​​​​​​​تونس في عين تركيّا وقطر: الغنوشيّ يحاول دفع تونس إلى المحور الإخوانيّ في ليبيا

يسعى رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشيّ، لوضع بلاده في صف حكومة الوفاق الليبية بقيادة فائز السرّاج، ويتجاوز صلاحياته كرئيس للبرلمان.

​​​​​​​تونس في عين تركيّا وقطر: الغنوشيّ يحاول دفع تونس إلى المحور الإخوانيّ في ليبيا
الأربعاء 10 حزيران, 2020   03:07
مركز الأخبار – عمر موسى

في نهاية الشهر الماضي، هنّأ رئيس مجلس النواب التونسي راشد الغنوشي، رئيس حكومة الوفاق الليبية، فائز السرّاج، بالسيطرة على قاعدة "الوطية" العسكرية القريبة من حدود تونس، والتصريح لم يمرّ هادئاً في تونس، بل أثار موجة من الانتقادات والاحتجاجات من تصرف الغنوشي، إذ أصدرت 4 كتل في مجلس نواب الشعب التونسي بياناً، بخصوص ما وصفته ''تدخّلاً لرئيس المجلس راشد الغنوشي في السياسة الخارجية وإقحاماً للبلاد في صراعات المحاور الإقليمية".

الكتل الـ4 التي وُصف بيانها بـ"شديد اللهجة" وفق مراقبين، كانت تضم كلاً من "قلب تونس"، و"الإصلاح"، و"تحيا تونس"، و"المستقبل".

الاحتجاج التونسي الداخلي الذي تبعه دعواته من كتل برلمانية، لمحاسبة الغنوشي، يرجع في أساسه إلى عاملين، أولهما: أنّ الغنوشي تعدّى على صلاحيات الرئيس قيس سعيد، بإجرائه محادثاتٍ تضع تونس في اصطفافاتٍ سياسية، ليست في مصلحة البلاد.

وأيضاً، انعكس التصريح على العلاقة بين سعيد والغنوشي، فبحسب مراقبين، ثمّة حالة من الفتور بين الغنوشي والرئيس على أثر خطوات زعيم حركة النهضة الأخيرة.

والآخر، أنّ الاتصال كان في عمقه، دلالة على ارتباطٍ وثيق بين أطراف محور "الإخوان المسلمين"، وهو التنظيم الذي ولدت من رحمه، حركة النهضة وزعيمها رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي، الذي تربطه علاقات قوية مع تركيا.

ويطرح موقف الغنوشي، استعراضاً لسيرته الذاتية، وتكوينه السياسي، لفهمٍ أعمق لدلالات تجاوزه صلاحياته ومحاولة توريط تونس بدفعٍ من تركيا وقطر في لعبة المحاور الإقليمية.

راشد الغنوشيّ .. ذراع جماعة "الإخوان المسلمين" الطويلة في تونس

ولد زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي واسمه الحقيقي راشد الخريجي في 22 حزيران/يونيو 1941 في مدينة الحامة في ولاية قابس التونسية، تعلّم في بلاده، ثم سافر سنة 1964 إلى مصر ثم سوريا، حيث حصل سنة 1968 على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق، ثم سافر إلى باريس التي أمضى فيها فترة قصيرة ليعود نهاية الستينات إلى تونس، ليعمل  أستاذاً للفلسفة في مدارس ثانوية بالعاصمة تونس.

وتأثر بالفكر الإسلامي والعمل الدعوي، فور عودته إلى بلاده التي وصف أحوالها بعد غيابٍ عنها بهيمنة العلمانية عليها، كما ذكر في سيرته، في إشارة إلى النهج العلماني الذي انتهجه الرئيس الحبيب بورقيبة، ليبدأ نشاطه الدعوي.

وفي 1972 أسّس مع بعض رفاقه "الجماعة الإسلامية" التي غيّرت اسمها في 1981 إلى "حركة الاتجاه الاسلامي" ثم إلى "حركة النهضة" في 1989.

وحاولت الحركة صبغ المجتمع بلونٍ إسلامي متزمّت عبر مختلف الطرق: الدروس الوعظية والحلقات في المساجد وتكثيف المحاضرات في المعاهد الثانوية والجامعات، وكذلك استهداف النساء لإقناعهن بارتداء الحجاب وتبنّي الفكر الإسلامي.

وبعد وقتٍ قصير، بدأت نشاطات الغنوشي تثير قلق السلطات في زمن حكم الحبيب بورقيبة، ووجّهت له تهماً بتأجيج الاضطرابات وحكمت عليه نهاية 1981 بالسجن 11 عاماً قضى منها ثلاث سنوات وأطلق سراحه، ليعاد القبض عليه، والحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة في مطلع 1987.

وفي الأعوام بين الثمانينات والتسعينيات، كانت هذه الفترة، مرحلة ملاحقات أمنية وسجون لأعضاء الحركة، ونشط عملها الدعوي السري، وارتكبت أعمال حرق وتفجير بحق مراكز مختلفة في تونس.

وبعد أن تسلّم زين العابدين بن علي السلطة في 1987 أصدر عفواً عنه في أيار/مايو 1988. لتبدأ سلسلة صدام الحركة مع السلطات بعد حصول حركة النهضة على نحو 17 بالمئة من الأصوات في الانتخابات التشريعية لسنة 1989.

وفي نهاية العام نفسه، غادر راشد الغنوشي تونس إلى الجزائر، ثمّ إلى لندن في 1991، بعد أن حكمت عليه المحكمة العسكرية بتونس مع قيادات إسلامية أخرى بالسجن المؤبّد بتهمة "التآمر" ضد رئيس الدولة. ليعود الغنوشي في 30 كانون الثاني/يناير 2011، إلى تونس بعد الثورة وهروب الرئيس بن علي إلى السعودية.

وبعد الثورة التونسية، ارتدت الحركة ثوباً جديداً في سياستها، لكنّها ظلّت متمسّكة بأساسها المنطلق من جماعة الإخوان المسلمين المصرية. وحاولت الحركة ضمن سعيها لاختراق المجتمع، محو كل أثر للتطرّف الإسلامي في خطابات الحركة، وحاولت تقديم نفسها في قالبٍ معتدل، شبيه بحزب العدالة والتنمية في تركيا الذي تربطه علاقات أصيلة مع حركة النهضة، فقبلت الحركة عدم التنصيص على الشريعة الإسلامية في الدستور التونسي الجديد الذي تم إقراره في 2014.

وقادت الحركة، الحكومة التونسية التي أطلق عليها حكومة "الترويكا" منذ عام 2011 حتى عام 2014، لكنّها واجهت أزمة حادة إثر اغتيال المحامي المعارض للإسلاميين شكري بلعيد في 6 فبراير/شباط  2013 ما دفع حمادي الجبالي (الأمين العام السابق لحركة النهضة)، إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة ليخلفه في هذا المنصب القيادي علي العريض، ثمّ تأجّجت الأزمة إثر اغتيال محمد البراهمي النائب البرلماني المعارض للإسلاميين يوم 25 يوليو/تموز 2013، بعد توجيه أصابع الاتهام للإسلاميين في حادثتي الاغتيال، لتضطرّ حكومة الترويكا إلى التخلي عن الحكم مطلع 2014 لفائدة حكومة مستقلين.

وينُظر في تونس إلى حركة النهضة على أنّها ذراع تنظيم "الإخوان المسلمين" الطويلة في البلاد، خصوصاً بعد تصاعد نجمها في مقاليد الحكم، وتحمّل المعارضة راشد الغنوشي المسؤولية عن صعود تيار السلفية الجهادية في تونس.

ورغم محاولة الحركة نزع رداء انتمائها لجماعة الإخوان المسلمين إعلامياً، إلّا أنّها فشلت في ذلك، ويدلّ على ذلك أيضاً، تهنئة راشد الغنوشي الذي يواجه شبهات فساد داخلياً، لحكومة الوفاق بالسيطرة على قاعدة الوطية، وهي تهنئة تحمل في طياتها إقحام تونس إلى جانب قطر وتركيا ودورهما في الأزمة الليبية.

الغنوشي يستغلّ تونس لتعزيز هيمنة تركيا وقطر في ليبيا

ويرى الكاتب والباحث السياسي التونسي، فاضل الطياشي خلال حديثه لوكالتنا، أنّ الفترة الماضية حملت في طياتها، الكثير من التطوّرات السياسية في تونس.

أبرزها، كان انتقاد رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي بسبب تحركاته السياسية الخارجية.

ويقول الطياشي، إنّ "اتهام الغنوشي بمحاولة التدخّل في الشأن الديبلوماسي الخارجي، يرجع في أصله إلى أنّ هذه الخطوات من صلاحيات رئيس الجمهورية".

ويشير إلى أنّ "رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي يواجه في الفترة الأخيرة اتهامات من بعض الأحزاب بالاصطفاف وراء أطراف خارجية أبرزها المحور القطري التركي، وذلك في علاقة بالقضية الليبية".

وبحسب الطياشي "وقع استنتاج هذه الاتهامات بعد الاتصالات والزيارات التي أجراها إمّا مع رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج أو مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان".

ويضيف الطياشي: "الغنوشي يقول إنّه يعمل وفق ما تمليه الشرعية الدولية التي تعترف بحكومة الوفاق في ليبيا. غير أنّ عديد المتابعين والسياسيين في تونس يرون أنّ تونس يجب أن تبقى في موقف حياد تجاه القضية الليبية بما أنّ الأمر يتعلّق بنزاع بين طرفين ليبيين".

وبحسب الطياشي فإنّ الغنوشي يواجه تهمة التدخل في الشأن الخارجي الذي ليس من صلاحياته. حيث ينصّ الدستور التونسي على أنّ السياسة الخارجية والشأن الديبلوماسي والتعبير عن موقف تونس من بعض المسائل الخارجية هي من اختصاص رئيس الجمهورية وبدرجة أقلّ رئيس الحكومة ووزير الشؤون الخارجية.

وبالتالي فإنّ ما قام به رئيس البرلمان في الآونة الأخيرة اعتبره البعض مخالفاً للدستور. ولكن الغنوشي يسعى لتبرير ذلك ويصنّفه ضمن خانة "الديبلوماسية البرلمانية" التي تتعامل بها بعض الدول.

ويلفت الكاتب والباحث السياسي التونسي إلى أنّ "حديث الغنوشي، أدّى إلى عقد جلسة عامة بالبرلمان بطلب من حزب الدستوري الحر للحوار حول الديبلوماسية الخارجية وحول مدى قدرة البرلمان على التدخّل فيها، وأيضاً لمساءلة راشد الغنوشي حول موقفه من القضية الليبية واصطفافه إلى جانب طرف دون الآخر وما قد ينتج عن ذلك من توريط للدولة التونسية في خدمة مصلحة طرف دون الآخر".

ويتابع: "قدّم حزب الدستوري الحر لائحة في الغرض، فعُرضت على التصويت في الجلسة العامة بالبرلمان لكنّها لم تحظ بالأغلبية المطلوبة. لكن اللافت للانتباه هو أنّ اللائحة حظيت بتصويت أحزاب شريكة في الائتلاف الحكومي الذي تقوده النهضة (حركة الشعب – تحيا تونس – الإصلاح الوطني) وهو ما جعل النهضة تنتفض ضد هذه الأحزاب، وتطالب بإدخال تغيير على الائتلاف الحكومي الذي لم يمض على تشكيله سوى بضعة أشهر وباستبعاد هذه الأحزاب من الائتلاف. وبذلك أصبح الائتلاف الحكومي مهدداً اليوم بـ«الانفجار» وهو ما سيؤثّر حتماً على الوضع العام في البلاد، وسيتسبّب مرة أخرى في حالة من الارتباك وعدم الاستقرار السياسي".

وفيما يتعلّق باتهامات، شبهات الفساد والممتلكات الموجهة للغنوشي، ينوّه الطياشي إلى أنّ "هناك بعض الأطراف قد طالبت، بفتح ملف أموال رئيس البرلمان وقد ردّت حركة النهضة على ذلك بتقديم توضيحات حول ممتلكات الغنوشي في انتظار ما ستكشفه الأيام القادمة من تطوّرات".

ويختم الطياشي حديثه بالقول: "بالنظر إلى كل ذلك تسود هذه الأيام تساؤلات عديدة حول ما ستفرزه الأيام القادمة من تطورات سياسية ذات علاقة بتواصل تماسك الائتلاف الحكومي الذي تقوده النهضة (حكومة الياس الفخفاخ) وذات علاقة أيضاً بالبرلمان الذي يرأسه راشد الغنوشي والذي تطالب بعض الأطراف بحله (البرلمان) وإعادة الانتخابات وتطالب أطراف أخرى باستبعاد الغنوشي من رئاسته. ويتحدّث المراقبون أيضاً عن إمكانية تأثير ذلك على الوضع داخل حركة النهضة في ظل حديث البعض عن وجود انقسام داخلها في علاقة بمواصلة راشد الغنوشي رئاستها أم لا".

مراقبون آخرون، يرون أنّ تركيا وقطر تهدفان من خلال علاقاتهما العميقة مع راشد الغنوشي، للاستفادة من صلاحيات الغنوشي، وتحويل تونس إلى ممر ومحطّة آمنة عسكرية وغيرها من مجالات دعم رئيس حكومة الوفاق في حربه مع المشير خليفة حفتر.

غير أنّهم يستبعدون نجاح هذه الخطّة، وذلك لتداعياتها الكبيرة على تونس، ورغبة الأخيرة في تجاوز مسألة الاصطفافات السياسية التي لن تكون سوى على حساب الشعب الليبي.   

(ح)

ANHA