في جزئية اعتداء أنقرة الأخير على العراق أيَّهما الأنسب لتركيا: أوجلان أم أردوغان؟

في جزئية اعتداء أنقرة الأخير على العراق أيَّهما الأنسب لتركيا: أوجلان أم أردوغان؟
السبت 20 حزيران, 2020   02:25
سيهانوك ديبو

الحدود بين الصين والهند لم تعد آمنة، كانت كذلك إلى حد ما لأكثر من أربعة عقود، لكنها لم تعد كذلك منذ الثلاثاء الماضي بين بلدين يشكلان وحدهما ربع سكان العالم، بلدان يُعدان من أكبر القوى النووية في العالم، وتزامن ذلك مع تدمير مكتب الارتباط بين الكوريتين، سوى أن هذه الأحداث جاءت بعد عقدٍ ساخن وتطورات كبيرة في منطقة شرق المتوسط؛ سوريا البؤرة منها –سيّما- بعد تنفيذ قانون قيصر كأكبر عقوبات تُفرض على بلد منذ الحرب العالمية الثانية.

لكن كل تغيير في العالم يبدأ أولاً من الشرق الأوسط؛ منطقة تتقاطع فيها خطوط الغاز والطاقة، وللغاز روائح؛ تجذب كل رائحة منها جماعة محددة أو جماعات تجد نفسها في البوتقة نفسها أو المقلب نفسه دون أخرى، أمّا الغاز وكذلك الطاقة فيتم ترويجها عبر أيديولوجية/ ات الشرق الأوسط الجديد، أيديولوجية تختلف عن الأيديولوجية الأوراسية؛ قد يجتمعان في الجانب نفسه؛ حتى لو كان بالاجتماع القلق؛ حينما يتلمّسا أيديولوجية طريق الحرير الجديدة الصينية، وهذه مشاريع هيمنة في حقيقتها؛ تحتاج كل منها إلى مشاريع هيمنة أقل شمولية أو مناطقية؛ كما في مشروع الهلال الشيعي أو العثمانية الجديدة، بالطبع إلى جانبهما توجد مشاريع أخرى معلنة أو معلّقة تتحين لحظة الظهور المناسبة.

أما العثمانية فعصاها داعش والنصرة وحراس الدين والتركمانستاني، ومنْ مثلها الموجودة في إدلب، وعمومها عُيِّنت تحت إمرة سلطانها كقوة احتلال وشواهده في عفرين ورأس العين وتل أبيض؛ مهما حاولت أن تتخفى تحت اسم ما يسمى بالجيش الوطني السوري.

الاعتقاد السائد؛ أقلَّه الشعبي؛ في كل الشرق الأوسط بات محدداً بأن تركيا الأردوغانية تقف وراء كل أزمة في بلدانه، وأن السلطان بات بارعاً وخبيراً في تمهيد دروب الأزمات من بلد إلى آخر، وكأن مهمته هكذا، خاصة بعد مسرحية الانقلاب في منتصف يونيو/ حزيران 2016، وكأنه سيبقى في سدة الحكم التركي حتى يشعل المنطقة كلها؛ من بعد أن وزّع البارود عليها كلها، وفي ذلك فإن جلّ مساعديه هم من جماعات ومسميات وتنظيمات مرتبطة بالإخوان المسلمين، ربما ستكون الجزائر وجهته القريبة القادمة؛ في اللحظة التي باتت تونس تأن من حكم الإخوان، توجد مفارقة هنا بين البلدين: تونس شعب بثقافة أكثر انفتاحاً ونظام متوغل فيه الإخوان، على عكسها الجزائر، وإذا ما كانت الجزائر هي وجهته فإن أردوغان استجدّ عليه في اليمن التي تعاني من أكبر فوضى وفقر ضالته لإطباق الحصار على الرياض وأبوظبي ودول مجلس التعاون الخليجي باستثناء الدوحة: بيت مال العثمانية.

عمق الترابط بين الملفات الإقليمية والعالمية، وطبيعة الأزمة في عمقها البنيوي تشفع لطول هذه المقدمة، والتمهُّل قليلًا قبل الغوص في متن مقال يحمل عنوانين مهمين: عن اعتداءات تركيا المتكررة التي بلغت نحو 71 عدوانًا سافرًا على العراق منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي حتى السابع عشر من يونيو /حزيران الحالي، والآخر الذي بدأ يتردد على مسمع الجميع منذ العام تقريبًا؛ أي منذ 23 يونيو حينما أدى إلى خسارة مدوية للعدالة والتنمية في الانتخابات البلدية التركية أمام تحالف المعارضة، في الحقيقة وحين التحلي بالأسباب القصية وراء هذا الفوز و/أو تَتَبُّع خطوطها الرفيعة لنصل بمنطقية إلى: أن أوجلان من غلب أردوغان في اسطنبول؛ أكثر من أن يكون خسارة لبنعلي يلدرم مقابل أكرم إمام أوغلو، وأنه بالصحيح الكامل حين القول إن وراء اعتداءات تركيا الأردوغانية على العراق مئة سبب وسبب، متنوعة متوزعة على المنحيين الداخلي والخارجي، في الحقيقة يُذَكِّر أردوغان إلى درجة كبيرة هذه اللحظات بالممثل الهوليودي الشهير جايسون ستايثم Jason Statham في فيلم Crank high voltage كرانك الجهد العالي؛ حينما يُحقَن بطل الفيلم بمادة سامة يبْطَلُ مفعولها مع عدم السكون؛ لذا تجده في حراك مستمر: يركض ويقفز ويسبح والمهم أن لا يقف، والفرق بينهما في أن أردوغان بما يمثِّله؛ محقون بأمراض القوموية والدينوية والجنسوية والعلموية؛ مما تجعل خياراته محدودة في إما أن يَقتل أو يُقتل، فلا يرى أن ليبيا (تركة أجداده)، إنما كل المنطقة –وفق مرضه- هي مطوّبة باسم (العثمانية الجديدة)، وله من المماليك برلماناً يحلل أو يشرعن كل ما يقدّم إليه من دائرة النظام الاستبدادي الضيق في أنقرة، على الرغم من كل هذا، لديه مبتغىً كبير يسمى: إبادة الشعب الكردستاني، وعرقلة كل ما يؤدي إلى نيل حقوقه، وألّا يحظى بدور ينسجم مع الكرد كحقيقة جغرافية سياسية تاريخية ومعرفية؛ في العراق وإيران وتركيا وسوريا، يحارب الكرد تحت لافتة مضللة تفتقر إلى أي إسناد قانوني" محاربة الإرهاب"، لكنه معلوم لدى سكان الكرة الأرضية كلها أن العقد الأخير بشكل خاص أكد أن أكثر من حارب الإرهاب هم الكرد، والإرهاب كان له أكثر من جهة تدعمه لكن في أغلبه تأتي من تركيا الأردوغانية، يهدف أردوغان إلى أن يحوّل جبال كردستان كزاغروس وقنديل إلى تورا بورا وهندكوش معاقل لتنظيم القاعدة الإرهابين، وإلّا من يسيطر على عفرين اليوم؟ أليست هي جماعات مسلحة مرتزقة إرهابية صارت محل إدارة مدنية ديمقراطية ووحدات حماية الشعب والمرأة؟ ومن يسيطر على رأس العين وتل أبيض؟ أليس هم من بقايا داعش المندحر على يد قوات سوريا الديمقراطية كأهم قوة ورمز عالمي ضد الإرهاب؟ إن أردوغان يريد الانتقام لداعش في شنغال/ سنجار، ويرتعب من مخيم مخمور الذي هو في عهدة الأمم المتحدة والحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق، وعلى الرغم من الاختلافات السياسية في المجتمع الكردستاني؛ سوى أنه احتسبت إهانة في وجه كل كردي وكردية حينما علّق السلطان أردوغان على استفتاء إقليم كردستان العراق: لا يحق لعشيرة أن تطالب بدولة!! ليس لذلك القول الحسم على ضرورة عقد المؤتمر الوطني الكردستاني؛ إنما بسبب حق مثل هذا الشعب في إظهار إرادته وحقه وواجبه في أمن واستقرار مستدام يعمّان كامل الشرق الأوسط.

وفق قاعدة المنطق السياسي: من يتحرك كثيراً يخلِّف أخطاء كبيرة؛ فإن أردوغان ترك وراءه منذ أن أنهى مباحثات السلام التركية الكردية؛ جملة ضخمة من أخطاء فاضحة ارتكبت بحق الشعب الكردي وللشعوب في تركيا وفي المنطقة وفي العالم، أخطاء كثيرة وكبيرة في مقدمتها: أن العمال الكردستاني ليس بالحزب الإرهابي، مثلما إن إدراج الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حتى تسعينيات القرن الماضي ضمن خانة الإرهاب، مثلما كانت تدرج حركة فتح الفلسطينية في الخانة نفسها؛ وغيرها؛ بأنها أخطاء ارتكبت بحق شعوب هذه الأحزاب وبما تمثله من فكر ورؤى ومشاريع تؤكد أمن واستقرار المنطقة برمتها، لكن للبشر طبائع، وللعمران البشري خصائص، وللديالكتيك حركية لا يمكن لجمها، مثلما أن أردوغان يرتكب الجينوسايد بحق شعوب المنطقة فإنه يذكرنا في مثال مقابل له يتمثل أيضاً بحكم الأبارتيد في جنوب أفريقيا، ولا نظن بأنه سيمتلك جرأة فردريك دي كلارك آخر رئيس للحزب الوطني اليمني الذي فاجأ جنوب أفريقيا والعالم في العام 1990 –عام بعد سقوط برلين، والأحداث في العالم لا يمكن فصلها عن بعضها- بإعلانه أن سياسة الأبارتيد أو الأبارتهيد بالأفريكانية قد فشلت، فأطلق سراح نلسون مانديلا الذي اعتلى الحكم بعد انتخابات حرة وديمقراطية، هل بإمكانه البوح بأن سياسة إبادة الكرد وإنكار حق الشعوب، وتفصيل المنطقة على أساس نظام العثمانية؛ نصف القومي ونصف الديني؛ فشل؟ لا بل انتهى ولا يمكن إعادته، ولا يمكن الظن بذلك رغم أن السياسة بحد ذاتها هي علم الاحتمالات غير المحددة أو المحدودة، على الرغم من ذلك فإن من حُقِن بسم القوموية المركزية لا يصلح للبناء، لأن الأفكار هي التي تحدد الأبنية وتتحدد فيها كأسس للرفع وللإطلال على الغير الآخر أو أسس من خلال فناء الآخر، وربما هو الخطأ بعينه حينما يتم التعويل على أساس المشكلة، فهو الصحيح تماماً بأن التعويل دائماً على إرادة الشعوب المنظمة الواعية المدركة لذاتها في أن حقيقتها مستمدة من حقيقة وجود الآخرين، أما كلنا عثمانيون أو عدم أي وجود للقضية الكردية؛ وانتهى الأمر إنما هو القبيح في المسألة ولا يمكن القبول به، وكل من يهمه الأمر أو لا يهمه، فإن الإدراك قولًا وفعلًا بأن انحسار وتحجيم أي مشروع ماضوي سياسوي؛ العثمانية أخطرها؛ مضمونٌ في دعم مشاريع الحداثة الديمقراطية؛ الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في مقدمتها، وإن إفشال مخطط تفتيت وتدمير المنطقة أي العثمانية الجديدة تكمن في جزئية حاسمة مفادها أن مواجهة الشعوب في تركيا ضد النظام الاستبدادي الفاشي في تركيا باتت مسألة حتمية.

الشرق الأوسط من دون العثمانية الجديدة سيكون الأفضل والأكثر أمنا واستقراراً، ليس في العراق فقط ولا سوريا وإنما بالنسبة للمنطقة كلها.

(آ س)