الأسد بتصريحاته يناقض نفسه

بالنظر إلى تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد, اليوم والأمس القريب, نلاحظ  جملة من التناقضات توحي بأمرين, الأول: إما أنه غير قادر على فهم السياسة, والثاني, أنه يُساق من قبل الغير.

الأسد بتصريحاته يناقض نفسه
الأحد 8 آذار, 2020   05:04
قامشلو- أكرم بركات

لم يعد خفياً على أحد أن رأس الحكومة السوري "الأسد" وفي كل إطلالة له عبر وسائل الإعلام يحاول تزييف الحقائق وتشويهها, ومرة أخرى يطل الأسد بنفس الطريقة لكن هذه المرة لم يشوّه الحقائق فقط بل تمادى إلى أن بدأ بتشويه التاريخ وتزويره, بشكل يدعو إلى السخرية.

 فأكثر ما لفت الانتباه في تصريحه الأخير, هو تلك الالتفاتة الحادة إلى ما يتعلق بالقضية الكردية والكرد في سوريا، ففي حين كان يقول بأن الكرد هم من السكان الأصليون ضمن سوريا، وجزء من النسيج السوري، وبدونهم لا يمكن بناء سوريا متجانسة، يعود ليقول هذه المرة، مناقضاً نفسه, بأن الكرد قدِموا خلال القرن الماضي بسبب القمع التركي، وبأنهم استضافوا الكرد في سورية!؟.

وفي تصريح لرئيس الحكومة السوري بشار الأسد لقناة (روسيا 24) في الخامس من آذار/مارس الجاري، حيث قال "لا يوجد شيء عنوانه "القضية الكردية" في سوريا، الكرد قدِموا من تركيا إلى سوريا في القرن الماضي"، وبالعودة إلى تصريحات الأسد السابقة نلاحظ بأنه يناقض نفسه بنفسه.

من دون الكرد لا يمكن بناء سوريا متجانسة

في تصريح سابق لـ الأسد لقناة RT الروسية، بتاريخ 15 تشرين الأول 2015 أكد بأن الكرد هم جزء من النسيج السوري، وقال: "هم ليسوا غرباء، يعيشون في سوريا كالعربي والشركسي والأرمني والكثير من الطوائف التي تعيش في سوريا منذ قرون طويلة"، وأكد بالقول أيضاً: "من دون هذه المكونات لا يمكن بناء سوريا متجانسة".

أما في اللقاء الأخير في الخامس من آذار الذي أجرته قناة (روسيا 24)، كذب نفسه بنفسه، حين قال: "بالنسبة لما يسمونه أحياناً “القضية الكردية”، لا يوجد شيء اسمه القضية الكردية في سورية، لسببٍ بسيط.. هناك أكراد يعيشون في سورية تاريخياً، ولكن تلك المجموعات التي قدمت إلى الشمال أتت خلال القرن الماضي فقط بسبب القمع التركي لها، واستضفناها في سورية، وأتى الأكراد والأرمن ومجموعات مختلفة إلى سورية.. ولم تكن هناك مشكلة، لا توجد مشكلة سورية – أرمنية مثلاً، وهناك تنوع كبير في سوريا.. لا توجد لدينا مشكلة معهم، فلماذا تكون المشكلة مع الأكراد؟! المشكلة هي مع المجموعات التي بدأت تطرح طروحات انفصالية منذ عدة عقود، فعندما قامت الدولة التركية في مراحل مختلفة بقمع وقتل الأكراد في تركيا، نحن وقفنا معهم، لم نقف ضد قضيتهم إذا كانوا يسمونها قضية".

ونسي أو تناسى الأسد بأن الكرد هم ثاني مكون في سوريا، وبأن يوسف العظمة كان وزيراً للحربية في عهد المملكة السورية التي حكمت ما بين 1918 ـ 1920 بقيادة الملك فيصل الأول، وكان هو وزير الحربية ورئيس الأركان، ورفض الرضوخ في حزيران 1920 للجيش الفرنسي الذي وجه إنذاره الشهير للملك فيصل، والذي عُرف بإنذار غورو، وأثناء بدء الزحف تجاه دمشق في 24 تموز 1920، وقف يوسف العظمة بوجه الجيش الفرنسي، ولم يتمكن الجيش الفرنسي من الدخول إلى سوريا إلا بعد استشهاد يوسف العظمة في 25 تموز.

ونسي بشار الأسد أيضاً بأن إبراهيم هنانو الزعيم السوري الذي قاوم الانتداب الفرنسي، وقاد الجيش السوري في معركة ميسلون، حيث قال النائب العام الفرنسي بعد اعتقال إبراهيم هنانو وتقديمه للمحكمة في 25 مارس 1922 والذي أمر بإعدامه: "لو أن لهنانو سبعة رؤوس لطلبت قطعها جميعاً"· ولكن القاضي الفرنسي أطلق سراح هنانو معتبراً ثورته ثورة سياسية مشروعة، معلناً استقلالية السلطة القضائية الفرنسية عن السلطة العسكرية.

والآن يتناسى الأسد بأن الكرد هم الذين حرروا ـ عبر مشاريعهم الديمقراطية التي تبنتها كافة مكونات المنطقة من الكرد والعرب والأرمن والسريان والشركس ـ مناطق شمال شرق سوريا من مرتزقة داعش، بدءاً من سري كانيه المحتلة الآن من قبل جيش تركيا، وانتهاءً بآخر معاقل مرتزقة داعش في بلدة الباغوز في دير الزور، في وقت فر فيه جيش الحكومة السوري من مناطق شمال وشرق سوريا تاركاً أبناء هذه المنطقة في مواجهة الإرهاب بمفردهم، كما ولا يرى أيضاً بأن الكرد سعوا دائماً ومنذ اندلاع الحراك الثوري في سوريا إلى توطيد أواصر المحبة وأخوة الشعوب بين مكونات المنطقة، وحافظوا على وحدة الأراضي السورية, دون الانخراط في مشاريع وأجندات إقليمية ودولية.

وقد يتساءل البعض لماذا أدلى بشار الأسد بهذه التصريحات وفي هذا التوقيت تحديداً؟، وما الهدف منه؟.

ويرى مراقبون بأن الهدف الأساسي هو خلق فتنة طائفية بين مكونات المنطقة، وزعزعة الأمن والاستقرار الذي حققه مكونات المنطقة بدماء آلاف الشهداء.

في حين خلص آخرون وعبر التعمق في سياسات الحكومة السورية الذي دمر سوريا من أجل البقاء في السلطة, أن هذه التصريحات تعتبر بمثابة تمرير مقايضة جديدة، ورسالة إلى نظام أردوغان الذي يسعى إلى احتلال الأراضي السورية وخاصة أنها تعتبر تصريحات متناغمة مع تصريحات أردوغان إن لم نقل هي نفسها.

كما ردّ 30 حزباً, وحركة وقوى سياسية في شمال وشرق سوريا في بيان مشترك في السادس من آذار/مارس الجاري على بشار الأسد, داعين الحكومة السورية للبحث جيداً عمن يقسم ويهدد ويتعامل مع الجغرافيا السورية الأصيلة، وكأنها دون أي انتماء سوري؛ و أوضحت أن إنكار أي مكون هو بمثابة "انفصال عن الواقع".

(ر ح)

ANHA