​​​​​​​يهاجم اسرائيل وعلمها يرفرف في أنقرة.. كيف يتاجر أردوغان بالقضية الفلسطينية؟

تعيد تصريحات الرئيس التركي أردوغان الرنانة ضد اسرائيل، وضع العلاقات الاسرائيلية – التركية على رأس المشهد،  إذ بينما يهاجم أردوغان اسرائيل إعلامياً وينتهج ضدها العداء كلامياً، يعزز "من تحت الطاولة" علاقاته الاقتصادية والعسكرية معها، في معادلة تبدو عصية عن الفهم.

​​​​​​​يهاجم اسرائيل وعلمها يرفرف في أنقرة.. كيف يتاجر أردوغان بالقضية الفلسطينية؟
الجمعة 7 شباط, 2020   03:22
غزة- عمر موسى

يقول "اسرائيل دولة إرهابية، بينما يرفرف علمها في قلب أنقرة!، يهاجمها ولا يقطع علاقاته الاقتصادية معها، ما هذا؟" هكذا علق نائب  عن حزب الشعب الجمهوري في البرلمان التركي  على تصريحات أردوغان المتواصلة ضد اسرائيل، وهي عبارة ربما تشرح حقيقة مواقف أردوغان "العنترية ضد اسرائيل" على حد التوصيف الفلسطيني لها.

 إذ في الوقت الذي يهاجم فيه أردوغان اسرائيل ويناصر القضية الفلسطينية إعلامياً، يعمق من علاقاته الاقتصادية والعسكرية، المتجذرة أصلاً مع اسرائيل.

يقرأ مراقبون تصريحات أردوغان، وخصوصاً الأخيرة التي أعقبت إعلان الإدارة الأمريكية تفاصيل "صفقة القرن" – خطة السلام الأمريكية للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي على أنها استمرار لسياسة أردوغان في شحذ اهتمام ودعم الشعوب العربية والإسلامية له، في خديعةٍ مكشوفة تماماً بالنسبة لغالبية هذه الشعوب، إذ على مدار السنوات التي تبوّء فيها أردوغان وحزبه "العدالة والتنمية" رئاسة تركيا، لم يقدّم للفلسطينيين سوى الصراخ الرنّان، بينما قدّم لإسرائيل الاقتصاد والسلاح.

عودة إلى التاريخ: تركيا أول دولة إسلامية تعترف بقيام اسرائيل

"الوقائع على الأرض تزيح وهم هذه التصريحات"، هكذا يجيب المراقبون على سؤال: بعيداً عن الكلام، هل قدم أردوغان دعماً حقيقياً للقضية الفلسطينية؟.

بالعودة إلى التاريخ، كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بقيام دولة اسرائيل، إذ انطلقت العلاقات التركية -  الإسرائيلية عام 1949، أي بعد عامٍ واحد من إعلان قيامها.

سريعاً بعدها، انطلقت الاتفاقات والشراكة الثنائية بين اسرائيل وتركيا،  كان أبرزها وأهمها الاتفاق الذي وُقّع  عام 1996  بين الحكومة التركية وتل أبيب، وهو اتفاق الشراكة الاستراتيجية، الذي وضع لبنة التعامل العسكري والاستخباري بين اسرائيل وتركيا.

واستمرت هذه العلاقة بالتطور، حتى صعود حزب العدالة والتنمية، تسلّمه مقاليد الحكم في تركيا عام 2002، وعلى عكس ما كان مأمولاً بالنسبة لتصريحات الحزب، عمل الحزب على تعزيز الاتفاقات "الأمنية والعسكرية" السابقة مع اسرائيل.

تبادل تجاري تركي مع اسرائيل يتجاوز الـ 4 مليار دولار

وكما العسكرية، عزز أردوغان وحزبه العلاقات الاقتصادية مع اسرائيل، إذ تُقدّر بياناتٌ تقييمية نشرها في أوقاتٍ سابقة الإعلام الإسرائيلي أن حجم التبادل التجاري مع تركيا تخطى خلال نهاية عام 2017  حاجز الـ 4 مليار دولار، لتحافظ بهذه القيمة على المركز الأول على مستوى الدول الإسلامية، المتعاملة تجارياً مع اسرائيل.

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن حجم التجارة الخارجية لتركيا في عهد أردوغان مع اسرائيل زاد بنسبة 14% في السنوات الأخيرة.

وعلى مستوىً آخر من العلاقات، تذكر وسائل إعلام اسرائيلية أن تركيا تعدّ أكبر ناقل للمسافرين الإسرائيليين حول العالم.

ونقلت هذه الوسائل، أنه خلال نهاية عام 2018، وقعت الخطوط الجوية التركية اتفاقية مع أكبر بنوك اسرائيل “Hapoalim” من أجل إصدار بطاقات خصم “IsraCard” لرحلات الطيران على خطوطها من وإلى اسرائيل.

أردوغان ردّ على إعلان القدس عاصمة لإسرائيل بزيادة حجم التبادل التجاري معها!

يصيح أردوغان في أحد خطاباته رداً على إعلان صفقة القرن الأمريكية: "اسرائيل دولة إرهابية، والقدس بالنسبة لنا خط أحمر!"، وافتراضاً، أنه يلهب بهذا التصريح مشاعر الشعوب العربية والإسلامية، هنا يجب طرح تساؤل مشروع: كيف سيردّ أردوغان على صفقة القرن ؟ هل سيقطع علاقاته معها، أم سيزيد تبادله التجاري والاقتصادي تماماً كما فعل بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2017، وإعلان الرئيس الأمريكي، عاصمة لإسرائيل؟

إذ بالعودة إلى فترة ما بعد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل في نهاية عام 2017، والذى اعترضت عليه أنقرة بشدة وصدرت عن أردوغان تصريحات حادة تجاه اسرائيل, قدّرت وسائل إعلام  اسرائيلية نقلاً عن مصادر رسمية أن نسبة الصادرات التركية إلى اسرائيل زادت  بنسبة 3%  و1%  على مستوى الواردات و2% في إجمالي حجم التبادل التجاري بينهما.

وعام 2018 جرى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واندلعت في إثر ذلك احتجاجات واسعة في فلسطين، قتل خلالها 60 متظاهراً فلسطينياً في يومٍ واحد، وهاجم من جديد أردوغان اسرائيل، لكن المفاجأة أنه  حين طلبت المعارضة التركية قطع العلاقات التجارية مع اسرائيل عقب مقتل المتظاهرين الفلسطينيين، تم رفض أي مقترح حول إلغاء الاتفاقيات الثنائية بين البلدين من البرلمان بأصوات نواب حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، بل وصف وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو ،آنذاك، المطالبين بإلغاء الاتفاقيات بالانتهازيين.

عن المال الإسرائيلي الذي يسكت أردوغان دائماً

يمكن القول أن الحادثة الكبيرة التي شهدتها العلاقة التركية – الإسرائيلية، كانت عام 2010، حين هاجم الجيش الإسرائيلي سفينة "مرمرة" التركية التي كان على متنها نشطاء أتراك وغيرهم، كانوا في طريقهم لبحر غزة، لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع، راح ضحية الهجوم الإسرائيلي 10 نشطاء أتراك، ويومها أثارت هذه الحادثة جلبة صاخبة داخل تركيا طالبت بقطع العلاقات مع إسرائيل.

لكن ذلك أيضاً لم يؤثر في العلاقة التجارية العميقة بين البلدين،  ووفق تقريرٍ إسرائيلي رصد الآثار الاقتصادية عقب الحادثة، فقد شهد التبادل التجاري بينهم ارتفاعاً في الصادرات والواردات التجارية.

لتزيد بعدها العلاقة، وتوقع الحكومة التركية اتفاقية تطبيع العلاقات بين البلدين عام 2016، وتقبل تعويض  إسرائيل بـ 20 مليون دولار  عن  الضحايا الذين وقعوا في الهجوم على السفينة، ويعود أردوغان لتصريحاته  المعهودة لرفعِ العتب، وعلى حدّ تعبير مراقبين سياسيين: "مارس أردوغان نفس السيناريو الذي نفذه بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والمتمثل بأنه كلما علا صوته في وجه إسرائيل، أظهرت له الأخيرة المال، ويصمت".

فلسطينياً  كيف يجري التعامل مع تصريحات أردوغان

 يدرك كثير من الشعب الفلسطيني أن تصريحات أردوغان لا تتجاوز الفرقعة الإعلامية أو "الشو الإعلامي" على حساب القضية الفلسطينية، إذ أن تركيا بزعامة أردوغان وحزبه تسعى لأن يكون دائماً لها موطئ قدم في القضية الفلسطينية، لاستثمارها على المستوى السياسي في خدمة أهدافها المختلفة، وبينها أيضاً أن تكون القضية الفلسطينية بوابة لتعزيز العلاقة مع إسرائيل،  فهو إذ يرسل المساعدات الغذائية أو الطبية لغزة، يتعاون عسكرياً واقتصادياً على مستوى عالٍ مع اسرائيل.

ووفقاً لغالبية الشعب الفلسطيني، لا يمكن: " تصديق  تصريحات أردوغان، التي تخفي خلفها علاقات عميقة مع دولة عدوة بالنسبة للفلسطينيين".

وعلى مستوى آخر، فإن تركيا دولة في حلف الناتو، وهو حلف يدعم اسرائيل عسكرياً وتقنياً بكل ما يملك، ويسعى لتعزيز وجودها, وتركيا لها دور مرسوم في هذه الخطة وتنفذه بحذافيره، وفق ما يراه محللون سياسيون.

(م)

ANHA