خطَّار أبو دياب: دعوات روسية ترن كجرس إنذار في وجه تركيا

قال الدكتور خطار أبو دياب، إن أردوغان يعوّل على إحراز نجاح رمزي في قره باغ، يتيح له التفاوض مع موسكو على مخارج أو حلول في سوريا وليبيا وكذلك ملفات الطاقة، بيد أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من المخاطر حيث لن تسمح روسيا بخرق التوازنات، ودفعها إلى ردود فعل تحبط المساعي التركية.

خطَّار أبو دياب: دعوات روسية ترن كجرس إنذار في وجه تركيا
السبت 24 تشرين الأول, 2020   05:19
مركز الأخبار

وقال أستاذ العلوم السياسية في المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس، الدكتور خطار أبودياب، في مقال له نشرته صحيفة العرب أن تركيا غالبًا ما تتنافس مع روسيا أو تتواجه معها على أكثر من مسرح في هذه الرقعة المحترقة بالنزاعات، وخاصة ما يتصل بجوار تركيا القريب في شمال سوريا، والحديقة الخلفية لروسيا في آرتساخ/قره باغ.

ويؤكد أنه إزاء هذا التجاذب بين ورثة إمبراطوريتين غابرتين، يتعامل بوتين بمرونة لافتة بسبب مصالحه الجيوسياسية والاقتصادية مع أنقرة التي يريد إبعادها عن الناتو، لكن محاولة أردوغان مناكفته وتسجيل نقاط في ملف حساس جنوبي القوقاز ربما تدفع سيد الكرملين إلى ردود فعل تحبط المساعي التركية قبل صحوة الولايات المتحدة من سباتها الانتخابي.    

ويشير أبو دياب أنه في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، شن الرئيس الأذري إلهام علييف بتشجيع من أردوغان هجومًا على قره باغ، الإقليم الذي خسرته باكو بعد حرب بداية التسعينات من القرن الماضي، وكان الرئيس التركي يعول على إحراز نجاح رمزي يتيح له التفاوض مع موسكو على مخارج أو حلول في سوريا وليبيا وكذلك ملفات الطاقة، وعندها يتفاخر أمام شعبه كي ينسى معاناته من أزمة اقتصادية متفاقمة.

بيد أن هذه الاستراتيجية بحسب أستاذ العلوم السياسية، لا تخلو من المخاطر، حيث لن تسمح روسيا بخرق التوازنات وهزيمة أرمينيا خاصة أنه يمكن أن يخرج النزاع عن السيطرة وقد يؤدي إلى تصعيد التوترات مع إيران وتمدد الصراع إلى الجمهوريات الانفصالية لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا المجاورة.

وبحسب أبو دياب، فإنه لا يمكن عدم الربط بين الاندفاع الأردوغاني جنوبي القوقاز مع مشاكل تركيا على الجبهات الأخرى، إذ أن الهجوم المضاد لقوات غرب ليبيا بدعم من الرئيس التركي توقّف أمام خط سرت – الجفرة، وأن معركة إدلب لم تكن لصالح القوات الموالية لتركيا في سوريا، ولم تنجح أنقرة في إنهاك قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا.

وأخيرًا اضطرت تركيا إلى التراجع التكتيكي في شرق البحر المتوسط تحت ضغط ثلاثي من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والأوروبيين، لذلك قرر الرئيس التركي تحويل الأنظار، أو تشجيع إذكاء النزاع ألأرمني – الأذري والتلويح بالفزاعة الأرمنية كأفضل وسيلة لتأجيج الشعور القومي التركي والإسلامي ضد أرمينيا المسيحية.

ومن ناحية الأسلوب هذه المرة، تبنى أردوغان النهج غير المباشر من خلال استهداف قره باغ، بالوكالة، دون المخاطرة بهجوم مباشر على الأراضي الأرمنية مما كان سيؤدي بلا شك إلى رد مباشر من روسيا التي ترتبط مع أرمينيا بمعاهدة دفاعية.

وأكد أبو دياب على أنه بالرغم من هذا الجهد الأردوغاني، فمن الواضح أنه بعد حوالي شهر على هجوم أذربيجان والاستعانة بالخبرات التركية والمرتزقة، لم يحصل تغيير كبير أو تقدم حاسم لقوات باكو إذ لا تسمح علاقة القوى المتوازنة نسبيًا بين أرمينيا وأذربيجان لأي من الطرفين المتحاربين بشن حرب خاطفة منتصرة ضد أراضي الطرف الآخر، ناهيك عن طبيعة منطقة قره باغ الجبلية للغاية، والتي يمكن للأرمن الدفاع عنها.

ولذا على الأرجح أن ينتهي الأمر إلى حرب استنزاف، ما يترك الوقت للرئيسين التركي والروسي للتفاوض، ومقايضة أردوغان لفك الارتباط عن جنوب القوقاز مقابل المساومة مع الكرملين في ملفات أخرى أو الحصول على صمته أو تغاضيه.

وفي مواجهات ما بعد 1994 وخاصة في 2014 و2016 في الإقليم المتنازع عليه، كانت روسيا اللاعب الأول وتركيا بعيدة عن مواقع التأثير، ولكن ما حصل بعد 2012 في سوريا وتزامن مع تركيز سلطتي بوتين وأردوغان، أخذ يخلط الأوراق بين الجارين الكبيرين، حيث إن “الانتقام الروسي من التاريخ” انطلاقًا من سوريا أحدث تدهورًا كبيرًا للعلاقة مع أنقره إثر إسقاط تركيا مقاتلة روسية في سوريا في تشرين الثاني/نوفمبر.

لكن بعد محاولة الانقلاب في تركيا في صيف 2016 وسيطرة الحكومة السورية وبقيادة روسية على حلب، اتخذ الرئيس الروسي قرارًا باحتواء تركيا بدل مجابهتها وقاد ذلك نحو تدشين حقبة من علاقات وثيقة ومتباينة بين موسكو وأنقرة في آن معًا.

ففي شمال سوريا تفادت موسكو الصدام الواسع مع أنقرة، وحاولت تركيا بقوة الاحتفاظ بالنفوذ في “جيب إدلب” والمناطق التي احتلتها تركيا في سوريا، وعينها دوما على مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وقد حاول أردوغان مرارا الاستفادة من التنافس الأميركي – الروسي لتسجيل نقاط، لكن هامش مناورته لا يبدو كبيرًا.

بعد تمدد اهتمامها صوب جبال القوقاز، وجدت تركيا نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أوراقها في الشمال السوري وسحب نقاط مراقبتها المحاصرة من الحكومة وخصوصًا في مورك شمال حماة.

وتأتي هذه الخطوة الاستباقية بحسب الدكتور خطار أبو دياب قبل هجوم منتظر ترعاه روسيا (ربما ضمن ردود الفعل على حرب قره باغ) في إدلب والسعي لحصر "الفصائل والجهاديين" في شريط ضيق بالقرب من الحدود التركية، ومن الاحتمالات الأخرى شن أردوغان لهجوم جديد على مناطق شمال وشرق سوريا ضمن هجماته المنهجية في الشمالين السوري والعراقي.

ويلفت أبو دياب إلى أنه يبدو مبكرًا إجراء جرد لحصاد التجاذب الروسي – التركي ونتائجه الاستراتيجية، لكن دعوة روسيا بإصرار في 23 تشرين الأول/أكتوبر إلى إخلاء قره باغ من المرتزقة يرن كجرس إنذار في وجه تركيا، لأن موسكو التي وضعت ضمن استراتيجيتها السورية إبعاد الخطر الإسلامي السياسي وعدواه في جوارها وأراضيها، ها هي تكتشف أن صديقها وغريمها أردوغان أدخل “الأممية الإسلامية” إلى حديقتها الخلفية.

ويقول أبو دياب مختتماً المقال: "يبدو التنافس محمومًا بين روسيا وتركيا لكنه محكوم بسقف قواعد الجوار وموازين القوى العسكرية الدقيقة، وسيفرض التفاوض نفسه بين الطرفين، لكن مسعى تركيا للاقتداء بموسكو والانتقام من عثرات تاريخها سيصطدم أكثر فأكثر بالمشاريع الإمبراطورية الأخرى من روسية وإيرانية وصينية وكذلك بمواقف أوروبية أكثر جرأة، وبصفارة النهاية الأميركية في الوقت المناسب".

(ي م)