"الحويجة "هوية الريف الحقيقية

بمنظرها الخلاب والبسيط وألوانها الزاهية وهدوء الريف الحقيقي تجذب الجزر الطبيعية المتشكلة خلف سد الفرات من الجهة الشرقية، أو كما يطلق عليها السكان المحليون اسم "الحويجة" المئات من العائلات الراغبة في تمضية يوم جميل وهادئ بعيداً عن صخب المدينة.

"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
"الحويجة "هوية الريف الحقيقية
الأربعاء 28 تشرين الثاني, 2018   05:55

الطبقة

تعتبر الجزر الأربعة المتشكلة خلف سد الفرات بعد بنائه في سبعينيات القرن الماضي من أخصب الأراضي الزراعية في المنطقة، وتختلف طبيعة كل واحدة من الناحية الجغرافية فاثنين منها يمكن الوصول إليها عن طريق البر من الجهتين الشمالية والجنوبية عن طريق الممرات الزراعية والخدمية، التي تم شقها في فترة بناء سد الفرات.

أما الجزيرتين الباقيتين فلا يمكن الوصول إليهما إلا عن طريق الزوارق الصغيرة "الجاحوف" لنقل الأشخاص، بالإضافة إلى "البرك" أو العبر كما يسمى ويستخدم لنقل المعدات الزراعية والمواشي.

للحوائج تاريخ مرير أيضاً مع الأنظمة الحاكمة السلطوية التي كانت تسيطر على المنطقة قبل بناء سد الفرات وخاصة الاقطاع، حيث تعرضت مساحات واسعة من الجزر والتي كانت أرضاً زراعية واحدة قبل بناء السد للتجريف لاستخراج "البحص" مشكلة حفر كبيرة، لتصبح فيما بعد مستنقعات غير قابلة للسكن ولا حتى للزراعة، مجبرة قاطنيها سابقاً على الهجرة واتخاذ بعض المناطق المرتفعة القريبة مسكناً لهم كقرية "السويدية الكبيرة"  التي تقع في المرتفع الشمالي للجزر ناهيك عن تغيير مجرى النهر وغمر مساحات واسعة وهو أيضاً من الأسباب التي أجبرت سكان هذه المنطقة للرحيل.

وبعد بناء سد الفرات واستقرار مجرى النهر على وضعه الحالي، تمركزت بعض الفئات البشرية في المنطقة، وقاموا بتسوية الأرض بأنفسهم معتمدين على مجهودهم البدني وبعض الأدوات البسيطة، وأخذوا من جانب النهر مسكناً لهم ليمارسوا حياتهم الطبيعية من زراعة وتربية الحيوانات التي تشتهر بها المنطقة الفراتية.

مضت40 سنة وهم يعيشون على هذه الجزر

وخلال جولة لعدسة ANHA في هذه الجزر للتعرف على الأشخاص القاطنين فيها تحدث المواطن يدعى أبو جلال وهو من أقدم سكان هذه المنطقة ومعروف في المنطقة عن كيفية استغلالهم من قبل الاقطاع قديماً، حيث كانت تستهلك طاقاتهم لأبعد حد وكانوا يعملون في الأراضي حتى 24 ساعة وخاصة في مسألة الري التي كانت تعتمد حصراً على استجرار المياه عن طريق محركات الديزل التي لا يقوى على شرائها ألا الإقطاعيون مجبرين بذلك للانصياع لأوامر الاقطاعي لتأمين الري.

ورغم التطور الذي شهدته  المدينة وما حولها من قرى، إلا أن أبو جلال و30 عائلة أخرى تقريباً يعتبرون من الأساسيين المقيمين الذين رفضوا المغادرة رغم التقلبات الجغرافية التي قد تغير من طبيعة الجزر بين الفترة والأخرى حسب فتح أو إغلاق بوابات السد الـ 8.

أبو جلال تحدث ايضاً عن معيشتهم في فترة احتلال مرتزقة داعش للمنطقة حيث ذكرته هذه الحقبة السوداء بحقبة الاقطاع وسرقة مجهود الفلاح وقوت عياله، حيث كان المرتزقة يقفون على رزق أبو جلال وغيره من الفلاحين ويقتطعون من محاصيله بحجة الزكاة التي أكد أبو جلال أنه يدفعها قبل أن تخلق داعش.

الزراعة وتربية الحيوان والصيد من أبرز مقومات العيش في الحويجة

ويميز الحوائج عن غيرها تربتها الخصبة القابلة للزراعة بشكل كبير حيث تشتهر بزراعة الخضرة بكافة أنوعها من بندورة وخيار وباذنجان وكوسا وفليفلة وغيرها بالإضافة للقمح والشعير والبقوليات كالفول والفاصولياء.

وتحتوي الحويجة على العديد من البساتين الزراعية المتفرقة بكافة الجهات والمناطق التي تغطيها باللون الأخضر كـ أشجار الرمان والخوخ والتين والدراق والخ...

وبذلك يعتمد قاطنوها في عيشهم على المردود المالي من الزراعة بنسبة 90% تقريباً، وذلك لخصوبة تربتها وسهولة ريها باستجرار المياه عن طريق محركات الديزل.

وتنوعها الزراعي يجذب عين الناظرين لتكون مكاناً للاصطياف والتنزه لبعض العائلات القاطنة في المنطقة بكافة فصول السنة.

إلى جانب الزراعة يعمل أهالي الحويجة بتريبة الحيوانات من أغنام وأبقار ودجاج ليكونوا بذلك طبقوا الحياة الريفية الذاتية الصحيحة فضلاً عن ممارستهم لصيد الاسماك.

بقواربهم الصغيرة يتنقلون من حويجة إلى أخرى

وتلعب التضاريس الجغرافية للحوائج دورها بعملية التنقل بين كل حويجة وأخرى، حيث تستخدم القوارب الصغيرة والعبارات في التنقل بين جزيرة وأخرى عدى الجزر التي يمكن الوصول إليها عن طريق الممرات البرية المذكورة آنفاً.

وتعطي هذه الطريقة من التنقل رونقاً خاصاً ومتعة، لأنها تتعلق بهذه المنطقة فحسب وتعبر عن تاريخ المنطقة القديم، حيث كانت هذه الوسائل من النقل تستخدم من قديم الزمان وانقرضت مع تطور وسائل النقل وبناء الجسور.

يعتمدون في مسكنهم على بيوت الطين "اللبن"

يعتمد سكان الحويجة في بناء منازلهم على أرضهم أيضاً فبيوتهم كلها من الطين "اللبن" ويسقفونها من "الزل" الذي ينمو بكثرة على ضفاف الحويجة ونوافذها وأبوابها أيضاً من خشب الأشجار الموجودة فيها أي أنهم يمتلكون الاكتفاء الذاتي في تأمين المسكن وبتكاليف منخفضة.

لم تكن الحياة على طبيعتها بوجود داعش

رغم الانعزال الجغرافي للحوائج والتي تبعدها عن الأعين إلا أن ممارسات داعش التكفيرية طالت تلك المناطق ليعيش سكانها معاناة أكثر من غيرهم، ففضلاً عن منع النساء فيها من العمل في الأرض وممارسة الإرهاب عليهن فإن المرتزقة اتخذوا من هذه الجزر مكاناً للاستجمام مؤرقين بذلك حياة السكان.

وبهذا الصدد تحدث أحمد الشام أحد المزارعين المقيمين في تلك الحوائج أثناء تنقلنا معه بقاربه الصغير بين الحوائج عن حجم المعاناة التي مر بها سكان المنطقة أثناء سيطرة مرتزقة داعش.

"لم تكن الحياة طبيعية " هذا ما شدد عليه أحمد الشام أثناء حديثه بمعنى أنه خلال عملهم في الحقول الزراعية لم تكن ترى سوى الرجال، وهذا ليس من طبيعة الحياة الريفية بل أن للمرأة الدور الأكبر في ممارسة الأعمال الزراعية من حفر وزرع وقطف وحتى قيادة القوارب التي يظن الكثيرون أنها متعلقة بالرجال وحدهم.

حتى أيديهم الملطخة بدماء الفقراء طالت رزقهم أيضاً ليقاسموا الفلاحين الفقراء رزقهم بحجة الزكاة وجباية الضرائب وتحصيل آجار الأراضي منهم.

إلى جانب هذه المعاناة المريرة ترفقه معاناة انعدام التيار الكهرباء فهذه الحوائج ما زالت تعاني من عدم وصول التيار الكهربائي منذ توالي سيطرة الفصائل الإرهابية وقيامهم بعمليات السرقة والنهب، لتكون المحولات الكهربائية الخاصة بهذه المناطق ضمن لائحة المسروقات.

ومرة أخرى تتعرض الحوائج للانتهاكات ولكن بصورة أخرى ومن بعيد ألا وهي الدولة التركية الفاشية التي تحارب شعوب شمال شرق سوريا عن طريق قطع مياه نهر الفرات الشريان الرئيسي وعصب الحياة في المنطقة، مما يؤثر ذلك سلباً على الزراعة في الحويجة من خلال ارتفاع منسوب المياه تارة وانخفاضه تارة أخرى، مما أدى أيضاً إلى عدم الاستقرار في الحويجة.

وتمنى أحمد الشام في نهاية جولتنا معه أن يجد من ينظر بعين الاعتبار لمسألة إيصال الكهرباء لمنازلهم خاصة وأن تكاليفها باهظة جداً إذا ما أوصلوا الكهرباء على نفقتهم حيث تصل التكلفة لأكثر من مليون ليرة كأقل تقدير.

بعد التحرير حتى الأطفال نالوا حقهم

بعد تحرير المنطقة من رجس مرتزقة داعش الإرهابي في 10آيار/ مايو من العام المنصرم على يد مقاتلات ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية عادت الحياة لطبيعتها بحسب ما قاله سكان الحوائج.

لتعود المرأة حرة مرة أخرى تتجول بين البساتين والمحاصيل الزراعية لتضع بذلك لمستها السحرية على كل ما تراه الأعين.

وخلال فترة سيطرة النظام السوري لم تتوفر أبسط الحقوق وأهمها حق التعليم للطفل بحجة قلة عدد الطلاب فيها وعدم توفر المواصلات، فضلاً عن جغرافية المنطقة الصعبة للوصول إليها، وبذلك تم نسيان الأطفال ونسيان حقهم الطبيعي بالقراءة والكتابة.

ولكن مع تأسيس لجنة التربية والتعليم في الإدارة المدنية الديمقراطية لمنطقة الطبقة وضعت نصب عينها إيصال العلم لكافة الأطفال أينما وجدوا ومهما كلف الأمر، فقامت بافتتاح مدرسة فيها وتعليم أكثر من 50 طفل من أبناء سكان المنطقة.

(كروب/س)

ANHA