​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف

ستون عامًا مرّت على المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 280 طفلًا من أبناء عامودا، ولا زالت الأجيال تتناقل حكاية المأساة التي سببتها قوى الأمن التابعة للحكومة السورية عندما أحرقت سينما عامودا عام 1960 .

​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
​​​​​​​ستون عامًا على الفاجعة.. ولا يزال الجرح ينزف
الخميس 12 تشرين الثاني, 2020   22:42
قامشلو- ليلاف ديواني

خيّمت على سماء ناحية عامودا ليلة 13 تشرين الثاني عام 1960 غيمة سوداء إثر اندلاع حريق مفتعل في سينما شهرزاد الواقع في ناحية عامودا التابعة لمقاطعة قامشلو في شمال وشرق سوريا، وراح ضحيته أكثر من 280 طفلًا أغلبهم من المكوّن الكردي، في واحدة من أكبر الفواجع التي لحقت بأبناء روج آفا.

وعلى الرغم من مرور أكثر من ستين عامًا على هذه الفاجعة، إلا أنه لا يزال أهالي الناحية يتذكرون تفاصيل الحريق ورائحة الأجساد المحترقة التي ظلت تفوح في المدينة عقب الحادث الذي أودى بفلذات أكبادهم، ولا تزال الذاكرة الشعبية تحمل روايات متعددة عن أحداث الحريق وملابساته.

وفي لقاء خاص، يسرد لنا محمد أمين عبد السلام، في العقد السابع، وهو أحد الناجين من الحريق، تفاصيل الحادث المرعب في موقع الحريق، والذي تحوّل سنة 1961 إلى حديقة تخليدًا لذكرى الشهداء، إذ أُطلق عليه اسم "حديقة الشهداء"، وبات معلمًا لفاجعة حريق سينما عامودا.

'بعد عرض الفيلم بنصف ساعة اندلع الحريق'

محمد أمين عبد السلام قال: "حينها كنت في الثانية عشرة من عمري، وأتذكر عندما طلب منا مدير المدرسة أن يقوم جميع الطلبة بشراء بطاقات لحضور فيلم "شبح منتصف الليل" تضامنًا مع ثورة الجزائر، وحُدّد وقتها يوم العطلة لعرض الفيلم في سينما شهرزاد، حيث كانت السينما قديمة ومبنية من الطين والقش، ومحاطة بستار من الخيش المصبوغ، أي كانت الأسباب متكاملة لانتشار الحريق، وصالة السينما لم تكن تتسع للجميع، لذلك اضطر العديد من الطلبة إلى الجلوس على الأرض".

وعن تفاصيل نشوب الحريق نوّه عبد السلام إلى أنه اشتعل بعد تشغيل الفيلم بنصف ساعة، حيث بدأ من مُشغّل الأفلام، لتمتد النار بعدها إلى منصة السينما، وقال: "في تلك الأثناء تَدافَعَ الأطفال، مما تسبب بإغلاق باب السينما عليهم، الأمر الذي أدى إلى اختناق العديد من الأطفال".

'بئر الحياة والموت'

وتابع عبد السلام: "نتيجة الفزع والخوف الذي عاشه الأطفال بين النيران رمى البعض منهم بنفسه من فتحة كانت موجودة في جدار السينما ليلقوا حتفهم داخل بئر بجانب السينما، فمنهم من توفّي ومنهم من نجا".

وأصبح البئر بعدها رمزًا للحياة والموت بالنسبة لأهالي عامودا، وتخليدًا لذكراه تم إنشاء بئر في حديقة الشهداء إلى جانب وجود تماثيل لثلاثة أطفال باللون الأسود، والتي تدل على آثار الاحتراق في منتصف حديقة الشهداء، محاطة بأسماء وصور شهداء الحريق.

ويضيف عبد السلام: "اجتمعت حشود الأهالي حول السينما، وصرخات الأطفال كانت تعلو في المكان، طالبين النجدة، ولم يكن باستطاعة الأهالي مساعدتهم، فالنار كانت هائلة، ولم تكن هناك أي سيارات إطفاء لإخماد الحريق، وقد أُصبتُ أثناء الحريق في قدمي ويدي، وتمكنت بعد معاناة من الوصول إلى الباب الخارجي، وحينها أسعفني شخص إلى المستوصف يدعى شيخموس كوي".

'أرواح أطفالنا أصبحت ضحية لثورة الجزائر'

ووصف عبد السلام الحادث بالفاجعة، لأن جيلًا كاملًا راح ضحيته، أغلبهم من المكوّن الكردي، وإنها كانت خسارة كبيرة، وقال: "أرواح أطفالنا اصبحت ضحية ، فلم يتبقَّ منهم سوى الرفات، والبعض منهم لم يتمكنوا من التعرف على هويتهم نتيجة التشوّه الكبير في أجسادهم بسبب الحريق".

وأوضح عبد السلام أنه لم يتم فتح أية تحقيقات من قبل الحكومة، ولم تطالب أية جهة دولية بالكشف عن ملابسات الحادثة في ذلك الوقت وبقيت طي النسيان حتى الآن.

'الحريق كان هائلًا'

ومن جانبه وصف إبراهيم شيخو، وهو أيضًا أحد الناجين من الحريق، الحريق بجهنّم لضخامته، وقال: "أُصيبت قدماي ويداي خلال الحريق ووجهي بشكل طفيف، ولحسن الحظ تمكنتُ من الخروج بأعجوبة، واحتمينا أنا ورفاقي في بوفيه صغير كان موجودًا في صالة السينما".  

وتابع شيخو وعيناه ممتلئة حزنًا: "كان للحريق أثر حزين في نفوس الناس، فبعد انتهاء الفاجعة، وعودتنا إلى المدارس لم تعد الأجواء كما كانت، فالمقاعد كانت خالية واستشهاد العديد من رفاقنا أثّر بشكل كبير فينا". 

'ببطولته وشجاعته أصبح رمزًا للفداء والإنسانية'

وأثناء الحديث تطرّق شيخو إلى بطولة محمد سعيد آغا الدقوري الذي ظلت تضحيته خالدة في ذاكرة الأجيال، وقال: "أثناء نشوب الحريق رمى الدقوري بنفسه بين النيران لمساعدة الأطفال العالقين وهو يقول (تعالوا إلى عمكم) وتمكّن من إنقاذ العديد من الأطفال، وأثناء اقتحامه النيران ليتابع إنقاذهم وقع عليه الجدار ليحبسه في النيران مع الأطفال الموجودين في حضنه".

ويقال إن الناس كانوا يخبرونه أن ابنه قد نجا من الحريق، ولكنه أبى التراجع ولم يفرّق بين ابنه وأبناء الباقين، بل كان يقول لهم بصوت عالٍ (كلهم أولادنا).

وتخليدًا لذكرى الشهيد البطل محمد سعيد آغا الدقوري تم نصب تمثال له أيضًا في حديقة الشهداء، لأنه أصبح رمزًا للإنسانية والتضحية، ورُبط اسمه بتلك الفاجعة.

'الحكومة تمنع.. والنزيف مستمر في قلوب أهالي عامودا'

وظل أهالي ناحية عامودا يستذكرون شهداء الحريق لسنتين عقب الكارثة بإيقاد الشموع وزيارة أضرحتهم، ولكن بعد ظهور حكومة البعث مُنع الأهالي من إحياء ذكرى الشهداء، ولكن النزيف ظل مستمرًّا في قلوب الأهالي والأمهات الثكلى.

وظلت ذكرى مأساة حريق سينما عامودا خالدة في ذاكرة الأجيال، حيث دوّن العديد من الكتّاب والشعراء الكرد والعرب أشعارًا وكتبًا عن تفاصيلها، ومنهم المحامي والكاتب الكردي حسن دريعي، وهو أحد الناجين من الحريق، والذي ظل يجمع وثائق وأدلة عن الحريق ليؤلف كتابًا بعنوان "عامودا تحترق".

كما ألّف الشاعر الكردي تيريج قصيدة رثاء على طلبة عامودا، وأوصى بأن يتم دفنه إلى جانب شهداء سينما عامودا إذا توفي، ونظّم الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري أيضًا قصيدة عن حريق سينما عامودا، ودوّن الأستاذ بشير عواف قصيدة مؤثرة عن تلك المجزرة التي وصفها في الأبيات التالية:

مهجٌ من اللحم الطري تلفها نار توهج لبئس ذلك صرصرا

يا قلب قد هبّ الأثير فقمْ له واحملْ على جُنحيه شجوًا أغزرا

بلّغ به عامودا ورحابها أن القضاء مع الشجون تخيّرا

لم يخطر الأشرار أو من مثلهم أو من رأى في عيشه ما أنكرا

(أ ب)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/7UH3c4vW2po" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>