الرئيس المنتصر والسيادة المهزومة

الرئيس المنتصر والسيادة المهزومة
الأربعاء 13 مايو, 2020   23:57
بهاء العوام

ما يحدث في محافظة السويداء منذ أشهر، مثال حيّ على سطوة الميليشيات في سوريا الأسد، لا صوت يعلو فوق صوت هؤلاء إلا السيد الروسي أو الإيراني الذي صنعهم كي يقمعوا تمرد المناطق على "سيادة الرئيس"، ومقابل هذه الخدمة الجليلة للمحتلين، أطلقت يدهم ليفعلوا ما يحلو لهم، ويمارسون الاستبداد على السكان في المساحات الجغرافية التي يهيمنون عليها.

لقد أصبحت هذه الميليشيات بمثابة دول داخل الدولة، جميعها تتحدث باسم السيادة الوطنية، وتعدّ نفسها مُخلّصة البلاد من الإرهاب، ولكن الحقيقة هي أنه لا يوجد من بين الميليشيات من يدين بالولاء للجيش أو الحكومة، إلا بقدر ما يحصل منهما على السلاح، وإن كان التسليح يأتي من روسيا أو إيران فلهما الكلمة العليا فيما يفعل ويكسب زعيم الميليشيا وبطانته.

الميليشيات تضبط إيقاع الحياة العامة في مدن ومحافظات الرئيس المنتصر، تطبق قانونها الخاص، وتمارس كل أشكال الإرهاب على السكان بحجة أنها تعين الدولة على نشر الأمن واستئصال الإرهاب، ومع مرور الوقت تأخذ شريعة الغاب محل الدستور، وتصبح قوة السلاح هي معيار الحكم والتقييم. ما كان في الأمس جرائم وتجاوزات، بات اليوم لغة للحوار ومصدراً للعيش.

الخطف والاغتصاب والتشليح والتهريب والقتل والسرقة كلها باتت مظاهر عادية للحياة اليومية في مناطق سيادة الرئيس. من يقع عليه ظلم لا يسعه إلا أن يطلب العوض من الله، ويدعو لإنصافه في الحياة الآخرة، أما العدل والعدالة في الحياة الدنيا، فهذه آمال لن ينالها أحد إلا عبر سبيلين يتيمين، إما أن يأخذ حقه بيده، وإما أن يكون محمياً بميليشيا فلان أو علان.

لا يهم القادة "الأسود" كل هذا طالما أنهم لا زالوا يطلون من شرفات قصورهم، لا يهمهم كيف غدا حال البلاد من أجل هذه الإطلالة التي لن يفتقد السوريون غيابها إذا ما وقعت غداً، ليس فقط لأنها كلفت البلاد موتاً وخراباً مهولين، وإنما لأن طاغية القصور بات مجرد رقم من بين الطغاة الذين يحكمونهم، ولا نبالغ بالقول إنه بات الأضعف ولكنه الأكثر حضوراً في الإعلام.

انتصر "الرئيس" وهزمت الدولة، انتصر بشار الأسد وهزمت السيادة السورية على كامل التراب، هكذا يمكن تلخيص ما انتهت إليه البلاد بعد أكثر من تسع سنوات من الحرب، خمسة محتلين يتقاسمون الأرض السورية، وعشرات الميليشيات التي تدير مناطق هؤلاء المحتلين، جل ما يخشاه هؤلاء جميعاً اليوم ليس هجوماً من الجيش السوري لتقليم أظافرهم، أو قرارات من الحكومة للحد من نفوذهم، أو غضباً من "الرئيس" الذي استدعى وجودهم، وإنما فقط يخشون انتهاء أمد الأزمة التي تبقيهم جميعاً يتحكمون بمصير السوريين وحياتهم.

الدولة الهشة والسيادة المهزومة هي ما انتهى إليه الحال بعد كل هذه السنوات، يدرك الأسد ذلك أكثر من أي شخص آخر. يعرف أن استعادة السيطرة على البلاد هي حلم لن يتحقق طالما بقي هو على الكرسي، فالمناطق التي أعادها الروس والإيرانيون له تحولت إلى حقول ألغام لجيشه وقواته الأمنية. يخشون حتى المرور في حاراتها، فيخطفوا أو يقتلوا ثأراً أو تمرداً بلغة حرب الشوارع، أما المناطق التي لم تنقلب على الأسد علناً، فقد سقط فيها سراً منذ سنوات.

يظن بشار الأسد أن السيادة المهزومة يمكن أن تسترد عافيتها مع سيطرته على كامل الأراضي السورية، لن يحدث هذا لقائمة طويلة من الأسباب، على رأسها أن الأسد بات رئيساً بالوكالة، رئيس مكلف من الروس والإيرانيين بوضع الأختام على القرارات التي يتخذونها في إدارة شؤون السوريين في الداخل والخارج، ومن ثم يخرج ليبارك هذه القرارات بعد أن يُعلن عنها في موسكو وطهران.

لم يتبق للأسد في سوريا اليوم سوى قصوره التي يعيش فيها تحت حماية الروس قبل الإيرانيين، قلة فقط يعرفون ماذا يدور داخل تلك القصور، ولكن رائحة السيادة المتعفنة باتت تفوح منها وتزكم الأنوف على بعد ملايين الكيلومترات، لعله يكون خريف البطريرك الذي انتظره السوريون منذ نحو عقد من الزمن.

ANHA