ماذا وراء زيارته الأخيرة.. هل يبتز أردوغان الجزائر اقتصادياً مقابل أثمان سياسية؟

يقدر مراقبون أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الجزائر، تأتي في سياق محاولته للاستفادة  سياسياً من نفوذ بلاده الاقتصادي في الجزائر على مستويين، الأول: تحصيل دعم جزائري للدور التركي في ليبيا، والمستوى الآخر: التوغل في القارة الإفريقية اقتصادياً مستخدماً الجزائر كورقة مرور.

ماذا وراء زيارته الأخيرة.. هل يبتز أردوغان الجزائر اقتصادياً مقابل أثمان سياسية؟
الأربعاء 29 كانون الثاني, 2020   04:50
مركز الأخبار- عمر موسى

بعد أيامٍ من عقد اجتماع دول جوار ليبيا في الجزائر، الذي ضم: مصر، تونس، تشاد، مالي السودان والنيجر، وأكد ضرورة رفض كل التدخلات  الأجنبة في ليبيا، وتقديم الحل السياسي بين الأطراف الليبية، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجزائر.

وهي زيارة تتزامن أيضاً مع التطورات التي يشهدها الميدان الليبي، بعد عودة التوتر بين رئيس حكومة الوفاق فائز السراج وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر.

بحسب مراقبين، واستناداً إلى تصريح أردغان الذي هاجم فيه حفتر خلال بدء زيارته، ووصفه بـ "الإرهابي" ومعرقل السلام،  لا يمكن فصل زيارته إلى الجزائر و التي جرى عنونتها بـ"الودية" عن الملف الليبي والتطورات في المنطقة.

إذ يمكن النظر إلى الزيارة واجتماع أردوغان بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من زاوية ملفين أساسيين، شكلا محور الزيارة.

أول هذه الملفات كان بحث العلاقات الثنائية الجزائرية – التركية وخصوصاً على صعيد العلاقة الاقتصادية.

أما الملف الثاني فهو الأزمة الليبية، وما يرافقها من تطوراتٍ مستمرة، بعد فشل المسار السياسي الذي حاول مؤتمر برلين، تدشينه بين الأطراف الليبية "المشير خليفة حفتر – ورئيس حكومة الوفاق  فايز السراج". 

يرى مراقبون أن أردوغان استعجل بتلبية دعوة الزيارة  التي وجهتها الجزائر قبل ثلاثة أسابيع، وذلك لضرورة هذه الزيارة بالنسبة لتركيا، على ضوء تدخلها العسكري الذي أعلنته بشكلٍ واضح، بزعم دعم الحكومة الشرعية في البلاد،  ودور الجزائر المهم على مستوى الأزمة الليبية بحكم أنها دولة مجاورة لليبيا.

وبشكلٍ أساسي، يطمح أردوغان ـ بحسب محللين سياسيين ـ إلى الحصول على دعم  سياسي من الجزائر لدور تركيا في ليبيا.

لكن يقدر مراقبون أن  أردوغان فشل في تحصيل الدعم السياسي الجزائري، خلال زيارته، نظراً لأن سياسة الجزائر في هذه النقطة ثابتة، وترتكز إلى عدم التدخل العسكري أو السياسي في شأن الدول الأخرى, وفي سياق  تأكيد موقفها، استبقت هذه الزيارة باجتماع لدول جوار ليبيا، الذي خلص إلى موقفٍ حاسم برفض كل التدخلات الخارجية في ليبيا.

ما الذي يمكن أن يخرج عن هذه الزيارة حول الأزمة الليبية؟

يشير مراقبون إلى أن هناك طرفاً من التقارب بين الجزائر وتركيا في الأزمة الليبية، وهو حول تمسك الجزائر بدعم "حكومة الوفاق ورئيسها السراج"، لكنها في الوقت نفسه لا تقصي الطرف الآخر – المشير خليفة حفتر، بل تحاول دعم حل سياسي يرضي الطرفين، على عكس تركيا التي تخطط لإقصاء حفتر من المشهد الليبي عبر  دعمها العسكر ي وغيره للسراج وتدخلها الفج في صنع القرار الداخلي للسراج. 

وهنا، ثمة هامشاً ضعيفاً للمناورة التركية الساعية لكسب الجزائر إلى صفها بما يخص الأزمة الليبية، وسعياً للخروج من المأزق التركي، قد تدفع الجزائر إلى المساهمة في إبراز دور تركيا في الحوار الليبي – الليبي، لكن دون دعم طرف على حساب طرفٍ آخر، كما يطمح أردوغان.

هل يشكل التوغل الاقتصادي التركي في الجزائر ورقة قوة سياسية بيد أردوغان؟

تمثل تركيا، أكبر المستثمرين الأجانب في الجزائر، وتمتلك نفوذاً اقتصادياً قوياً داخل الجزائر، إذ تحتل المرتبة الأولى على مستوى الاستثمار الأجنبي في الجزائر منذ عام 2017، متقدمة بذلك على كل المستثمرين الأجانب في الجزائر، أبرزهم فرنسا، ومن هنا، كان التعاون الاقتصادي هو الملف الأهم بعد الأزمة الليبية في زيارة أردوغان إلى الجزائر.

كذلك، تمثل الجزائر أكبر دولة إفريقية من ناحية التبادل التجاري مع أنقرة، إذ تبلغ قيمة تبادلها التجاري مع تركيا 5 مليار، فيما يبلغ حجم الاستثمار التركي في الجزائر أكثر من 3 مليار دولار، وفق ما ذكره مراقبون.

هنا يرجح محللون سياسيون أن هذا الاستثمار يمثل  ورقة قوة ونفوذ لتركيا داخل الجزائر، وهو النفوذ الذي لا يستبعد أن تحصّل تركيا من خلاله أثماناً سياسية من الجزائر، التي يمثل لها هذا الاستثمار ركيزة أساسية لا غنى عنه,  بل وجرى تطوير هذا التعاون إلى شكلٍ أكبر، إذ خلص عن اجتماع تبون – أردوغان، تحقيق مجلس تعاون اقتصادي استراتيجي بين تركيا والجزائر.

هذه الورقة الاقتصادية القوية، قد تتيح لأردوغان ،وفق تقدير المراقبين، تحقيق طموح أكبر، وربما يجري خلال ذلك تعزيز دور تركيا في ليبيا ضمنياً.

ففي الوقت الذي يستبعد فيه محللون سياسيون  أن يشكل مجلس التعاون  الاقتصادي الاستراتيجي الذي نتج من اجتماع أردوغان وتبون، ورقة  ضغط على الجزائر،  لدعم الدور التركي في ليبيا، يرجحون أن يفتح هذا التعاون الاقتصادي بوابة  الاقتصاد الإفريقي لتركيا، عبر الجزائر.

ففي حين أن الجزائر لديها محددات ثابتة فيما يتعلق بالملف الليبي، ولا يمكن أن تدعم مباشرة الغزو التركي داخل ليبيا، إلا أنها تتعامل بمرونة عالية مع حكومة الوفاق الليبية، ما يوفر بيئة خصبة لتحقيق الخطة الاقتصادية التركية في إفريقيا، عبر شراكة اقتصادية تجمع بين حكومة الوفاق والجزائر وأنقرة، سعياً للتوغل والاستثمار التركي داخل القارة الإفريقية، لخلق قوى إقليمية إفريقية داعمة لتركيا من بوابة الاقتصاد.

في الوقتِ عينه، يرجح مراقبون أن زيارة أردوغان فشلت في الحصول على ضمانات جزائرية سياسية لدعم تركيا وسياستها في ليبيا، لكن هذه الزيارة قد تعزّز دور تركيا في ليبيا على المدى البعيد، إذا وفرت له الجزائر بوابة مرورٍ اقتصادية إلى إفريقيا، ووافقت على إنشاء شبكة اقتصادية بين تركيا وحكومة الوفاق والجزائر.

(ي ح)