​​​​​​​تركيا تناور للتغلب على جمود علاقاتها الخارجية

قد تظهر الرسائل التصالحية القادمة من أنقرة مؤخراً كمحاولة لتخفيف السياسة الخارجية التركية تجاه الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، ولكن من المرجح أن تكون مجرد مناورة للتغلب على العديد من الجمود في العلاقات الخارجية التركية.

​​​​​​​تركيا تناور للتغلب على جمود علاقاتها الخارجية
الأحد 24 مايو, 2020   03:56
مركز الأخبار

نشر الكاتب التركي فهيم تاشتكين تحليلاً في موقع المونيتور الأمريكي، تطرق فيه إلى تصريحات أنقرة "التصالحية" تجاه أمريكا وأوروبا وإسرائيل، وقال فيه "الفكرة القائلة بأن المرء لا يمكنه اتباع سياسة خارجية نشطة بدون اقتصاد قوي تُثبت صحتها مرة أخرى في حالة الحزب الحاكم في تركيا؛ فمع وجود القوات التركية الآن على الخطوط الأمامية في سوريا وليبيا، وادعاء تركيا تحقيق سياسة خارجية جريئة، لكنها تفتقر إلى ما يكفي للحفاظ على طموحاتها عالية التكلفة كما يتضح من سعيها اليائس لمبادلة العملات مع دول مختلفة والتي كانت مستمرة منذ أسابيع".

وفي حين أن جائحة كورونا أدت إلى تفاقم مشاكلها الاقتصادية، تشعر أنقرة بالضغط لفتح فصول جديدة من العلاقات مع الشركاء الغربيين، في محاولة لتحويل هذا الاضطراب العالمي غير العادي إلى فرصة.

وبدأت أنقرة ترسل إيماءات للولايات المتحدة، وأكدت التزامها بعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وحسنت علاقاتها مع إسرائيل وسط تصاعد المخاطر في التنافس على الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

ولكن ليست كل تلك الخطوات لها مبررات اقتصادية أساسية، فمنذ محاولة الانقلاب المزعومة عام 2016، أصبح رجب طيب أردوغان محاطاً بشكل متزايد من قبل الأوروآسيويين الذين يدعمون انحراف أنقرة عن الغرب ويقال أنهم مؤثرون في الجيش، ويبدو أردوغان خائفاً الآن من أن هذا يمكن أن يؤدي إلى سيناريو انقلاب جديد من شأنه أن يودي به، وبالتالي، هناك سبب آخر لسعي أردوغان إلى تصحيح علاقته مع واشنطن.

وجاءت جائحة كورونا كهدية إلهية في هذا الصدد، حيث قدم الذريعة لتركيا لتأجيل تفعيل أنظمة الدفاع الجوي الروسية، والتي كان من المقرر تفعيلها في نيسان/أبريل، ويسهل التأجيل على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحفاظ على موقفه المتساهل تجاه أردوغان في مواجهة ضغوط الكونغرس من أجل العقوبات، وكما ساهمت مبادرة التضامن التركية ضد الوباء، حيث أرسلت أنقرة معدات طبية إلى واشنطن في أواخر نيسان/أبريل مع رسالة مرفقة إلى ترامب، قال أردوغان فيها "إن التطورات الإقليمية، وخاصة في سوريا وليبيا، أظهرت مدى أهمية الحفاظ على التحالف والتعاون بين تركيا والولايات المتحدة بأقوى الطرق".

وعلاوة على ذلك، تحدث وزير الدفاع التركي السابق فكري إيشيق من واشنطن في 13 أيار/مايو أن علاقات تركيا مع روسيا "ليست استراتيجية بل تكتيكية"، وهو حديث لم ينفصل بالتأكيد عن الفضاء  الحالي في أنقرة، في السابق، كان المسؤولون الحكوميون يصفون العلاقات مع روسيا بأنها "شراكة استراتيجية".

فرسائل تركيا لا تخلو من المعاملة بالمثل، حيث قال جيمس جيفري الأسبوع الماضي إنه على الرغم من المشاكل العالقة، فإن الولايات المتحدة تتعاون بشكل جيد إلى حد ما مع تركيا في معظم القضايا من ليبيا إلى الناتو إلى القوقاز ومنطقة البحر الأسود، بما في ذلك سوريا والعراق، ومن جانبه، تحدث الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ عن مساعدة حكومة الوفاق الوطني، حليف تركيا في ليبيا.

وعلى الجبهة الأوروبية، يقول أردوغان إن أزمة كورونا يجب أن تكون فرصة لإعادة تنشيط العلاقات، على الرغم من أنه كان يهدد الاتحاد الأوروبي بموجة جديدة من اللاجئين في الأيام الأولى للوباء، وقال في رسالة في 9 أيار/مايو "آمل أن يكون الاتحاد الأوروبي، الذي أظهر حتى الآن موقفاً متميزاً واستثنائياً تجاه تركيا في مختلف القضايا، قد فهمنا أننا جميعاً في نفس القارب، نحن مصممون على الوصول إلى العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي".

وفي غضون ذلك، انتشرت نسائم دافئة بين تركيا وإسرائيل، حيث أشاد الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية على تويتر في تغريدة، بالعلاقات الدبلوماسية مع تركيا "نحن فخورون بعلاقاتنا الدبلوماسية مع تركيا، نأمل أن تنمو علاقاتنا في المستقبل، كل المحبة لجميع متابعينا الأتراك".

وكذلك، غابت إسرائيل عن الموقعين على بيان مشترك في 11 أيار/مايو انتقد فيه تصرفات تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط، والتي يعتقد الكثيرون أنها علامة مؤثرة، وشملت المجموعة مصر وقبرص واليونان وفرنسا والإمارات العربية المتحدة.

وتود أنقرة أن تجذب إسرائيل إلى جانبها في التنافس على الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط لتعزيز التوازن الذي تمكنت من تحقيقه من خلال التوقيع على اتفاق ترسيم بحري مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، وكما يعتقد أنصار صفقة مماثلة مع إسرائيل أن التعاون في مجال الطاقة مع إسرائيل ممكن على الرغم من المشاكل العالقة في العلاقات الثنائية.

وتقول تركيا إن المنطقة البحرية لإسرائيل كانت ستبلغ 6000 كم2 لو وقعت اسرائيل صفقة مع تركيا وليس قبرص.

وفي 13 أيار/مايو نفت السفارة الإسرائيلية في أنقرة التقارير التي تفيد بأن إسرائيل كانت تنوي توقيع اتفاق مع تركيا بشأن تحديد المناطق البحرية، والتي تعتبر حاسمة بالنسبة لحقوق التنقيب والتطوير، وأخبر ألون ليل، الدبلوماسي الإسرائيلي المخضرم، وسائل الإعلام التركية أن مثل هذه الصفقة غير محتملة لأن شريك تركيا في ليبيا تعتبر إسرائيل عدواً، بينما اليونان وقبرص حليفتان سياسيتان لإسرائيل، ووفقاً لليل، فإن العلاقات الباردة بين أنقرة والقاهرة تقف أيضاً في طريق التطبيع التركي الإسرائيلي لأن إسرائيل تتعاون مع مصر في مجال الطاقة.

ومع ذلك، لا تزال إسرائيل منفتحة على المفاوضات بشأن خط أنابيب الغاز عبر تركيا، وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، تبادل المسؤولون الأتراك والإسرائيليون رسائل في كانون الأول/ديسمبر تعرب عن استعدادهم لاستئناف المحادثات بشأن خط أنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا.

وفي مقال نشر في 21 أيار/مايو على موقع إلكتروني تركي، قام روي جلعاد، القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية في أنقرة، بإبراز المصالح المشتركة، لصالح تطبيع العلاقات، وكتب جلعاد أن التصعيد الأخير في إدلب السورية كشف كيف يعمل وجود إيران في سوريا ضد مصلحة تركيا، مؤكداً أن المجموعات الموالية لإيران لعبت دوراً بارزاً في المعارك التي قتل فيها عشرات الجنود الأتراك.

كما دعت المعارضة التركية إلى تطبيع العلاقات مع مصر وإسرائيل لتخليص تركيا من محنتها في شرق البحر الأبيض المتوسط، ومع ذلك، فإن هناك بعض العوامل تضعف هذه الاحتمالات.

وبشكل عام، يمكن أن تحصل تركيا على مساحة للمناورة من خلال مرونة هنا ومرونة هناك بخصوص علاقاتها مع الخارج، ولكن من غير المرجح أن تؤدي مثل هذه الاستراتيجية إلى نتائج دائمة طالما أن علاقاتها لا تزال على مسار الاستقطاب.

وفي العلاقات مع واشنطن، تهدف أنقرة إلى تبريد مجموعة من الملفات، بما في ذلك S-400، والكرد السوريين وتورط بنك "بنك خلق" في مخطط للتهرب من العقوبات الإيرانية، ولكن ماذا سيحدث إذا خسر ترامب في انتخابات الرئاسة القريبة.

وعلى جبهة الاتحاد الأوروبي، فإن آمال الاعتدال تشوبها التوترات مع فرنسا، التي تطلق عليها أنقرة "راعية محور الخبث" ضد تركيا.

ودفع الميل الاستبدادي منذ عام 2013 تركيا إلى الابتعاد أكثر عن معايير الاتحاد الأوروبي بعد توقف محادثات العضوية في عام 2007، وفي مناشدته لتنشيط العلاقات، صور أردوغان تركيا كدولة قوية، دون ذكر أي شيء عن الديمقراطية والإصلاحات، كما أن ليس لأردوغان أي نية بخصوص الجهود المبذولة للتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي، بل يأمل في أن يقبل الاتحاد الأوروبي تركيا بسجلها الحالي.

لذا، هل تهدف أنقرة حقاً إلى إعادة النظر في علاقاتها أم أنها مجرد مناورة سياسية؟ يبدو الخيار الأخير أكثر احتمالاً.

(م ش)