يمكن أن يكون الجوع أكثر فتكاً من الفيروس التاجي في البلدان الفقيرة

بينما يصارع العالم الغربي تداعيات كورونا الوبائية، تحذر المؤسسات الإنسانية العالمية والخبراء من تأثيرات الفيروس على الاقتصاد العالمي وانتشار المجاعة والفقر في جميع أنحاء العالم.

يمكن أن يكون الجوع أكثر فتكاً من الفيروس التاجي في البلدان الفقيرة
الجمعة 15 مايو, 2020   08:51
مركز الأخبار

نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريراً عن تأثير كورونا غير الوبائي على الناس وقالت، يخشى مسؤولو الأمم المتحدة والخبراء من أن تبعات وباء الفيروس التاجي قد تكون أكثر تدميراً من المرض نفسه بالنسبة لأفقر دول العالم حيث يتجه الاقتصاد العالمي صوب الركود، وبدأ الملايين من الناس يفقدون وظائفهم ويزداد خطر الجوع.

في الوقت الحالي، يبدو أن وباء كورونا منتشر إلى حدّ كبير في البلدان الغنية والمتقدمة، حيث تم الإبلاغ بأن 74 % من 4.4 مليون مصاب بكورونا في جميع أنحاء العالم هي من أمريكا الشمالية وأوروبا، إلى جانب 85 % حالة من الوفيات.

ولكن في البلدان النامية، حيث تعيش الغالبية العظمى من سكان العالم، يمكن الشعور بالآثار الأكثر ضرراً على المدى الطويل، كما يقول الاقتصاديون ومسؤولو الأمم المتحدة.

وأصدرت الوكالات الدولية أرقاماً صارخة في الأسابيع الأخيرة، تسلط الضوء على مخاطر الفقر والجوع الناجمة عن تبعات تفشي كورونا، والتي ستودي بحياة 40 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وذلك بحسب توقعات الباحثين ما لم يتم اتخاذ التدابير حيال ذلك.

ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، فقد نحو 1.6 مليار من العمال غير الرسميين البالغ عددهم 2 مليار في العالم وظائفهم بالفعل، أي ما يقرب من نصف القوى العاملة العالمية.

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن فقدان الدخل للأشخاص الذين يعيشون بالفعل بالقرب من هوامش البقاء على قيد الحياة سيؤدي إلى دفع ما يصل إلى 50 مليون شخص إلى الفقر المدقع هذا العام، مما يعكس ثلاثة عقود من المكاسب في الحرب ضد الحرمان، وقالت دراسة للأمم المتحدة إن 580 مليون شخص يمكن أن يصبحوا فقراء، مما يعني أنهم يفتقرون إلى الوسائل الأساسية للمعيشة.

وحذر برنامج الغذاء العالمي من أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى 265 مليون في عام 2020، بزيادة قدرها 130 مليوناً بعد أن تم تسجيل 135 مليون شخص في عام 2019، نتيجة للتأثير الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا، وقد تم الإعلان عن هذه الأرقام بالتزامن مع إصدار التقرير العالمي بشأن الأزمات الغذائية، الذي أعده برنامج الأغذية العالمي بالتعاون مع 15 شريكاً آخر من الجهات العاملة في المجال الإنساني والإنمائي.

ويقول خبراء الغذاء إن المشكلة ليست في نقص الغذاء، حيث أثارت عمليات الإغلاق الأولية بعض مشاكل الإمداد على المدى القصير، وأدى النقص المحلي في منتجات معينة إلى دفع بعض الأسعار نحو الارتفاع، مما جعل المواد الغذائية الحيوية مثل اللحوم والفاكهة بعيدة عن متناول الناس العاطلين عن العمل.

"المشكلة الأكبر هي أن الناس لا يكسبون ما يكفي من المال لتناول الطعام، أو لتناول الطعام بشكل صحيح".

وقال كبير الاقتصاديين في برنامج الأغذية العالمي عارف حسين "هذا وضع مثير للغاية للأشخاص الذين لا يحتاجون عادةً للمساعدة، نحن نشهد هذه المشاكل، لا يوجد ما يكفي لتغطية نفقاتهم في البلدان المتقدمة، إن الأمر الأكثر إثارة للقلق في البلدان الفقيرة، حيث بدأ الناس بإنفاق 60 إلى 70 في المئة من دخلهم على الغذاء".

وفي الهند، فقد نصف القوة العاملة وظائفه بين عشية وضحاها، عندما فرضت الدولة واحدة من أكثر عمليات الإغلاق صرامة في العالم.

وقال مدير التجارة والتكامل الإقليمي في اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة ستيفن كارينجي، إن 65 في المئة من السكان في أفريقيا يعيشون في مستوطنات غير رسمية مزدحمة يصعب فرض التباعد الاجتماعي فيها، وقال في مؤتمر صحفي لمنظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي، إن هؤلاء هم الأشخاص الذين يستيقظون عادة كل صباح  ويخرجون للبحث عن المال من أجل طعامهم ".

وقال في مسح أجري مؤخراً في أفريقيا أن 85 في المئة ممن أُجبروا على البقاء في منازلهم إنهم إما لا يتناولون وجباتهم أو يأكلون أقل بسبب عمليات الإغلاق.

ويمكن أن يؤدي التخلي عن شراء الأغذية الرئيسة المهمة إلى ما يسميه المدير التنفيذي للتحالف العالمي لتحسين التغذية لورنس حداد "الجوع الخفي".

وقال إن الفقراء الجدد يستجيبون من خلال التوقف عن شراء اللحوم ومنتجات الألبان والخضروات الطازجة، مما قد يؤدي إلى مشاكل صحية أخرى، ويمكن للأطفال الذين يفتقدون إلى المغذيات المناسبة أن يكبروا وهم يعانون من صعوبات يمكن أن تعوقهم مدى الحياة.

وقال حداد: "يمكنك تحقيق النصر في الجانب الصحي الوبائي ولكن سيكون لدينا معركة خاسرة ثانية على الجانب الغذائي".

وحذر صندوق الطفولة التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع، نقلاً عن دراسة أجرتها مجلة لانسيت، إن تحويل الموارد من البرامج الصحية الموجودة لمكافحة كورونا سيودي بحياة إلى ما يصل إلى 1.2 مليون من الأطفال دون سن الخامسة على مدى الأشهر الستة المقبلة.

وحتى الآن، لم تتحقق أكثر التوقعات الرهيبة لانتشار فيروس كورونا في البلدان الفقيرة، وتمثل الهند وقارة إفريقيا ثلث سكان العالم، لكنهم أبلغوا عن ثلاثة بالمئة فقط من حالات الإصابة بفيروسات تاجية ، أي حوالي 150ألف إصابة.

ومن المرجح أن يفسر انخفاض معدلات الاختبار، انخفاض عدد الحالات ولكن مع ذلك فإن معدلات الوفيات قليلة جداً بالمقارنة مع الولايات المتحدة .

قال مسؤولون في منظمة الصحة العالمية إن العديد من البلدان النامية ونتيجة السرعة في عمليات الإغلاق على عكس الدول الغربية ساعد على تجنب العواصف التي شهدتها أوروبا والولايات المتحدة.

ويقول خبراء إن العامل المحتمل الآخر هو أن غالبية السكان  في العالم النامي هم من الفئة الشابة على عكس الدول الغربية،  وقالت ماتشيديسو مويتي المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا في مؤتمر صحفي، إن المؤشرات حتى الآن تشير إلى أن معدلات انتقال العدوى أقل في الدول الأفقر والأصغر سناً.

وقالت أستاذة الاقتصاد بجامعة نوفا في لشبونة كاتيا باتيست، إن متوسط ​​العمر في كثير من الدول النامية أصغر بعشرين عاماً مما هو عليه في الغرب "لذلك ربما تكون عواقب هذا الوباء مختلفة".

وقال كاتيا باتيست: "ربما لا تكون عمليات الإغلاق هي الاستراتيجية الصحيحة للتعامل مع الوباء في هذه البلدان، قد لا يكون نسخ استراتيجية الدول الغربية هو الطريق الصحيح".

وقالت ماتشيديسو مويتي "على الرغم من أنه من المحتمل ألا ينتشر فيروس كورونا بشكل كبير في أفريقيا كما هو الحال في أي مكان آخر في العالم، فمن المرجح أن يتصاعد في نقاط الاتصال الساخنة، يمكن أن يصبح لاعباً أساسياً في حياتنا خلال السنوات العديدة القادمة، ما لم يتم اتباع نهج استباقي من قبل العديد من الحكومات في المنطقة”، بحسب وصفه، مضيفاً "نحن بحاجة إلى الاختبار والتتبع والعزل والمعالجة".

وقال حداد إنه حتى إذا اتضح أن الفيروس التاجي أقل فتكاً في البلدان الفقيرة ، فقد يكون قد فات الأوان بالفعل لتجنب زيادة هائلة في الجوع العالمي.

يعيش العديد من الأشخاص الأكثر تعرضاً للتهديد بسبب نقص الغذاء في بلدان تعاني من أزمات مثل سوريا وجنوب السودان واليمن، حيث ترك الصراع والنزوح بالفعل عشرات الملايين يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الغذائية من أجل البقاء على قيد الحياة.

ويقول برنامج الأغذية العالمي إن هذا الوباء قد يجعل عشرات البلدان الأخرى عرضة للجوع ما لم يتقدم العالم للمساعدة. وستسعى الوكالة للحصول على تبرعات تقدر بنحو 12 مليار دولار لشراء الغذاء، وهو ما يقرب من ضعف المبلغ المطلوب من الجهات المانحة في عام 2019.

وقال حداد "عندما تم فرض الإغلاق، كنا نعرف ما سيحدث للأغذية والدخل، لكننا لم نضع أي شيء للتخفيف من الفشل، هذه هي المأساة الكبرى".

(م ش)