التوتر الأمريكي الإيراني انطوى.. فهل انتهت قصة الصراع؟

غارة أمريكية تنهي حياة رجل إيران البارز قاسم سليماني في العراق, ليتصاعد معها التوتر في الشرق الأوسط، وينتهي بردّ إيراني محدود وخطاب هادئ من واشنطن, فهل انتهت قصة الصراع؟

التوتر الأمريكي الإيراني انطوى.. فهل انتهت قصة الصراع؟
الجمعة 10 كانون الثاني, 2020   04:44
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

مع كل حادثة كبيرة في الشرق الأوسط, يتحدث المحللون مجدداً عن الحرب العالمية الثالثة، وبأن طبولها ستُقرع قريباً, ليعود البعض إلى القول بأنها لا تتعدى كونها حرباً باردة جديدة.

إلا أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، وأحد كبار مهندسي السياسية الأمريكية هنري كيسنجر، كان حاسماً في تقييمه لما يجري في الشرق الأوسط، قائلاً: “طبول الحرب تُدق بالفعل في الشرق الأوسط، والأصم فقط هو من لا يسمعها".

وقال كيسنجر في حوار سابق أجرته معه جريدة “ديلي سكيب” البريطانية: إن الحرب العالمية الثالثة على الأبواب، مؤكداً أن على إسرائيل احتلال سبع دول في الشرق الأوسط، نظراً لأهميتها الاستراتيجية.

وأضاف: “لقد أبلغنا الجيش الأمريكي أننا مضطرون لاحتلال هذه الدول، خاصة أنها تحتوي على البترول، وموارد اقتصادية أخرى، ولم يبق إلا خطوة واحدة، وهي ضرب إيران”.

ويتوقع كيسنجر أنه عندما تتحرك الصين وروسيا من غفوتهما، سيكون الانفجار الكبير والحرب الكبرى قد قامت، ولن تنتصر فيها سوى قوة واحدة هي إسرائيل وأمريكا. وسيكون على إسرائيل خلالها القتال بكل ما أوتيت من قوة وسلاح، لاحتلال نصف الشرق الأوسط.

أهم من ما ذكره كسنجر قوله: "إن أمريكا وإسرائيل قد جهزتا نعشاً لروسيا وإيران، وستكون إيران هي المسمار الأخير في هذا النعش، بعدما منحتهما أمريكا فرصة للتعافي، والإحساس الزائف بالقوة, بعدها ستسقطان للأبد، لتتمكن أمريكا من بناء مجتمع عالمي جديد، لن يكون فيه مكان سوى حكومة واحدة تتمتع بالقوة الخارقة".

هذا ما خطط له مهندسو السياسية الأمريكية، إلا أن هذه الخطط تتغير وفق تطورات المرحلة في المنطقة.

حرب أذرع قديمة تتجدد مع كل حادثة، مهندسها سليماني

فالصراع ما بين الدولتين قديم، يتجدد مع كل مرحلة وخلاف، بدءاً من الملف النووي الإيراني، والتطور الإيراني, في المجالات العديدة، لكن الأهم هو التوسع الإيراني في الشرق الأوسط, فالحرب اليوم هي حرب الوكلاء والأذرع.

حرب بدأتها إيران عبر إيجاد أذرع لها في المنطقة, بدءاً من العراق ولبنان وسوريا واليمن، وحاولت التوسع إلى السعودية وحتى أفغانستان.

هذه الأذرع في المنطقة، قام بتشكيلها الحرس الثوري الإيراني، وتحت مبدأ ونظرية تصدير الثورة، وكان مهندسها ومايسترو عملها قاسم سليماني.

وبعد سقوط حكم الشاه عام 1979، قرر آية الله الخميني تأسيس قوة عسكرية قادرة على حماية مصالح بلاده في الداخل والخارج، وحماية مكاسب الثورة، وتتمتع باستقلالية معينة في القرار، وسميت هذه القوة بـ"الحرس الثوري الإيراني".

ونجحت هذه القوة بتكرار تجربتها في عدة دول عربية، وكانت بدايتها لبنان حيث تشكل حزب الله هناك.

حزب الله اللبناني تجربة ناجحة

وتأسس حزب الله في عام 1982، وبدأ نشاطه العسكري فعلياً في 1984 ضد إسرائيل, تدرب مقاتلوه في إيران، واكتسبوا خبرة كبيرة هناك, وما يميز الحزب عن غيره من القوى التي تدعمها طهران، تنظيمه المتقن، واستخباراته المتطورة، ونوعية الأسلحة التي يملكها.

ولا يخفي حزب الله في أدبياته، التزامه بنظرية ولاية الفقيه، كما جسدها الخميني، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

ومع الوقت، أصبح الحزب قوة مؤثرة، ولاعباً أساسياً في النظام السياسي اللبناني، وأصبح له ثقل في اتخاذ القرارات داخل الحكومة.

الحشد الشعبي

وفي العراق وبعد الهجوم الأمريكي وإسقاط نظام صدام حسين, تمكنت إيران من تنظيم قوات مقربة منها، تحت اسم الحشد الشعبي.

وتأسست في العراق عدة مجموعات، وكتائب مقربة من إيران، وهي (عصائب أهل الحق- منظمة بدر- كتائب حزب الله- كتائب الإمام علي- الفاطميون- زينبيون) وغيرها من الكتائب.

وبعد الضغط على هذه الكتائب انضوت تحت جناح قوات الحشد الشعبي، التي تشكلت مستفيدة من فتوى المرجع الشيعي علي السيستاني منتصف عام 2014، التي دعت إلى التطوع في الأجهزة الأمنية بعد هزيمة القوات العراقية أمام داعش, ويضم الحشد عشرات الفصائل والجماعات، ويقدر البعض عديده بأكثر من 100 ألف من المقاتلين الشيعة.

جمعية البستان ودورها في سوريا وتوسّع إيراني مستمر

أما في سوريا فكان البدء عبر تنظيم جمعيات خيرية، وكان الدور الأبرز لجمعية البستان التي أسسها رامي مخلوف، وتحولت فيما بعد لمنصة إيرانية لدعم مشاريعها في سوريا.

وكانت أول قوة مقربة من إيران تشكلت في سوريا، هي كتائب زينبيون التي تشكلت بحجة حماية المقامات الدينية في السيدة زينب بريف دمشق, بالإضافة إلى لواء السيدة رقية، وقوات الإمام رضا.

كما وسّعت إيران من نفوذها عبر زج الآلاف من المقالتين التابعيين للحرس الثوري، وحزب الله اللبناني، والكتائب العراقية في الحرب السورية.

وشكلت أيضاً لواء الباقر الذي يتواجد في حلب ودير الزور, وعلى الرغم بأن أعضائه يأتون من خلفية سنية إلى حد كبير، إلا أن العديد منهم قد تحول إلى الإسلام الشيعي، أو على الأقل تأثر به بشدة.

حركة أنصار الله (الحوثيون)

وحركة الحوثيين هي حركة سياسية دينية مسلحة، تتخذ من صعدة في اليمن مركزاً رئيسياً لها.

عرفت باسم "الحوثيين" نسبة إلى مؤسسها حسين الحوثي الذي قُتل على يد القوات اليمنية عام 2004، ويعد الأب الروحي للجماعة، تأسست الحركة عام 1992.

كيف تصاعد الصراع وكيف تم تبريده؟

بعد توتر متصاعد بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة, تسبب مقتل قاسم سليماني على يد واشنطن بتصاعد التوتر أكثر، وباتت المنطقة على شفا حرب كبرى.

وما بين 52 هدفاً و12 سيناريو وضعتهما الدولتين للرد, تحركت قوى إقليمية ودولية بهدف تبريد التوتر, وكان أبرزها سلطنة عمان وسويسرا.

وبعد أيام من مقتل سليماني ردت إيران على ذلك بقصف محدود لقاعدتين في العراق, ليخرج بعدها ترامب ويتحدث بأن كل شيء على ما يرام وبدورها أعلنت طهران أنها أنهت ردها ولا تريد الحرب.

التوتر انطوى لكن المشاكل باقية.. الصراع إلى أين؟

إن التصعيد الأمريكي هذا بدأ منذ التفاهم الروسي الأمريكي الإسرائيلي حول تقليص نفوذ إيران في سوريا، والعراق والمنطقة بشكل عام, وتعزز ذلك بعد قمة القدس, حيث ضغطت روسيا على إيران من أجل الانسحاب من المناطق الحدودية مع إسرائيل, وكثفت الأخيرة من هجماتها على المواقع الإيرانية في سوريا والعراق.

تمكنت القوى الإقليمية والدولية من تبريد التوتر,  لكنها لم تتمكن من حل المشاكل العالقة بين الطرفين والتي قد تتسبب باندلاع التوتر في أي مرحلة.

مشكلة الأذرع الإيرانية لا تزال موجودة, بالإضافة إلى الخلاف حول الملف النووي الإيراني, وساحات الخلاف في الشرق الأوسط لا تزال ملتهبة من سوريا إلى العراق ولبنان وصولاً إلى اليمن.

على ما يبدو بأن الرد بين الدولتين سيكون طويل المدى، عبر الأذرع في المنطقة, وبأن الولايات المتحدة قد بدأت هذه الحرب وهي على يقين بأنها لن تتجاوز حدود ذلك, وأرادت من قتل سليماني بدأ مرحلة جديدة من الصراع ضد أذرع إيران.

ANHA