مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة

شهدت الحرب الطاحنة التي مرت بها منطقة سريه كانية في مقاطعة الحسكة على بطولاته، فكثيراً ما كانت العين تراه يقاتل في الطليعة، كانت الحرب قاسية لكنها لم تخمد نار قلبه التواق إلى الحرية التي ضحى بجسده أخيراً في سبيل تحقيقها.

مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
مراد نجم الدين... قصة من قصص مناضلي الثورة
الجمعة 30 تشرين الثاني, 2018   03:10

شيندا أكرم / الدرباسية

قصصٌ كثيرة ولدت من رحم الحرب والثورة، لم تكتب جميعها ولكن الحاجة لكتابتها كبيرة، لأنها تحمل العبر والدروس وتاريخ منطقة اشتعلت بالنار على مدى عقود.

في ثورة روج آفا(غرب كردستان/شمال سوريا) كان هنالك أحداث ووقائع كثيرة بحاجة إلى أن تكتب، لتنقل المعنى الحقيقي لما عاشه من ناضل وما يزال يناضل هنا رغم كل الظروف الصعبة.

اليوم سنتحدث عن المقاتل مراد نجم الدين الاسم الحركي شيار درباسية. عندما كان يناضل هناك في ساحات المعركة لم تكن الإمكانيات كبيرة، لكن الإرادة والدافع كانا كبيرين، إيمانه بأحقية انتصار قضية شعبه، كان حاضراً لذا لم يتوقف.

في عام 1995 في ناحية الدرباسية فتح مراد عينه على الحياة وكانت مسيرة حافلة وواعدة تنتظره.

في حضن عائلة عرفت بوفائها للوطن ترعرع وتميز فيها بوسامته وروحه المرحة. ولعل أبرز ما كان يميزه هو وفاءه المطلق لأصدقائه، لأنه لطالما كان يحرص على عدم نقض الوعود التي كان يطلقها.

أحب مراد منذ صغره تربية الطيور، واعتنى بالحمام كثيراً وكان له بها تعلق عجيب. بعيداً عن ذلك، تخلى مراد عن دراسته باكراً وعمل في بعض الأشغال الصعبة للمساهمة في تأمين دخل العائلة.

كان يعيش حياة هادئة وطبيعية حتى بدأ كل شيء يتغير حينما انطلقت شرارة ثورة روج آفا وعرف عندها الواجب الوطني الملقى على عاتق الشبيبة.

مع انطلاق الثورة في روج آفا عام 2012، كانت فرصة تاريخية متاحة أمام أبناء الشعب الكردي في شمال سوريا لانتهازها واسترداد ما سلبه أعداء الشعب الكردي على مر التاريخ. لكن كانت مخططات دول الأعداء ما تزال سارية، لذا كان يستوجب على الشبان الانضمام إلى الثورة والمشاركة في حمايتها عسكرياً وتنظيمياً من الداخل.

رأى مراد ذلك الواجب عندما انضم إلى صفوف الشبيبة ومن بعدها إلى وحدات حماية الشعب التي شارك في مؤتمرها التأسيسي.

كان العدو يروج للهجرة، وفي بداية الأزمة السورية ازدادت حركة الهجرة إلى الخارج، لكن كان لمراد موقف واضح وصريح منها، كان يقول لشقيقته صابرين نجم الدين أن الشبان الذين تركوا ارضهم أرضهم وسافروا إلى الخارج "هربوا من المسؤولية وأداء الواجب الذي يقع على عاتقهم لحماية كرامتهم".

ارتداء الزي العسكري...أول خطوة!

تتذكر أمل نجم الدين والدة الشهيد مراد، أن ابنها جاء من بعيد في إحدى الأيام حينما كانت جالسة في حديقة المنزل وهو يرتدي زياً عسكرياً خاصاً بوحدات حماية الشعب.

عندما اقترب من والدته، سألها "أمي ما رأيك بي"، استغربت الوالدة من ابنها الذي بدت تراه للمرة الأولى على هذا النحو، وقالت "ما هذا الذي ارتديته".

كان جوابه واضحاً عندما قال لوالدته "أمي هذا هو الزي العسكري لوحدات حماية الشعب، هذه قواتنا الجديدة، سيأتي يوم تفتخرين بي لأنني ارتديتها، أنا لم أعد صغيراً، سأنضم إلى الوحدات لأن هنالك واجباً ملقى على عاتقي، يجب علي أن احميكم أحميكم وأحمي أرضي" .

لم تستطع بعد كل هذه الكلمات والدة الشهيد مراد النطق بكلمة واحدة، لكن شعوراً غريباً سكن قلبها بعد تلك المحادثة.

القصة بدأت من هنا!

قبل ذلك، يقول الشاب مالك وهو رفيق درب الشهيد مراد، أنهما كانا مثل التوأمين لا يفارقان بعضهم البعض، سواء في اللهو أو العمل منذ الصغر.

يتذكر مالك أنه شارك في مراسم تشييع الشهيد رستم جودي القيادي في حركة التحرر الكردستانية، وكانت تلك المراسم هي التي شجعتهم على الانضمام إلى صفوف الشبيبة الثورية ثم وحدات حماية الشعب.

عمل مراد ورفيق دربه مالك في صفوف الشبيبة بينما كان النظام البعثي ما يزال قائماً في المنطقة ومناطق شمال سوريا لم تكن محررة بعد، كان ذلك يخلق لهم صعوبات عدة لكنهما لم يتوقفا عن العمل.

فكرٌ أقوى بعد التدريب!

ولم تمضِ مدة منذ بدئه العمل في الشبيبة حتى قرر مراد الانضمام إلى وحدات حماية الشعب، وخضع للتدريب الفكري والعسكري في صفوف الوحدات وعندها بدأت نظرته للأمور تتغير.

في إحدى زياراته إلى العائلة، تسأله والدته أمل عن حاله، فيجاوبها فيجيبها "أمي، الحمد الله أنني اخترت هذا الطريق"، الأم: "لماذا يا بني، هذا الطريق صعب للغاية واحتمال الموت فيه وارد!"، رد عليها قائلاً "أمي، طريقي هو طريق الشرف، من سيحميكم إن لم ننضم إلى هذه الثورة العظيمة التي هي فرصة تاريخية لنا نحن الكرد".

وتابع "سأقول لك شيئاً مهماً، لقد تعرفت خلال التدريب على الكثير من الحقائق حول تاريخ الكرد وثوراتهم، لقد علمت من نكون، ولماذا يجب أن نناضل، إن لم ندفع أغلى ما لدينا لن نستحق العيش في هذه الحياة".

كل هذه الحقائق وربما أكثر، كانت مغيبة عن فكر الشبان الكرد، بالرغم من أن تاريخ الشعب الكردي مليء بالمآسي لكن الشبان الكرد لم يكونوا على أدنى معرفة بحقيقتهم التاريخية، نظراً لما فرضته دول الأعداء من حرب نفسية وإعلامية خاصة في كردستان.

الحرب على الأبواب

شارك مراد بفعالية في حملات تحرير مدن اقليم إقليم الجزيرة من النظام السوري، تتذكر المقاتلة كولي(Gulê) إحدى رفيقات درب الشهيد مراد، أن رفيقها كان من أحد المقاتلين الثوريين حينها، وتضيف "بعد حملة التحرير، أيقن مراد أن الأمور حساسة، لذا طلب مني أن يخضع جميع رفاقنا للتدريب على كيفية استخدام السلاح والحماية من العدو أثناء الهجمات".

تتذكر والدة الشهيد مراد إحدى المرات التي جاء فيها بزيارة إلى المنزل وقال لها "أمي، الحياة التي يعيشها رفاقنا صعبة، انتم أنتم هنا تنامون وتأكلون وتشربون، وهم في البرد والحر كل يوم يعملون إلى حماية هذه الأرض وسكانها، لذا يجب أن تعملوا في صفوف الثورة أكثر حتى تنتصر".

آخر المعارك!

بعد تحرير مدن اقليم إقليم الجزيرة من النظام السوري، بدأت الكثير من المجموعات المرتزقة وبتسميات مختلفة شن هجمات على المناطق المحررة التي كانت تحميها وحدات حماية الشعب.

في عام 2013 شنت جبهة النصرة(هيئة تحرير الشام حالياً) وهي فرع لتنظيم القاعدة في سوريا هجمات على منطقة سريه كانية التابعة لمقاطعة الحسكة، كانت تلك المعارك أولى الاختبارات القاسية بالنسبة لثورة روج آفا ووحدات حماية الشعب وهي اعتبرت من المراحل المفصلية التي مرت بها إلى جانب أحداث معركة كوباني التاريخية.

كان إرهابيو النصرة يتلقون دعمهم من الجانب التركي بشكل واضح وصريح، كانت الدولة التركية تدخل الدبابات والأسلحة وحتى سيارات الاسعاف الإسعاف إلى الطرف الحدودي في روج آفا لمساعدة النصرة.

يقول رفيق دربه شورش عن تلك الأيام "كل هذا(الدعم التركي للإرهابيين) كنا نراه بأم أعيننا، وفي أحد الأيام اشتدت الاشتباكات في قرى سريه كانية ومنها قرية كشتو، وهاجمتنا جبهةالنصرة بالدبابات، وعندما كنا في الخندق قام الشهيد مراد وحمل قاذف آر بي جي وفجر دبابة للإرهابيين ولكنه في طريق العودة أصيب برصاص قناصة ووقع جريحاً".

كان رفيقه مالك معه آنذاك، يقول مالك أنهم أسرعوا إليه لإسعافه إلى المشفى لكن مراد رفض، وخلع قطعة قماش كان يربطها برأسه وربط بها جرحه وواصل الحرب.

لم تكن حالته تلك تسمح له بمواصلة المعركة، لذا سرعان ما سقط على الأرض لشدة نزف الدماء، وتم اسعافه إسعافه إلى مشافي مدينة قامشلو وقبع فيها لسبعة أيام واستشهد متأثرا متأثراً بجراحه في الـ26 من شهر آب/أغسطس عام 2013.

قال سأعود...لكنه لم يعد!

بدا الألم واضحاً على سمات شقيقته رمزية عندما تذكرت بعض اللحظات التي قضتها مع شقيقها في المشفى بينما كان مصاباً، تقول رمزية بأن مراد قال لها عندما رآهم يبكون عليه، "لا أريد رؤيتكم تبكون، أنا سأتعافى وأعود إلى القتال سريعاً لانتقم من جبهة النصرة".

لكن الموت غلبه، لتبقى الذكريات هي ما يملكه كل من تعرف على مراد نجم الدين الاسم الحركي شيار درباسية، المقاتل والشهيد في صفوف وحدات حماية الشعب.

يجلس رفيق دربه مالك، ويتذكر بعضاً من ذكرياته مع "توأمه" وصديقه الأول مراد، ويقول "أتذكر الآن كم كان فدائياً ومرحاً، أتذكر جيداً أغنيته المفضلة التي رددها في الحرب والسلم "Xezalê hêlî hêlî" وعندما كان يقول لي "نحن توأمان، صحيح أنك ولدت من أم ثانية، لكن روحنا واحدة...".

(ج)

ANHA