​​​​​​​التاريخ لا يخفي شيئاً.. لا سيما الواقع المليء بالدم والطغيان

صفحات التاريخ العثمانيين القدماء والعثمانيين الجدد مليئة بالدم، فهم وصلوا إلى الحكم عبر سفك دماء كل الذين انتفضوا ضد سياساتهم القمعية والتعسفية، فبحجة الدين قتلوا الأرمن، وبحجة التمرد قتلوا النخبة العربية، وبحجة القومية يقتلون الكرد.

​​​​​​​التاريخ لا يخفي شيئاً.. لا سيما الواقع المليء بالدم والطغيان
الثلاثاء 5 مايو, 2020   03:28
مركز الأخبار- أكرم بركات  

يصادف يوم 6 أيار من كل عام عيد الشهداء في كل من سوريا ولبنان، وسبب اختيار التاريخ هي أحكام الإعدام التي نفذتها السلطات العثمانية بحق عدد من الوطنيين السوريين في كل من بيروت ودمشق إبان الحرب العالمية الأولى ما بين فترة 21 أب 1915 وأوائل 1917، وتم اختيار يوم 6 أيار، لأن عدد الشهداء الذين أُعدموا فيه هو الأكبر عدداً والمحطة الأهم.

كيف بدأت سلسلة الإعدامات

سلسلة الإعدامات بحق النخبة السوريين واللبنانيين أو ما تعرف بقصة (مشانق الحرية) بدأت بعد تعطيل الدستور زمن السلطان عبد الحميد الثاني عام 1876، حيث طالب العرب والترك في تلك الفترة بإعادة العمل بها، وكان لجمعية الاتحاد والترقي دور كبير في الرضوخ لهذا المطلب عام 1908، مما أدى إلى زيادة نفوذ الجمعية التي أطاحت بالسلطان عبد الحميد الثاني عقب ما عرفت بثورة (تركيا الفتاة) التي كان أحد زعمائها أحمد جمال باشا والذي عُرف بالسفاح فيما بعد.

وأحمد جمال باشا كان والي بغداد وأحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي (الباشاوات الثلاثة) الذي شارك في ثورة (تركيا الفتاة) عام 1908، التي أطاحت بحكم السلطان عبد الحميد الثاني، ثم شارك في الانقلاب العسكري العثماني 1913، ليشغل بعدها منصب وزير الأشغال العامة عام 1913، ثم وزيراً للبحرية عام 1914، وتولى في الحرب العالمية الأولى منصب قيادة الجيش الرابع العثماني، وفي عام 1915 عُين حاكماً على سوريا وبلاد الشام وفرض سلطانه على بلاد الشام وأصبح الحاكم المطلق فيها.

بعد تولي جمعية الاتحاد والترقي زمام الأمور عام 1909 قامت بحل كافة الجمعيات غير التركية، مما ولّد سخطاً شعبياً بين القوميات الأخرى، وعلى رأسهم العرب الذين عقدوا مؤتمر باريس للمطالبة بالإصلاح، وبعدها بدأت سلسلة الإعدامات الميدانية بحق القادة والثوار العرب، وكان أولهم ذوقان الأطرش والد سلطان باشا الأطرش، برفقة 4 آخرين وهم يحيى وهزاع عز الدين ومحمد القلعاني وحمد المغوش لتصديهم للسياسات العثمانية الاستبدادية عام 1911.

بعدها نُشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914؛ ودخلت تركيا الحرب مع ألمانيا، واتُهم بعض المثقفين والقادة العرب بالتعاون مع بريطانية وفرنسا المناوئتين لتركيا في الحرب، هذه الاتهامات شكلت أرضية لعمليات القمع التركية بحق القادة والثوريين، وازدادت حدّة القتل والإرهاب، وبدأت سلسلة إعدامات بحق كل من كان يُشك به، وبشكل خاصة النخبة المثقفة ووجهاء العشائر والساسة، أمثال خوري يوس الحويك، ونخلى المطران والشقيقان أنطوان وتوفيق زريق، ويوسف سعيد بيضون وعبد الله الظاهر، ويوسف الهاني الذين أُعدموا في 1915.

فبعد إقحام الأتراك أنفسهم في الحرب العالمية الأولى شهدت بلاد الشام (سوريا ولبنان) تغييرا جذريا، حيث ألغى الأتراك الحقوق التي منحوها في وقت سابق لمناطق لبنان، وعينوا في العام 1915 وزير البحرية جمال باشا والملقب بالجزار حاكما على بلاد الشام، ومنحوه سلطات مطلقة ليصبح بذلك الحاكم المطلق في هذه المنطقة.

مقتل 200 ألف لبناني جوعا

وباستلام جمال باشا زمام الأمور فرض حصارا على السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، لقطع إمدادات البريطانيين، فمنع الغذاء عن اللبنانيين وصادر محاصيلهم القليلة وتسبب في مجاعة أودت بحياة ما لا يقل عن 200 ألف لبناني، وبعدها قام بسلسلة إعدامات في يوم 20 آب 1915، وكانت بيروت شاهدة على أولى عمليات الإعدام، حيث عمد عساكر العثمانيين إلى تجميع الأهالي في ساحةٍ نُصبت فيها المشانق، وأعدموا عددا من القوميين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، أمثال عبد الكريم الخليل ومحمد ومحمود المحمصاني، ونور الدين القاضي، وسليم أحمد عبد الهادي، ومحمد مسلم عابدين، وفي يوم 5 نيسان 1916، تم تنفيذ حكم الإعدام شنقا في حق يوسف الهاني أحد مشاهير الموازنة في لبنان.

وفي يوم 6 أيار 1916، شهدت كل من دمشق وبيروت يوما داميا، حيث شهدت ساحة المرجة في دمشق التي تحولت لاحقا إلى ساحة الشهداء إعدام 7 من كبار المثقفين والقوميين العرب، كان من ضمنهم الأمير عمر الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، والكاتب رشدي الشمعة، والشاعر والأديب شفيق بك مؤيد العظم، والشاعر رفيق رزق سلوم والمفكر والصحافي عبد الحميد الزهراوي.

أما بيروت فقد تم إعدام 14 من النخبة المثقفة في ساحة البرج، التي سميت لاحقا أيضا بساحة الشهداء، وقد تضمنت القائمة كلا من الكاتب والصحافي عبد الغني العريسي، والمفكر سليم الجزائري، والمؤلف والشاعر عمر حمد، والشاعر والصحافي جورج حداد، وبترو باولي، سعيد فاضل عقل، والشيخ أحمد طبارة إمام جامع النوفرة في بيروت، وعمر حمد، ومحمد الشنطي اليافي، توفيق البساط، سيف الدين الخطيب، علي بن عمر النشاشيبي، محمود جلال البخاري، وأمين لطفي الحافظ، نور الدين القاضي.

عملية الإعدام تمت بتهمة: "التعاون مع العدو، ضد الدولة العثمانية"، ولم تتوقف عمليات الإعدام التي قادها جمال السفاح عند هذا الحد، فقد واصل هذه السياسة الدامية لإجهاض الحركة القومية العربية في كل من سوريا ولبنان، واقتاد المزيد من المثقفين نحو حبل المشنقة، أمثال محمد الملحم، شيخ عشيرة الحسنة الذي أُعدم في دمشق في أوائل سنة 1917م، وفجر المحمود، من عشيرة الموالي، أُعدم في دمشق أوائل سنة 1917م، وشاهر بن رحيل العلي، ابن الشيخ رحيل بن العلي السليمان شيخ عشيرة التركي، أُعدم في دمشق على أثر إعلان الثورة العربية الكبرى.

1.5 مليون أرمني ضحية المجازر التركية

وارتكب العثمانيون إبادة جماعية بحق الأرمن، وبحسب الإحصائيات راح ضحيتها أكثر من 1.5 مليون أرمني خلال الفترة الواقعة بين 1915 – 1917، وقد اعترف بتلك المجزر قرابة 30 دولة من بينها فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولتوانيا وبلغاريا وهولندا وسويسرا واليونان والأرجنتين وأوروغواي وروسيا وسلوفاكيا والنمسا.

وبعد إعلان الجمهورية التركية واصل حكام تركيا عمليات القتل بحق القوميات والحركات الثورية التي انتفضت ضد السياسات التركية، ومنها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 التي خرجت ضد سياسة التتريك والتعسف التي انتهجتها حكومات مصطفى كمال أتاتورك المتعاقبة بحق المكونات، وبلغ عدد المنتفضين حوالي 600 ألف، ساندهم خلالها حوالي 100 ألف من الشركس والعرب والأرمن والآشوريين، إلا أن الثورة لم تتكلل بالنجاح وتم أسر الشيخ سعيد مع عدد من قادة الانتفاضة، وصدر حكم الإعدام بحقه مع 47 من قادة الثورة. نُفّذ حكم الإعدام فيهم في 30 أيار 1925.

وبعد ثورة الشيخ سعيد، باشر الجيش التركي بتدمير 900 بيت وحرق وإزالة 210 قرية، وأقدم على قتل أكثر من 15 ألفاً، ونهب ممتلكات وثروات كل من وصلت إليهم أيدي الجنود الأتراك، وتم تهجير مئات الآلاف من الكرد والعرب والآشوريين إلى سوريا.

وفي سبعينيات القرن الماضي ظهرت عدّة حركات وأحزاب يسارية في تركيا، ففي عام 1970 قام ماهر جايان بتأسيس الحزب الجبهوي لإنقاذ الشعب في تركيا مع مكون من العمال والفلاحين والطلبة، بشكل سري إلا أن الاستخبارات التركية في تلك الحقبة لاحقوا ماهر ورفاقه، وتمت محاصرتهم في 30 آذار عام 1972، وفقد حياته برفقة البعض من رفاقه بعد معركة طويلة استمرت ساعات.

قتل الثوريين

كما أعدمت السلطات التركية دينيز غزمش هو واحد من مؤسسي جيش التحرير الشعبي التركي الذي عارض الحكومة في فترة الستينيات، حيث أُلقي القبض عليه عام 1971 وتم إعدامه في يوم 6 أيار 1972.

وحاولت السلطات التركية المتعاقبة القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ظهر أواخر السبعينيات، واعتقلت عدداً من كوادره المتقدمين أمثال كمال بير وخيري دورموش ومظلوم دوغان وعلي جيجك، الذي أبدوا مقاومة بطولية في وجه آلة القمع التركية في سجن آمد واستُشهد البعض منهم إثر الإضراب عن الطعام، والبعض الآخر أضرموا النار بأجسادهم كمظلوم دوغان، إلا أن السلطات التركية واصلت قمعها بحق أبناء الشعب الكردي الذي آمنوا بفكر ومبادئ الحزب، لذا بدأت بسياساتها القذرة من حملات الاعتقال والقتل في إطار فاعل مجهول، وفي بداية التسعينيات أقدمت على حرق أكثر من 5 آلاف قرية في باكور كردستان، وقتل المئات وتهجير الآلاف منهم إلى باشور كردستان، حيث يقطنون الآن في مخيم الشهيد رستم جودي (مخيم مخمور) ولا زال قاطنو المخيم يعانون من شوفينية السلطات التركية التي تقصف المخيم بشكل مستمر.

مجازر العثمانيين لم تتوقف حتى بعد إعلان الجمهورية التركية في 1923، فقد واصل القائمون على الدولة التركية سلسلة مجازرهم بحق شعوب المنطقة دون كلل أو ملل، إلى يومنا هذا.

ما نستنتجه إن الدولة التركية الحالية أسست نفسها على أسس إبادة الشعوب، و سلب حقوق المكونات، والآن تتدخل في شؤون معظم دول الشرق الأوسط، حيث تدخلت في سوريا بحجة مناصرة الثورة السورية التي تحولت إلى ساحة للجماعات المتطرفة والمرتزقة بدعم مباشر من تركيا، واحتلت إثر ذلك مساحة شاسعة من الأراضي السورية إدلب والباب وعفرين وسريه كانيه وكري سبي، وكانت سبباً في مقتل الآلاف من السوريين وتهجير الملايين.

وتدخلت في الشأن أواخر الليبي أواخر 2019وارسلت مجموعة من مرتزقتها هناك وكشف مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني الليبي العميد خالد المحجوب في 24 نيسان، أن عدد المرتزقة السوريين الذين جندهم أردوغان في ليبيا يبلغ نحو 6000 مرتزق، وقُتل منهم خلال الفترة الماضية أكثر من 215 مرتزق، وتم أسر نحو 30 مرتزق، وهناك أكثر من 350 جريح. وتدخلت في العراق بحجة داعش يوجد الآن أكثر من قاعدة تركية في العراق وبشكل خاص في مناطق باشور كردستان التي تتعرض بشكل يومي لقصف تركي. ومن بين أكبر القواعد تلك التي تقع في منطقة كوني ماسي بمحافظة دهوك، وهي معسكر هجومي ويضم حوالي 1500 عنصر من القوات التركية المدرعة.

إن ما تم ذكره ليست إلا مجرد نقاط في بحر الجرائم التي ارتكبها العثمانيون بحق الكرد والعرب والسريان والأرمن والشركس في الفترة ما بين عام 1908 و2020.

(م)

ANHA