محاضرون: سياسة تركيا الجوهرية حيال الشعوب لم تتغير

أشار كل من الدكتور أحمد سينو والدكتور سليمان إلياس بأن سياسة الدولة التركية لم تتغير، في جوهرها حيال شعوب المنطقة، سواء داخل الدولة أو خارجها لا سيما في محيطها الإقليمي. وبدا ذلك من خلال التطهير العرقي للأرمن والكرد والسريان والإيزيديين. فهي لازالت تتنكر حقوق الشعوب، ولازالت تتدخل وتهدد أراضي الدول المجاورة كسورية والعراق.

محاضرون: سياسة تركيا الجوهرية حيال الشعوب لم تتغير
محاضرون: سياسة تركيا الجوهرية حيال الشعوب لم تتغير
محاضرون: سياسة تركيا الجوهرية حيال الشعوب لم تتغير
محاضرون: سياسة تركيا الجوهرية حيال الشعوب لم تتغير
محاضرون: سياسة تركيا الجوهرية حيال الشعوب لم تتغير
محاضرون: سياسة تركيا الجوهرية حيال الشعوب لم تتغير
الإثنين 3 كانون الأول, 2018   09:33

قامشلو

تستمر أعمال المنتدى الدولي حول التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي في عفرين، وبعد انتهاء الجلسة الثانية، والتي تمحورت حول الجانب العسكري من عمليات التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي في عفرين، بدأت الجلسة الثالثة والتي تتناول الجانب التاريخي والثقافي من عمليات التطهير، حيث يترأس الجلسة الدكتور جواد كاظم البيضاني، وألقيت العديد من المحاضرات ومنها محاضرة من قبل الدكتور أحمد سينو والدكتور إلياس سليمان. 

وجاء في محاضرة الدكتور في التاريخ أحمد سينو، والذي شرح تاريخ السياسة التركية  "الدولة التركية نشأت على الغزو والقتل، واتخذت منه سبيلاً للتوسع، ومنهجاً ثابتاً في سياستها وسلوكها القائم على السلب والنهب والتدمير وارتكاب المجازر والتهجير القسري والإبادة بحق الشعوب، واعتبار ذلك نوع من العمل المشروع والحسن أو كنوع من الجهاد كما يروق لها أن تسميه.

وتابع سينو "هذا الخط والمنهج، بدا أكثر وضوحاً مع وصول الاتحاديين إلى سدة الحكم، الذي تمثل بسياسة التتريك، القائمة على إذابة كل المكونات والشعوب في البوتقة التركية، استمرت هذه السياسة وهذا المنهج حتى بعد الحرب العالمية الأولى وحتى الوقت الحاضر، وإن ارتدت حكوماتها أشكالاً مختلفة، من أنظمة الحكم الحديثة وتلونت بها، كتب السفير الأمريكي في تركيا خلال الحرب العالمية الأولى عام 1913-1916م هنري مور في مذكراته عن الأتراك، بقوله:

((إنهم يفتقرون إلى ما نسميه نحن بأساسيات المجتمع المتحضر، فلم تكن لهم أبجدية ولا مدونات كتابية ولا مؤلفات ولا شعراء ولا فن ولا عمارة، ولم يشيدوا مدناً ولم يؤسسوا قط دولة ثابتة، ولم يعرفوا من القوانين إلا قانون الغاب (حكم القوة)، ولم تكن لهم عملياً زراعة ولا مؤسسات صناعية، هم ببساطة فرسان متوحشون وغزاة، والمفهوم الأساس للنجاح عندهم هو الانقضاض على الشعوب التي كانت أكثر حضارة منهم ونهبهم أو سلبهم))".

ولفت سينو بأن الأوربيون أطلقوا على الدولة العثمانية رجل أوروبا المريض أي ضعف الدولة ومشكلاتها التي أدت إلى تدخل الدول الأوربية في شؤونها الداخلية ما عرف (بالمسألة الشرقية). كما أن تناقض المصالح بين الدول الأوربية أطال من عمر الدولة العثمانية، وأهم الدول التي تدخلت في المسألة الشرقية (الدولة العثمانية) هي روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وذكر سينو العديد من النماذج حول التطهير العرقي للشعوب والتي مارستها الدولة التركية ومنها الشعب الأرمني، حيث قال سينو بهذا الصدد "كتب وزير داخلية تركية طلعت باشا إلى ولاية حلب بتاريخ 5أيلول 1915م  رسالة تضمنت ما يلي: (تم إعلامكم سابقاً فإن الحكومة وبأمر من جمعية الاتحاد والترقي قررت إبادة الأرمن الذين يقيمون في تركيا على نحو تام ، يجب وضع حد دون سماع صوت تأنيب الضمير ودون أي استثناء لوجود النساء والأطفال والمرضى الذين حالتهم سيئة، ولفت سينو بأن أكثر الصور بشاعة تفنن الدولة التركية بأساليب القتل ومنها ما قام به الدكتور محمد رشيد الذي كان حاكماً على مدينة ديار بكر الذي لقب بالجلاد وكذلك لقب بالنعال لأنه كان يقوم بدق حدوات الأحصنة بأرجل ضحاياه، وعرف أيضاً بمحطم الجماجم وصلب الضحايا، ومن طرقهم الجديدة   التسميم والإغراق في البحر والتقطيع إرباً وإجراء التجارب، ويقدر عدد قتلى الإبادة في هذه الفترة بحوالي مليون ونصف المليون أبيد على يد القوات التركية، أو أثناء مسيرات ترحيلهم.

وبالنسبة للآشوريين والسريان والإيزيديين، قال سينو "استخدموا السيوف والخناجر في قتل السريان والآشوريين. واستخدموا الحرق، كما تم في بلدة كنجار، وقطع الرؤوس كما تم في بلدة سلماس الآشورية، ارتكبت الدولة التركية مجزرة في مدينة أضنة قتل فيها أكثر من 30 ألفاً من السريان، كما نفذت مجزرة أخرى في جبال طوروس وجبال أزل وماردين وهكاري قتل فيها أكثر من 600ألف من الآشوريين والسريان بين عامي 1914-1916م.

وأضاف سينو بالقول "وقعت مجزرة في سهل أورميا ضدهم بلغ عدد القتلى أكثر من 500ألف مدني سرياني   وعرفت هذه المجزرة باسم مذابح السيفو، نسبة إلى الطريقة التي قتل فيها السريان بالسيف".

أما الإيزيديين فقد ارتبطت المذابح والمجازر الإيزيدية بالحملات العثمانية الموجهة ضدهم ومنذ قرون والتي بلغت أكثر من 74حملة، " قاد محمد رشيد باشا حملة، تعرضت على إثرها مدينة سنجار للتدمير الكامل، ثم قاد حافظ باشا حملة عسكرية قتل فيها أكثر من900إيزيدي، بالإضافة إلى أسر 600 من رجالهم وسبي النساء والأطفال وبيعهم في أسواق الموصل والمناطق المجاورة. وتكررت الحملات بذات الطريقة حتى قيام الحرب العالمية الأولى. كان من نتيجتها تشرد الإيزيديين على دفعات في روسيا وأوكرانيا وأذربيجان وأرمينيا وألمانيا وبقية البلدان الأوربية.

14من آب عام 2007 م استهدفت الجماعات الإرهابية الإيزيديين في العراق بهجوم كبير راح ضحيته  800 من الإيزيديين، وفي عام 2014 م بعد سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش صارت تركية الممر الرئيسي لعبور الإرهابيين إلى العراق وسوريا، تعرضت مدينة سنجار "شنكال" إلى هجوم كبير من داعش الإرهابي قتل فيها الآلاف بين قتيل وأسير ومخطوف.

أما بالنسبة للشعب الكردي فقال سينو "قامت الدولة التركية بعد ثورة 1925م بدفن أكثر من 2000من النساء والأطفال والشيوخ وهم على قيد الحياة كما ارتكب الاتحاديون في نفس الفترة مجزرة جديدة بعد تسلمهم السلطة ضد الكرد، قتل فيها أكثر من 500 ألف كردي".

وأكد سينو بأن حصيلة القتلى في مجزرة زيلان 47ألفاً من الكرد.

 وأثناء القتال الدائر بين الدولة التركية والكرد في فترة ما بين الحربين العالميتين، قتل حوالي 400 ألف كردي، وجرى ترحيل حوالي 700 ألف كردي.

 ففي عام 1978م شهر أيلول قتل 3856كردياً بعد مجزرة مرعش بثمانية أشهر، وأثناء انقلاب 1980م اعتقلت الدولة التركية 10790 كردياً، وفي عام 1983م اعتقلت 60 ألف من الكرد. 

وللحديث عن التطهير العرقي والديموغرافي في عفرين أشار سينو بأن الدولة التركية ما تزال  مستمرة على سياسة الغزو والإنكار والإبادة والتطهير العرقي وحتى الديموغرافي، على نفس سياسة الاتحاديين والكمالين حتى الوقت الحاضر هذه الذهنية الفكرية والسياسية والممارسات الميدانية هي التي تعكس وتبرهن طبيعة وحقيقة الدولة التركية في عفرين حالياً.

وفي سياق حديثه تحدث عن الانتهاكات التي مارستها تركيا في عفرين من قصف بالطائرات وراجمات الصورايخ والمدفعية الثقيلة من تاريخ 1/ 2/ 2018م ولغاية 28/2/ 2018.

وللحديث عن التغيير الديموغرافي في عفرين قال سينو "استمر نهج الغزو والقتل المتعلق بالإبادة والتطهير العرقي والتغيير الديمغرافي في عفرين. كنهج تعتاش منه الدولة التركية، لمنع قيام أي كيان ديمقراطي وتحرري في سورية والمنطقة وتوطين الموالين لها في منازل الأهالي، فبعد مرور خمسة أيام على القصف التركي هجر قسرياً من عفرين 23و25 من شهر كانون الثاني 12000 مدني وفي 24من الشهر نفسه أخليت قرية جلمة بالكامل من أهلها. كما هجر قسرياً الأهالي من محيط عفرين ووصل العدد إلى أكثر من 200000 ألف مهجر، فبعد مرور خمسة عشر يوماً، تم نقل 50 عائلة من الغوطة القريبة من دمشق إلى ناحية جندريس غربي عفرين،ىواسكان 15عائلة تابعة للفصائل الموالية  في قرية قنمي وإسكان عوائل أخرى في عدد من الوحدات السكنية داخل عفرين لقد تم إحلال80 عائلة جديدة  من ريف حمص وحماه في منطقة خربة شران وإسكان 200عائلة قادمة من الضواحي الجنوبية لدمشق، وتقوم فرقة الحمزات بإرغام  أهالي قرية خيلاكا لترك  منازلهم بهدف إحلال 2000 عائلة من دوما السورية".

وأضاف بالقول "من تاريخ 18/3/ 2018م وحتى شهر أيار تم خطف أكثر من 3295 مدني  بذرائع باطلة وتعرضت أكثر من 30 امرأة لعملية الخطف والاعتداء، وإمعاناً في التغيير الديموغرافي  تعمل الدولة التركية على تغيير الهوية الثقافية والوطنية ولزرع ثقافة الغزو والقتل تقوم بقصف المواقع الأثرية و المقابر وممارسة  الانتهاكات ومثال ذلك ما تم في مزار شيخ زيد في حي الزيدية الذي تم نهبه ونبشه بشكل كامل من قبل الفصائل الإسلامية المتطرفة،(4)كما دمر سلاح الجو التركي ، مزار نوري ديرسمي و مسجد زيارة حنان  ومزار خاتونا فخرا ودمرت قبة لالش بشكل كامل، ومزار الشيخ بركات والذي يعتبره الإيزيديون والدروز مقاماً لأحد شيوخهم، ومزار الشيخ عبدالرحمن بقرية فقيرة ومزار سلطان بعبروش شمالي بلدة معبطلي وهو خاص بالطائفة العلوية، وتدمير كنيسة علبسكي وقصف ضريح رجل الدين العلوي يغمور دادا قرب حلب، وتم نهب قوس لمعبد في قرية كيمار التابعة لناحية شيروا نحت عليه طاووسان متقابلان ويتوسطهما رمز للشمس في جبل ليلون (5)، كما استهدفوا كنيسة جوليانوس بالقصف والتدمير و سرقته .و تم نهب 16 ألف قطعة أثرية معظمها خاصة بمنطقة عفرين. وتم تجريف مزار الشهيدة أفستا بمدينة عفرين في12/8/ 2018 م وقيام سلاح الجو التركي بقصف المواقع التاريخية الأثرية القديمة فقد تم تدمير المعبد الأثري في عين دارا وموقع براد وقلعة النبي هوري ودير مشمش وتل جندريس الأثري ومسجد صلاح الدين وضريح القديس مار مارون وتمثال كاوا الحداد".

مما يعني أن الدولة التركية تريد إزالة الثقافة الحضارية والأثرية لأبناء عفرين على اختلاف تنوعهم الثقافي والديني من العلويين والدروز والكرد والإيزيديين بما فيهم المسيحيين من السريان وزرع ثقافة جديدة هي ثقافة الغزو والإنكار التي نشأت عليها الدولة العثمانية. مما يعني أنها مستمرة في خطة التغيير الديموغرافي عن سبق إصرار، لقطع الروابط الثقافية والدينية والوطنية بين الأهالي والسكان في منطقة عفرين. كما أقدمت الدولة التركية والفصائل التابعة لها على تغيير أسماء الساحات والشوارع العامة بعفرين وريفها لفرض ثقافتها وتتريك المنطقة. وحتى البيئة والطبيعة لم تسلم من انتهاكات الفصائل المسلحة الموالية لتركية لقد أحرقوا الغابات وقطعوا أشجار الزيتون ففي قرية حمام قامت الفصائل باقتلاع 1500شجرة زيتون وإلحاق أكثر من25000 ألف شجرة إلى الجانب التركي وحرق أكثر من 1000 شجرة لقرية خورينا تحتاني وإضرام النيران في 2500 شجرة لقرية عداما وإصدار أوامر بدفع 1500 ليرة سورية عن كل شجرة زيتون في السهول العائدة للأهالي غير المتواجدين في مقابل السماح لأقاربهم أو من يرغب في رعايتها.

الخاتمة

تبين لنا من خلال البحث والدراسة، بعض الاستنتاجات التي يمكن اعتبارها بمثابة نتائج واضحة للمتابع والدارس وهي على النحو التالي.

1-أن لا تغيير في سياسة الدولة التركية، في جوهرها حيال شعوب المنطقة، سواء داخل الدولة أو خارجها لا سيما في محيطها الإقليمي. وبدا ذلك من خلال التطهير العرقي للأرمن والكرد والسريان والإيزيديين. فهي لازالت تتنكر لحقوق الشعوب المذكورة، ولازالت تتدخل وتهدد أراضي الدول المجاورة كسورية والعراق (كركوك وعفرين) وتتدخل في شؤونه الداخلية بحجة أمنها القومي.

2-رغم مرور قرن على الإبادات العرقية للشعوب المذكورة، لم يتم إجماع دولي بإقرارها لأسباب سياسية تتعلق بمصالح هذه الدول مع الدولة التركية كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية(1).

3-عدم اعتراف الدولة التركية بكل المجازر التي قامت بها بحق الأرمن والسريان والعرب والكرد والبلغار واليونانين، أمام الأمم المتحدة والجمعية العمومية وغيرها من المنظمات الدولية والحقوقية. لأسباب تتعلق بالإدانة الدولية وتقديم اعتذار يترتب عليه التزامات كتقديم تعويضات وإقرار بالحقوق.

4-إفراغ مناطق كاملة من السكان ديموغرافيا ًفي كردستان الشمالية وإزالة مدن كاملة مثال ديرسم وإقامة مدينة جديدة للمستوطنين تونجلي، وهذا ما حصل للأرمن والسريان والآشوريين في مدنهم وبلداتهم (1).

5-التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي في كردستان وميزوبوتاميا والشرق الأوسط أساء إلى النسيج الاجتماعي لهذه الشعوب وأشاع نوعاً من عدم الثقة بالمجتمع الدولي، كما حولت الملايين منهم إلى لاجئين في أوروبا والعالم وعفرين نموذجاً.

6-لم يبد العالم العربي والإسلامي موقفاً واضحاً تجاه الإبادة العرقية والتغيير  الديموغرافي تجاه شعوب المناطق المذكورة، بحالة لا مبالاة خاصة في سياق منظمة المؤتمر الإسلامي لأسباب سياسية وربما دينية.

7-المضي قدماً ومنذ قرون بسياسة النهج الديني السياسي للدولة التركية وحتى الوقت الحاضر وبرداء جديد عبر الأحزاب والمنظمات لخداع شعوب المنطقة والعالم الإسلامي برمته، لأسباب سياسية واستراتيجية.

8-مضي الدولة التركية قدماً في سياسة اللعب على التناقضات الدولية، خاصة بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي من جهة أخرى حتى الوقت الحاضر وكأن المسألة الشرقية تركت آثارها وظلالها على سياسة الدولة حتى اليوم. في محاولة منها ابتزاز الجهتين.

9-ضعف دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العمومية وكل المنظمات التابعة وكافة المنظمات الحقوقية والمدنية وحتى محكمة العدل الدولية وعدم فعاليتها في أي قرار سياسي وحتى إنساني أو حقوقي لإنقاذ الشعوب من كوارث حقيقية كما في الإبادات العرقية والتغيير الديموغرافي التي وقعت بحق الأرمن والكرد والآشوريين والسريان وغيرهم، وكما حصل مؤخراً في سنجار وفي عفرين وفي سوريا عموماً.

10-على الرغم من السياسة التركية المتبعة في التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي منذ قرنين إلا أنها لم تستطع القضاء على جذوة المقاومة لدى شعوب المنطقة، ورغبتها في التحرر والاستقلال.

أما في محاضرة الدكتور في الآثار سليمان إلياس فقد جاء التالي:

نتائج الغزو والاحتلال التركي على عفرين

من الناحية الأثرية

"إن  نتائج الحرب الدائرة في سوريا كارثية، وهي تمسّ جميع أشكال الحياة (البشر, والطبيعة, والبيئة), وكذلك الإرث الثقافي والتاريخ.

"لا تنتهي سياسات إخضاع المناطق وغزوها, ولا جرائم التطهير العرقي في ثقافة الحرب وعُرفها,فالحرب لا ترحم، ولا ترضى بما هو أقل من تدمير الهوية التاريخية، وشرعنة الأفعال الشنيعة، وهدم وتفكيك المجتمعات على رؤوس أبنائها، مختزلة كل ذلك بعامل واحد يقوم على اجتثاث الجذر الأساسي للشعوب، وفصلها عن النسيج الأصلي الذي قامت ونبتت فيها".

والعيّنة الحديثة على طمس الهوية الثقافية والتاريخية للشعوب وتدميرها هو الغزو والاحتلال التركي لإقليم عفرين، الغزو الذي أدى إلى تدمير ونهب المعالم الأثرية المدرجة على لائحة التراث العالمي لدى اليونسكو، ومن المواقع الأثرية المتضررة بشكل جزئي أو كلّي نذكر منها:

تقع براد في شمال سوريا، وتعد من المدن المنسية عدد سكانها حوالي 500 نسمة، وهم من الكرد, وهي تقع جنوب عفرين وعلى بعد 40 كم شمالي حلب, ويعود تاريخ هذه القرية إلى العهد البيزنطي، وقد اكتسبت أهمية كبيرة عام 2004 حين ثبّتت أبرشية حلب المارونية وجود ضريح مار مارون، شفيع الكنيسة المارونية، واعتبرته  مكاناً للحج.

ومن آثارها المادية أيضاً كنيسة جاليانوس، وهي مسماة على اسم المهندس "جوليانوس السوري" الذي قام ببنائها على أنقاض هيكل وثني من القرن الثاني، وتعد ثاني أكبر كنائس شمال سوريا. وكذلك الكنيسة الصغيرة التي تم بناؤها على شكل ملحق أُضيف من الجهة الشمالية إلى كنيسة جوليانوس عام (407-420م)،وقد اكتشف فيها ضريح الراهب المشهور (مار مارون) حسب المعطيات الأثرية في الموقع.

وفي إطار الاستهداف الممنهج الذي قامت به قوات الاحتلال التركي للمواقع الأثرية والدينية السورية أقدمت الطائرات التركية على قصف موقع براد، والمسجّل على لائحة مواقع التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو"، منذ عام 2011, وقد أدى القصف إلى تدمير الكثير من المباني الأثرية المهمة ومن ضمنها ضريح القديس مار مارون وكنيسة جوليانوس، التي تعد من أقدم الكنائس المسيحية في العالم،حيث تم بناؤها نهاية القرن الرابع الميلادي.

عين دارا موقع أثري يقع على بعد 5 كم إلى الجنوب من مدينة عفرين، وهو من المواقع المهمة من الناحية الأثرية، وتكمن هذه الأهمية في هيكل المعبد الذي يعود تاريخ بنائه إلى الفترة (1200-740 ق.م)، وكان يُبرز مظاهرالفنون والعمارة وتطورها في شمال سوريا القديمة، وكان المعبد مخصصاً لعبادة الآلهة "عشتار"، ورب الطقس"هدد"، حسب المكتشفات الأثرية.

تعرّض المعبد للقصف العنيف من قبل طائرات الاحتلال التركي؛ مما أدى إلى تدمير الموقع بشكل شبه كامل.

مدينة أثرية في مقاطعة عفرين, وكانت إحدى المدن الهامة في العصر الهلنستي اليوناني، احتلها الرومان عام 64 ق.م، ورمم أسوارها الإمبراطور البيزنطي جوستنيان، وهاجمها كسرى الأول عام 540 م، ودخلها المسلمون صلحاً عام 637 م بقيادة عياض بن غنم،وبعد الغزو الفرنجي حررها نورالدين الزنكي من الفرنجة، وبنى قلعتها، وجدد تحصيناتها والكثير من مرافقها.

المدينة محاطة بسور،وفي وسط هذا السور مدرج دائري ومنصة تمثيل, وفي شمال هذا المسرح كنيسة كبيرة(بازليكا)، وأخرى صغيرة, وفي الجهة الغربية تقع المقابر، كما يقوم قوس "التيترابيل" جنوب أسوار المدينة.

اعتدى الاحتلال التركي على هذا الموقع المهم ودمّره عن طريق الجرْف،ثم قام ببناء التحصينات العسكرية في حرم المنطقة الأثرية، وكذلك قام بأعمال تنقيب غير شرعية، ومنها استخدام أجهزة الكشف عن الآثار؛ مما أدى إلى تخريب أغلب المباني الأثرية في الموقع, وذلك بعد الاحتلال التركي لعفرين.

وتستمر أعمال المنتدى الدولي حول التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي في عفرين بالجلسة الثالثة والتي تتمحور حول الجانب التاريخي من التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي في عفرين.

ANHA