياسية ألين أوزينيان عن موجة متجددة من الشوفينية في تركيا نشأت بسبب الصراع بين أذربيجان وأرمينيا.

وقالت لـ "المونيتور": "وسائل التواصل الاجتماعي هي المكان الذي تتجلى فيه هذه الموجة في أنقى صورها وأكثرها أصالة حيث يمكن للناس التعبير عن كراهيتهم دون الكشف عن هوياتهم الحقيقية".

وتعتقد ألين أوزينيان، وهي أرمنية من إسطنبول، أن انتصار أذربيجان كان "مفيدًا" للغاية محليًّا لأردوغان.

وتمتد قاعدة المعجبين بأردوغان إلى أذربيجان أيضًا، وقالت في هذا السياق أرزو جيبولاييفا، الصحفية الأذربيجانية التي تنتقد بشدة القيادة الاستبدادية لبلدها "كانت شعبية أردوغان في أذربيجان مرئية بالفعل منذ اليوم الأول للقتال الذي بدأ في 27 سبتمبر، ودعم أردوغان للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في هذه الحرب هو حديث مستمر".

وقالت للمونيتور: "إن هذا الامتنان كان واضحًا أيضًا في جميع أنحاء أذربيجان، حيث علّق العلم الوطني لتركيا إلى جانب علم أذربيجان "خلال زيارة الدولة التي قام بها أردوغان".

وكل من عارض هذه الحرب يعامل ويوصف بالخائن، وكان هناك الكثير من الكراهية المنتشرة على الإنترنت ضد منتقدي الحرب ودعاة السلام، وقد وصل بعضها بالفعل إلى مستويات مثيرة للاشمئزاز.

ومن الاستهداف المتعمد إلى الدعوات إلى العقاب العام والاعتقالات، وقالت أرزو جيبولاييفا: "أتذكر رؤية أحد المعلقين يقول إنه يجب إطلاق النار علينا جميعًا".

ولم ينسجم أي من هذا مع إيران، التي يُزعم على نطاق واسع أنها دعمت أرمينيا في السنوات الماضية كوسيلة لموازنة القوة مع أذربيجان، لكن الأذريين الإيرانيين يتراجعون عن هذا.

وقال الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حميد رضا عزيزي "منذ بداية الحرب، كان هناك استقطاب بين النخبة السياسية الإيرانية والجمهور حول كيفية رد فعل طهران على هذا التطور، من ناحية، كانت هناك مجموعة من الناس تقول إنه بسبب الاعتبارات الدينية والثقافية، يجب على إيران أن تنحاز إلى أذربيجان".

وتابع عزيزي قائلًا: "إن الضغط الذي مارسه الأذريون الإيرانيون على شكل تجمعات عامة لدعم باكو كان أيضًا عاملًا قويًّا دفع الحكومة الإيرانية إلى المزيد من هذا الاتجاه، وجادلت المجموعة الثانية بأن استعادة باكو للسيطرة على قره باغ سيوجه ضربة خطيرة لإيران من الناحية الجيوسياسية، وسيعني أيضًا وجودًا تركيًّا وإسرائيليًّا متزايدًا في جنوب القوقاز، والذي يعتبر عمق إيران الاستراتيجي الثقافي والتاريخي، وكان تحرك تركيا في نشر مرتزقة سوريين في قره باغ مصدر قلق كبير آخر لإيران".

وكان عزيزي يشير إلى مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى أذربيجان، والتي زادت بشكل ملحوظ خلال الجولة الأخيرة من الأعمال العدائية.

وإدراكًا منها لكل هذه المخاطر، اختارت الحكومة الإيرانية دعم أذربيجان علنًا، على ما يبدو لأن العوامل الأيديولوجية والضغوط الأذربيجانية كانت أكثر فعالية، وفي الوقت نفسه، كان هناك اعتقاد قوي في إيران بأن الحرب الأخيرة في قره باغ كانت في الواقع مبادرة من أردوغان وليست مبادرة من علييف.

وعلى هذا النحو، فإن إشارة صغيرة من جانب أردوغان إلى أذربيجان الإيرانية، كانت كافية للحكومة الإيرانية لكي ترى نفسها أولاً في مواجهة موجة غضب عام قادمة من أولئك الذين كانوا ضد دعم إيران لأذربيجان.

(م ش)