​​​​​​​قيصر سيجبر الحكومة للاعتماد على شمال سوريا

سيعزز قانون قيصر العزلة على الحكومة السورية، وسيجبرها على الاعتماد على مناطق شمال شرق وشمال غرب سوريا للحصول على المنتجات بسعر أرخص.

​​​​​​​قيصر سيجبر الحكومة  للاعتماد على شمال سوريا
الإثنين 1 حزيران, 2020   08:44
مركز الاخبار

نشر الباحث في مركز كارنيغي الشرق الأوسط خضر خضور مقالاً تحدث فيه عن تداعيات قانون قيصر على الاقتصاد السوري وعلى الوضع السوري بشكل عام، حيث قال "بعد ما يقرب من عقدين من الزمن، ربما يرحل رجل الأعمال البارز في سوريا، رامي مخلوف، وتقترب بذلك هذه الهيمنة من نهايتها، ففي 19 أيار/مايو، صادرت السلطات السورية ممتلكاته وأصول أفراد أسرته، وسط تكهنات بأن سقوطه سيحدث صدعاً سريعاً لا يمكن إصلاحه في القاعدة الداعمة للنظام، خاصة بين العلويين".

ويبدو أن هذا غير مرجح، حيث نشر شقيق مخلوف مؤخراً منشوراً على فيسبوك ينتقد فيه رامي ويؤكد ولائه للأسد، ويشير ذلك إلى أن الانشقاق الجماعي بين صفوف العلويين ليس وشيكاَ، والسؤال الأهم هو ما هي دلالات أزمة رامي مخلوف وتأثيرها على البيئة الاقتصادية والتجارية في سوريا، وخاصة عشية تنفيذ ما يسمى قانون حماية المدنيين قيصر سوريا، ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ هذا الشهر.

وسيعزز قانون قيصر عزلة النظام، وسيكون رجال الأعمال والبلدان في جميع أنحاء الشرق الأوسط الذين يعملون مع سوريا، مترددين للغاية للقيام بذلك بسبب المخاطر الهائلة التي ينطوي عليها هذا القانون الأمريكي.

وفي الواقع، سيقسم التشريع سوريا إلى منطقتين، مناطق يسيطر عليها النظام ومناطق يمكن تسميتها على نطاق واسع "الشمال"، ويشمل شمال سوريا قسمين: شمال شرق سورية يسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية وشمال غرب سورية التي يسيطر عليها المجموعات المرتزقة التابعة لأنقرة، ولأن قانون قيصر يستهدف الحكومة السورية على وجه التحديد، فإنه سيستبعد المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، وهكذا، مع دخول التشريع حيز التنفيذ، سيشعر النظام بضغط اقتصادي يدفعه إلى الاعتماد بشكل أكبر على تلك المناطق الشمالية.

ومن المحتمل أن يتمكن التجار المحليون من استخدام روابطهم للعمل كوسيط مع العالم الخارجي من أجل تزويد سوريا التي تسيطر عليها الحكومة باحتياجاتها من خلال تركيا والعراق، فبالنسبة لشمال وشرق سورية، حيث يستخدم معظم الناس الليرة السورية، سيحاول هؤلاء الوسطاء التجاريون وفي المقام الأول جلب المنتجات المحلية مثل النفط والقمح، وبالنسبة لشمال غرب سورية، حيث يتم استخدام الليرة التركية والدولار الأمريكي على نطاق أوسع، يحاول الوسطاء من خلال إقامة علاقات هناك الحصول على السلع المصنعة الرخيصة المستوردة من تركيا.

وسيزداد الضغط على النظام بفقدانه لبنان (الذي يعاني من أزمة مالية وسياسية حادة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019) ولذلك سيعتمد على الشمال السوري، فمنذ الستينات، سمح لبنان، وخاصة قطاعه المصرفي، لسوريا إجراء معاملاته التجارية والمالية الدولية مع تجنب العقوبات الغربية، حيث  كانت البلاد أيضاً بمثابة بوابة سوريا إلى الخارج، وبالتالي، فإن عدم قدرة لبنان على الاستمرار في لعب هذا الدور سيكون له انعكاسات كبيرة على الاقتصاد السوري.

وعلى مدار الصراع في سوريا، أصبح يسيطر على الاقتصاد طبقتان من الفاعلين الاقتصاديين، تتألف الأولى من نخب جيدة الارتباط تتحكم بحصص كبيرة في قطاعات رئيسة مثل السلع والطاقة والاتصالات، حيث كان مخلوف في السابق الشخصية المهيمنة في هذا المجال، ولكن ينافسه الآن رجال أعمال ناشئون مثل سامر الفوز والأخوين قاطرجي، الذين اكتسبوا نفوذاً خلال الصراع السوري.

وتتكون الطبقة الثانية من مجموعة واسعة من الوسطاء المحليين وأمراء الحرب وغيرهم ممن تمكنوا من الاستفادة من سيطرتهم على مناطق اقتصادية محددة من خلال احتكار أنشطة معينة، ويمكن أن يشمل ذلك السيطرة على نقاط التفتيش وطرق التهريب، فبينما تتحكم الطبقة الأولى بقطاعات كبيرة، تعمل الطبقة الثانية على مستوى محلي أكثر، وتستغل الاحتياجات الأساسية للسكان وتستفيد من الفتات الذي خلفه رجال الأعمال الكبار.

ومن المحتمل أن يدفع قانون قيصر هاتين الفئتين من الفاعلين الاقتصاديين لإقامة علاقات مع المناطق الشمالية وبالتالي العمل كوسطاء، وبعبارة أخرى، قد يساعد التشريع على جعل الاقتصاد السوري أكثر فساداً مما هو عليه  الآن، حيث تعتمد المعاملات الاقتصادية بشكل أكبر على العلاقات  الشخصية، مع القليل من الإشراف الرسمي أو بدونه.

ومع ذلك، فقد أدى سقوط مخلوف إلى صدمة أخرى للنظام، فمن المرجح أن يستنتج العديد من الحراس الاقتصاديين من سقوط مخلوف أنه إذا تمكن الأسد من إزالة ابن خاله، فيمكنه أيضاً إزالة أي منهم فيما بعد، وهذا سيزيد من حافزهم لتحقيق عوائد وأرباح سريعة، وعلى الأرجح لنقل أموالهم خارج سوريا إلى أقصى حد ممكن، لقد كشفت قضية مخلوف عن حقيقة أن نظام الأسد لا يمكن اعتباره شريكاً أو حليفاً موثوقاً به حتى لأولئك الأكثر ولاءً والأقرب إلى دوائره الداخلية.

وفي الوقت الذي تشعر فيه الأوليغارشية بعدم الأمان بشكل متزايد، ستعاني البيئة الاقتصادية السورية، مما يخلق وضعاً من الممكن أن ينفجر في أي لحظة، ويمكن أن يكون الانهيار اللاحق مدمراً بشكل لا يصدق، بينما تبحث هذه النخب بشكل متزايد عن مصالحها الخاصة، حتى على حساب تماسك النظام، قد يفقد المسؤولون في القصر الرئاسي السيطرة على قراراتهم، أي أنه يمكنهم إصدار أوامر، ولكن لن يكون من الواضح إلى أي مدى سيتم الامتثال لهذه الأوامر أو تنفيذها.

ومما يجعل الأمور أسوأ، هو التدهور الاقتصادي السريع في سوريا، فحوالي 80 بالمئة من السوريين يعيشون الآن تحت خط الفقر، مما سيجعل ​ الحاجة إلى اتخاذ قرارات متماسكة أكثر إلحاحاً، وبمعنى ما، الشعار القديم الموالي للنظام لعام 2011، "الأسد أم لا أحد" سيتحقق على أرض الواقع، حيث تواجه سوريا احتمالية أن لا يسيطر عليها  أحد.

كما أشارت إحدى الشخصيات المقربة من النظام مؤخراً، في وصفه لشكل الانهيار العام في سوريا: "سترى أن قائد المطار العسكري لن يهرب مع أسرته فقط، ولكن أيضاً مع سرب من الطائرات".

(م ش)