تركيا تغزو أوروبا ودول عربية بـ"المساجد الاستخباراتية" فهل من صحوة تجاهها؟

تركيا تغزو أوروبا ودول عربية بـ"المساجد الاستخباراتية" فهل من صحوة تجاهها؟
الأربعاء 12 كانون الأول, 2018   04:12

لزكين إبراهيم

باتت تركيا بقيادة أردوغان وحزبه كجسم سرطاني تحاول الانتشار في جسد العالم كله وتشكيل كيانات ونفوذ واسع لها في قلب تلك الدول لشل كل حركة مناهضة لها ولسياساتها، ولا توفر فرصة أو طريقة لمد أذرعها الاستخباراتية في أوربا والدول العربية والإسلامية، متخذة هذه المرة ما يمكن تسميته "المساجد الاستخباراتية" للتغلغل في عدة دول أوربية وعربية والدخول إليها من بوابة المساجد الحديثة في أوربا والعثمانية في البلدان العربية والتي يعمل فيها أئمة جواسيس. ومقابل ذلك ظهرت بوادر لصحوة أوربية وعربية للخطر التركي والعمل على قطع أذرعها في بلدانها وأمثلتها النمسا ومصر.

الأجهزة الاستخباراتية التركية تخترق ألمانيا عبر "DITIB"

يستغل أردوغان وحكومته وجود قرابة 5 ملايين مسلم في ألمانيا نسبة كبيرة منها من الأصول التركية لتجنيدهم تحت اسم "الإسلام السياسي" التي يمثلها ماتسمى بالاتحاد الإسلامي التركي "DITIB" وتوظفهم ككيانات استخباراتية وأدوات لتوسيع النفوذ أو إنشاء لوبي تركي تزرعها في جسم الحكومة الألمانية، وتستهدف بهما عناصر من المعارضة التركية وهيئات ألمانية، وجمع المعلومات الاستخباراتية عنها لصالح تركيا.

وحول تلك الأنشطة الاستخباراتية كشفت تقارير إعلامية ألمانية أن جهاز الاستخبارات الوطني التركي (MIT) وسّع أنشطته في ألمانيا على نحو واضح خلال الأعوام الماضية. وذكرت الصحيفتان الألمانيتان "تاجس شبيجل" و"فيلت" عن تحقيق الادعاء العام الألماني في أربع وقائع تتعلق بالاشتباه في أنشطة استخباراتية لجهاز الاستخبارات التركي. فيما قاد الادعاء العام الألماني خلال الأعوام الماضية 23 تحقيقاً ضد عناصر استخباراتية تركية مشتبه بها.

ووفقا للبيانات، فإن الجواسيس كانوا يستهدفون مجموعات المعارضة التركية، مثل الأحزاب والحركات الكردية في ألمانيا وأوروبا، إلى جانب حركة الداعية الإسلامي فتح الله غولن منذ محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا في صيف عام  2016، فيما لم تخفي الحكومة الألمانية خشيتها من اختراق الاستخبارات التركية لهيئات ألمانيّة، حيث حذرت الحكومة وزارة الداخلية الألمانية، وموظفي المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية والشرطة الاتحادية ووكالة الاستخبارات الخارجية وهيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) والهيئة الاتحادية لأمن المعلومات والهيئة الاتحادية لشؤون الهجرة واللاجئين وهيئة الجمارك والادعاء العام والاستخبارات العسكرية من محاولات تجنيد من جانب عملاء أتراك.

منظمة "DITIB" مفرخة الإرهاب وممول داعش بالعناصر

ومن أوسع وأخطر الأذرع الاستخباراتية التركية في ألمانيا وأوروبا ماتسمى بالاتحاد الإسلامي التركي "DITIB"، وهي منظمة تدير شؤون حوالي 900 مسجد أو جماعة دينية في ألمانيا. والذي تشرف عليه رئاسة الشؤون الدينية التركية "ديانت" في أنقرة، حيث ثبت أن أئمة هذا الاتحاد كانوا يتجسسون على معارضي أردوغان. وفق ما أظهرت تقارير إعلامية أشارت إلى أنها تمادت في محاولات اختراق الأجهزة الحكومية الألمانية نفسها.

وذكرت صحيفة "تاجس شبيجل" استناداً إلى مصادر أمنية أنه تم رصد مئة محاولة تجنيد واستدراج من جانب جهاز الاستخبارات الوطني التركي على مستوى ألمانيا. فيما كشفت الصحيفة ذاتها عن وصول عدد السلفيين بألمانيا حالياً إلى نحو 11300 شخص على أقل تقدير، مؤكدة أن عدد هؤلاء بدأ بالتراجع خلال عام 2018 حيث سجلت الإحصائيات انضمام 100 شخص إلى التيار السلفي في العام الحالي فقط، فيما تجاوزت الزيادة خلال الأعوام الماضية ألف شخص سنوياً. ويرجع السبب استناداً إلى اتحاد هيئات حماية الدستور بألمانيا(الاستخبارات الداخلية) إلى الهزيمة العسكرية لداعش في سوريا والعراق.

لا يخفى أن هذه الاحصائيات تؤكد مرة أخرى مدى علاقة الاستخبارات التركية ومساجدها الاستخباراتية بداعش وإمدادها بالسلفيين والمرتزقة التي تجمعهم من دول العالم وترسلهم إلى سوريا والعراق. وهو ما يفسر أيضاً الخوف والهاجس الأوربي عامة والألماني خاصة من تركيا التي لا تتوانى عن التهديد بإغراق أوروبا بالإرهابيين في حال لم تغض النظر عن انتهاكات تركيا للقوانين والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان وما ترتكبه من إبادات جسدية وسياسية وثقافية بحق معارضيه عامة والشعب الكردي خاصة في باكور (شمال كردستان) وروج آفا وشمال سوريا.  

يذكر أن الرئيس التركي أردوغان قال يوم 3 أكتوبر 2018 على إثر افتتاحه المسجد المركزي بمدينة كولونيا الألمانية المرتبطة بـ "DITIB": يجب علينا أن نناضل من أجل تحويل مسجد كولونيا المركزي وكليته التابعين للاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية إلى مركز يليق بهما. يجب أن يكون هذا المكان رمزًا لوجودنا في هذه الأراضي" لايخفي هذا التصريح مدى تحريض أردوغان للمسلمين ضد أوربا وبث روح العنصرية والكراهية بين الشعب الألماني عن طريق مساجدها الاستخباراتية هذه.

النمسا تفتح أعين الغرب على خطر المساجد التركية الاستخباراتية وأئمتها الجواسيس

حكومة النمسا المحافظة تنبهت مؤخراً لخطر مساجد وأئمة أردوغان على بلادها، بعد استياء وغضب أثارتهما نشر صحيفة “فالتر” في مطلع يونيو من العام الجاري صوراً لإعادة تمثيل أطفال في مسجد بالنمسا معركة ("غاليبولي" العثمانية التي جرت عام 1915 ضد قوات بريطانية وفرنسية مشتركة خلال الحرب العالمية الأولى الذين هاجموا اسطنبول) حيث يظهر في الصور صبيان في زي عسكري يؤدون التحية العسكرية العثمانية وهم يقفون في طابور ويلوحون بأعلام تركية أمام حضور من الأطفال. وفي صورة ثانية يتمدد بعض الأطفال أرضاً حيث يمثلون دور ضحايا المعركة وقد لفوا أجسامهم بالعلم التركي.

إعادة تمثيل معركة رمزية في التاريخ العثماني من قبل أطفال ارتدوا زياً عسكرياً، في أحد أبرز المساجد في فيينا التي تحصل على تمويل تركي. أعاد إلى الأذهان مشاهد "أشبال الخلافة" التي كانت داعش تطلقها على الأطفال المجندين والتي تدربهم على القتال ما أثار موجة غضب شعبي وسياسي في النمسا.

وعليه بدأت حكومة النمسا بحملة تستهدف “الإسلام السياسي”، وأدت لطرد عشرات الأئمة وإغلاق سبعة مساجد تموّلها تركيا في خطوة وصفها مراقبون بأنها اختراق لصمت أوروبي استمر لسنوات طويلة تجاه احتكار الجمعيات والمراكز والمساجد التي يسيطر عليها تيار الإسلام السياسي التابع للاستخبارات التركية لصوت الجالية المسلمة وتوظيفها لمصالحها.

وهذه الحملة أربكت حكومة أردوغان التي بدأت بتوجيه الاتهامات لفيينا في وقت تبدو الخطوة النمساوية وقد أخذت منحى أكثر جدية قياساً بدول أخرى مثل ألمانيا التي تكتفي بمراقبة المساجد والمراكز والجمعيات التي تديرها أنقرة دون أن تتخذ خطوات حاسمة تجاهها.

خطر الإسلام السياسي التركي أكبر من الشبكات الإرهابية على أوربا

اعتبر الكثير من المراقبين أن الحكومة النمساوية أخرجت ما يفكر فيه بقية الأوروبيين إلى العلن من خلال هذه الخطوة، مؤكدين أن فكرة الإسلام السياسي التي تتبعها تركيا في أوربا مقلقة بالنسبة للغرب لأن الأمر يتعدى فكرة الإرهاب إلى المس بالنظام السياسي في أوروبا، فالشبكات الإرهابية تتم ملاحقتها في إطار قانوني واضح، والتنسيق جار على قدم وساق لمحاصرتها، لكن تيار الإسلام السياسي يحظى بغطاء قانوني وسياسي ويحتمي بالمنظمات الحقوقية، وبدول شرق أوسطية تمول أنشطته وتحركه عن بعد مثل قطر وتركيا، ما يجعل مواجهته بشكل علني خطوة نمساوية جريئة، ربما تساعد دولاً مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، التي تمتلك ملفات ثقيلة ضد الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، على مغادرة مربع الصمت.

تغلغل تركي في دول عربية ومساع لإحياء الحنين إلى زمن الامبراطورية العثمانية

أما في الدول العربية والإسلامية فاتخذت تركيا أساليب أخرى ملتوية للنفوذ في عمقها وزرع نفوذها وكياناتها الاستخباراتية داخل تلك الدول، ومن أهم الأمثلة الواضحة هي تعاظم النفوذ التركي في الجزائر وذلك الدخول تحت اسم الاستثمارات التركية التي تجاوزت الأنشطة التجارية والاقتصادية إلى خلق ولاءات سياسية وأيديولوجية فيها.

حيث حصلت السلطات التركية، عبر اتفاقيات التعاون المبرمة مع نظيرتها الجزائرية، على مخطط لترميم وتفعيل الآثار والمعالم العثمانية في البلاد، في خطوة لإحياء رسائل الامتداد التاريخي والسياسي في الجزائر والمنطقة عموماً، وعليه تلعب تركيا بورقة المعالم الأثرية والقصور والمساجد العتيقة لاستعادة أمجاد العثمانيين في الجزائر، واستثمار تساهل السلطات مع هذه الأنشطة لتوسيع دائرة النفوذ التركي في البلاد. وإحياء شعور الحنين إلى زمن الإمبراطورية العثمانية لدى المسلمين في الجزائر وباقي الدول العربية.

وافتتحت السلطات الجزائرية، مسجداً جديداً بمدينة وهران في غرب البلاد، بتمويل وهندسة تركية، ليكون بذلك ثاني المساجد في المدينة، التي يتم تشييدها وتمويلها بأموال تركية، في إطار مخطط ظاهره ديني، وباطنه سياسي وأيديولوجي، يستهدف دعم النفوذ التركي عبر بوابة المؤسسات الدينية.

فيما تشير تقارير نشرتها صحيفة "العرب اللندنية" إلى أن هناك رجال أعمال أتراك يتخفّون وراء أنشطة اقتصادية وتجارية ومشاريع بناء وتشييد ويمولون جمعيات أهلية وتظاهرات وأعياداً دينية ويساهمون في تشييد مساجد، من أجل ربح ثقة الشارع الجزائري، واستقطاب بعض المسؤولين في المؤسسات.

هذا وأثار التغلغل التركي الأخير ارتباكاً بين الجالية التركية في الجزائر، بسبب الصراع بين الموالين للنظام التركي، وبين أنصار الداعية فتح الله غولن، وسعي الأول لدى السلطات الجزائرية لترحيل الآخرين إلى إسطنبول بعد محاولة الانقلاب على أردوغان، إلا أن مساعي الانتشار والتغلغل لم تتوقف، ويحاول بعض رجالات الاستخبارات التركي التمدد إلى دول الجوار والقارة السمراء انطلاقا من الجزائر.

إحياء حلم الخلافة العثمانية لدى بعض الجزائريين ودول الجوار عبر الأئمة والمسلسلات التاريخية

ولا يخفى أن أنقرة استطاعت تحقيق نتائج سريعة من خلال هذا التمدد الناعم، خاصة في الحصول على معلومات عن أنصار غولن وأنشطتهم ومدارسهم. لكن المراقبين يرون أن الأخطر في هذا التمدد هو أن جزءاً من الجزائريين بات يحلم باستعادة الخلافة العثمانية تحت تأثير المسلسلات التاريخية التركية التي تمجد السلاطين وانتصاراتهم وتضفي أجواء غرائبية على حياتهم الخاصة.

ويضاف إليها تأثير أئمة تلك المساجد العثمانية الذين يعتبرون الأذرع السياسية الممثلة في الأحزاب الإسلامية ذات المرجعية الإخوانية، وعلى رأسها حركة مجتمع السلم “حمس″، وبعض الجمعيات الأهلية والناشطين السياسيين، الذين لا يتوانون في التعبير عن الانبهار بالتجربة التركية.

لكن مراقبين يحذرون من أن تساهل السلطات الجزائرية خاصة والبلدان العربية عامة مع التمدد التركي قد يجعلها تستفيق على تجربة شبيهة بتلك التي حصلت مع إيران التي استثمرت علاقتها السياسية مع السلطات لتقوم بحملة تبشير واستقطاب لصالح المذهب الشيعي الذي يتنافى مع الهوية الدينية للجزائريين.

الانقلاب على حكم الإخوان في مصر قطع  أهم أذرع أردوغان في الوطن العربي

توصف العلاقة بين جماعة الإخوان التي تأسست في مصر، وفرعها في تركيا، بالتاريخية، فبعد إلغاء دولة الخلافة العثمانية، في تركيا، وإعلان الجمهورية، وتحديدًا في 1927، بدأ تاريخ العلاقة بين إخوان مصر وتركيا، حيث تأسست جمعية "الشبان المسلمين" في تركيا بهدف إعادة إحياء الخلافة العثمانية، وشارك في مؤتمرها التأسيسي آنذاك مؤسس جماعة الإخوان، حسن البنا. حيث تسعى طوال تاريخها إلى تحقيق حلم إحياء الخلافة الإسلامية، وتوطدت العلاقة أكثر بعد فوز محمد مرسي بالرئاسية في يوليو عام 2012.

ومع ظهور رجب طيب أردوغان استمرت العلاقة بأخوان مصر على نفس النهج، واتضح ذلك بعد فوز محمد مرسي، الرئيس الأسبق لحزب الحرية والعدالة بالرئاسية في مصر، فضلًا عن تبادل زيارات قادة الجماعة في كلا البلدين.

أما بعد أحداث 30 يونيو التي عُزل فيها محمد مرسي، واستلام السيسي الحكم في مصر، بدأت تركيا في وضعٍ شرس مع المتغيرات حيث رفضت هذه الثورة وتمسكت بمصطلح "الشرعية" الذي روّج له إخوان مصر، وقطعوا التعاون مع أي نظام في مصر سوى نظام مرسي. وعليه شهدت العلاقات بين البلدين تدهورًا على خلفية الموقف التركي الداعم لجماعة الإخوان المسلمين، ورفضها لنتائج ثورة 30 يونيو، ما أدى إلى طرد السفير التركي في القاهرة للمرة الثالثة في تاريخ العلاقات بين البلدين.

فتلك الصفعة التي تلقاها الإخوان في مصر كان ألمها أشد وقعاً على أردوغان وحزبه لأنها قطعت بذلك أهم أذرع تركيا الاستخباراتية والسياسية الممتدة داخل البلدان العربية وقطعت الطريق أمام حلم الخلافة العثمانية التي يحلم بها أردوغان والإخوان.

هل سيستفيق الغرب والعرب حيال خطر سياسات تركيا؟

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا.. هل ستشهد أوربا صحوة وموقفاً أكثر حزماً ضد أذرع تركيا الاستخباراتية والإرهابية المنتشرة في أوربا ويبادرون لقطعها على غرار الخطوة التي بادرت إليها النمسا؟ وهل ستدرك الدول العربية مدى خطورة مخططات تركيا وأحلامها العثمانية عليها وتبادر هي الأخرى بالوقوف بوجه التغلغل الاستخباراتي التركي في بلدانها، وتقطع الطريق أمامها على غرار ثورة مصر على الإخوان الذين يعتبرون أهم أدوات تركيا لضرب الاستقرار في الدول العربية؟.

ANHA