​​​​​​​الفورين بوليسي: ترامب وبوتين يقفان ضد جهود وقف إطلاق نار شامل في العالم

قالت مجلة الفورين بوليسي إن الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا هما الدولتان اللتان تمنعان صدور قرار من مجلس الأمن يقضي بوقف إطلاق نار شامل في كافة المناطق التي تشهد نزاعات في العالم.

​​​​​​​الفورين بوليسي: ترامب وبوتين يقفان ضد جهود وقف إطلاق نار شامل في العالم
الإثنين 20 نيسان, 2020   07:26
مركز الأخبار

نشر الصحفي كولوم لينش، مقالاً في مجلة الفورين بوليسي الأمريكية، تحدث فيها عن  تداعيات تفشي وباء كورونا حول العالم، حيث طرحت الأمم المتحدة ولمحاصرة هذا الوباء، فكرة وقف عام لإطلاق النار في كافة الدول التي تشهد صراعات مسلحة، بهدف تمكين حكومات هذه الدول من مكافحة هذا الفيروس بشكل أكثر فعالية، إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بوجهات نظر مغايرة من جانب دول كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.

طوال عدة أسابيع، وبمعزل عن وسائل الإعلام، عارض كلا البلدين، وفقاً لمصادر دبلوماسية رفيعة، جهود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، وحلفاء أوروبيين رئيسيين، الهادفة إلى تحفيز جميع الدول والجماعات المسلحة المنخرطة في صراعات وحروب، على الإيقاف الشامل وغير المشروط لإطلاق النار، ومن ثم تكريس كافة القدرات المالية واللوجستية، من أجل مكافحة انتشار هذه الجائحة.

واشنطن وموسكو من جهتهما، أكدتا لنظرائهما في أوروبا، عدم اعتراضهما من حيث المبدأ على وقف إطلاق النار في مناطق النزاعات المسلحة، من ليبيا إلى سوريا واليمن. لكنهما تخشيان من أن وقف إطلاق النار الشامل، الذي اقترحه الأمين العام للأمم المتحدة، من المحتمل أن يحد من خططهما وجهودهما، التي تستهدف تصعيد عملياتهما تحت مسمى "مكافحة الإرهاب" حول العالم، كما أن الولايات المتحدة تخشى أيضاً، أن تحد قرارات مثل هذه، من قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات قتالية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وتلعب الحكومة الفرنسية دورًا متقدمًا في دعم وجهة نظر الأمم المتحدة، فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء الماضي، عن إحراز تقدم ملموس في المفاوضات مع قادة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بشأن إصدار وإقرار أول قرار للمجلس يتعلق بجائحة كورونا، ومن المتوقع أن يدعم هذا القرار، وقف إطلاق النار المحدود، المفروض في مناطق النزاع العسكري بالشرق الأوسط، والذي يراقبه مجلس الأمن المكون من 15 دولة، لكن لن يؤدي هذا القرار إلى دفع دول المجلس، إلى تأييد مناشدات الأمين العام للأمم المتحدة، لفرض وقف دولي شامل لإطلاق النار، وسيشمل إعفاء هذه الدول من الالتزام بوقف إطلاق النار المحدود، في الحالات التي تقتضي شن عمليات عسكرية، ضد الأفراد والجماعات التي تصنفها الأمم المتحدة ككيانات إرهابية.

وأكد الرئيس الفرنسي ماكرون، إنه مازال يحاول تأمين الدعم لهذا القرار من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يعتقد إلى حد كبير أنه سيوافق، وأضاف في مقابلة مع راديو فرنسا الدولي “أكد لي الرئيس الصيني شي جين بينغ أنه موافق على هذا القرار، وكذلك الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء البريطاني جونسون”.

ويأمل ماكرون أن يتم الإعلان عن اتفاق نهائي، حول الإجراءات التنفيذية الخاصة بهذا القرار وبوقف إطلاق النار، خلال قمة افتراضية بين قادة الدول الخمس المتمتعة بحق النقض في مجلس الأمن، وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وتراجع الولايات المتحدة عن موقفها المبدئي من مسألة وقف إطلاق النار الشامل عالميًا، ينبع بشكل أساسي من التركيز المتزايد من جانب إدارة ترامب خلال الشهور الأخيرة، على تنفيذ عمليات خاصة لمكافحة الإرهاب خارج الحدود، تشمل تنفيذ عمليات استباقية، واغتيالات لقادة في داعش وقيادات عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجعل هذه العمليات، مهددة بالتوقف بشكل تام إذا ما وافقت الولايات المتحدة، على الوقف الدولي الشامل لإطلاق النار.

وفي هذا الصدد، صرح أحد المسؤولين الكبار السابقين في إدارة ترامب، لمجلة فورين بوليسي، في إشارة إلى التفويض باستخدام القوة العسكرية ضد الإرهابيين، الذي منحه الكونجرس للحكومة الأمريكية، عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قائلاً "لا يمكن أن توافق الولايات المتحدة على وقف دولي شامل لإطلاق النار، وفي نفس الوقت يظل التفويض القانوني الذي يسمح للحكومة الأمريكية بتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب في الخارج قائماً، في الواقع سيكون القرار الأممي معاكساً تماماً لمضمون هذا التفويض، وبالتالي قد يعارض البنتاجون ضغوط الأمم المتحدة على الولايات المتحدة، للموافقة على الوقف الدولي الشامل لإطلاق النار".

عدد من الخبراء الاستراتيجيين، يتفقون مع وجهة النظر الأمريكية، ويرون أن الموافقة على وقف إطلاق النار، ستحد من قدرة إدارة ترامب على ملاحقة واستهداف شخصيات عسكرية إيرانية رفيعة، خاصة وأن الولايات المتحدة صعدت خلال الشهور الأخيرة، من نشاطها في هذا الصدد، وآخر هذه العمليات كانت في كانون الثاني/يناير الماضي، حين قصفت طائرة أمريكية بدون طيار، قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، في مطار بغداد الدولي.

وحازت مبادرة الأمين العام على دعم دولي كبير وتحصلت على تأييد عشرات الحكومات والمنظمات الإقليمية الرئيسية والزعماء السياسيين والدينيين حول العالم، بما في ذلك بابا الفاتيكان، بل وأدت هذه المبادرة إلى دفع الأطراف المتحاربة في بعض مناطق النزاعات المسلحة، إلى الدخول في سلسلة من ترتيبات وقف إطلاق النار غير الشامل.

بالإضافة إلى ذلك، تم في الثاني من الشهر الجاري، تأييد مبادرة الأمين العام، من تحالف مكون من 193 مؤسسة، تتنوع بين الجمعيات الخيرية والمنظمات الحقوقية والجماعات الدينية، وحثت الأمين العام على استخدام نفوذه لإقناع مجلس الأمن بأن يحذو حذوه، وقد أصدر هذا التحالف رسالة مشتركة، قال فيها “نحن قلقون من عدم اتخاذ مجلس الأمن الدولي إجراءات فعلية في هذا الصدد حتى الآن، ونعتقد أن سيادة العالم في وضع أفضل لقيادة الجهود التي تستهدف توحيد أراء أعضاء مجلس الأمن في هذا الملف، ومساعدتهم في التغلب على الخلافات ومحاولات التملص من الالتزامات، بما في ذلك استخدام مكافحة الإرهاب كحجة تبرر عدم الموافقة على وقف دولي شامل لإطلاق النار”.

الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي تمتلك حق النقض، اتسمت مواقفها من مسألة وقف إطلاق النار الشامل، بالكثير من التناقضات، على سبيل المثال، دعمت بكين توجه بعض أعضاء المجلس لإقرار وقف دولي محدود لإطلاق النار، لكنها في نفس الوقت أصدرت بياناً غير رسمي تم توزيعه على الدول الأعضاء بالمجلس، رحبت فيه بمبادرة الأمين العام، حول وقف دولي شامل لإطلاق النار، وكان نص البيان يقول "إن الصين تدعم بقوة دور الأمين العام في مكافحة جائحة كورونا، وتولي أهمية كبيرة لندائه من أجل وقف إطلاق نار دولي شامل، وتدعو الصين كافة الأطراف إلى دعم هذه المبادرة والعمل على إقرارها، من أجل كسب الوقت، والتفرغ لعمليات المكافحة والاحتواء والعزل، وفتح مساحات للتعاون بين الدول، وتهيئة الظروف من أجل البدء في تطبيق حلول سياسية للصراعات حول العالم".

أما الولايات المتحدة، فقد تحدثت كيلي نايت كرافت، مندوبة الولايات المتحدة الدائمة في الأمم المتحدة، بحرارة خلال مقابلة تلفزيونية، عن مبادرة غوتيريس إلى وقف إطلاق نار عالمي، مشيرة إلى ذلك يعدّ دليلاً واضحاً، على أن الأمم المتحدة كانت نشطة منذ شهور في محاولة تجنب تأثيرات تفشي جائحة كورونا، وقالت إنها تأمل بحلول نهاية الأسبوع أو أوائل الأسبوع المقبل، أن تكون قد انتهت المفاوضات حول مشروع القرار الذي صاغته فرنسا، والذي يدعو إلى وقف القتال في كافة مواطن النزاع المسلح، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، قال في تصريح صحفي "الولايات المتحدة تدعم دعوة الأمين العام إلى وقف عالمي لإطلاق النار، لكنها ستواصل جهودها في مكافحة الإرهاب".

وراء الستار، ساهم المفاوضون الأمريكيون في تأخير الاتفاق على مشروع القرار الفرنسي وقرار وقف إطلاق النار الدولي الشامل، فقد رفضت الولايات المتحدة الانضمام إلى قائمة تضم أكثر من 70 دولة، بما في ذلك حلفاء مقربون لها، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أعلنوا تأييدهم لمبادرة الأمين العام للأمم المتحدة، حول الوقف الشامل لإطلاق النار.

بالإضافة إلى ذلك، أصرت الولايات المتحدة في البداية، على ضرورة أن يتضمن نص مشروع القرار الفرنسي، إشارة واضحة إلى أن جائحة كورونا مصدرها الأول هو الصين، وأن يتم وصفها باسم (فيروس ووهان)، وهو ما سيجبر الصين على استخدام حق الفيتو، في حالة تم طرح القرار للتصويت عليه بهذه الصيغة، وقد أقنع الفرنسيون الأمريكيين بعدم الاستمرار في إصرارهم هذا، لكن الولايات المتحدة رفضت إبداء تأييد صريح لمبادرة الأمين العام للأمم المتحدة، مما دعا باريس إلى تعديل مشروع القرار الخاص بها، ليصبح داعياً لوقف محدود لإطلاق النار.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أثارت الولايات المتحدة اعتراضات جديدة على بند في القرار الفرنسي، ينص على دعم جهود منظمة الصحة العالمية لمكافحة تفشي جائحة كورونا، وقد جاء هذا الموقف عقب قرار الرئيس الأمريكي، بإيقاف تمويل بلاده لهذه المنظمة، على خلفية مزاعم بتحيزها للصين، في غضون ذلك، دعت الصين وروسيا، دول العالم إلى تقديم المزيد من الدعم إلى منظمة الصحة العالمية، لمساندتها في جهودها لمكافحة الجائحة، ومازال هذا الملف حتى الآن يشوبه توتر متصاعد.

وعلى الرغم من المعارضة الأمريكية الواضحة، لكل من مشروع القرار الفرنسي، ومبادرة الأمين العام للأمم المتحدة، إلا أن تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، أوحت بأن روسيا هي الدولة الوحيدة، التي تعارض فرض وقف دولي شامل لإطلاق النار، بحجة أنها تحتاج إلى هامش حرية، يؤمن لها مرونة في تنفيذها لعمليات مكافحة الإرهاب في سوريا وأماكن أخرى.

وزارة الخارجية الروسية، أصدرت بياناً في هذا الصدد، قالت فيه "نحن نؤيد البيان الذي أدلى به الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أواخر الشهر الماضي، ونحن نحث جميع الأطراف المنخرطة في النزاعات المسلحة الإقليمية، على وقف الأعمال العدائية على الفور، وإيقاف إطلاق النار، وفرض هدنة إنسانية".

لكنها أضافت "نحن قلقون للغاية بشأن الوضع في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية، والتي لا تمتلك مقومات الدول ولا ترغب في الحفاظ على صحة وحياة السكان المدنيين، وقد تصبح هذه المناطق أكثر عرضة لتفشي جائحة كورونا، لذا نحن نرى وجوب استمرار كافة إجراءات مكافحة الإرهاب".

(م ش/ح)