"حرية المجتمع تمر من حرية المرأة" موضوع نقاش الجلسة الخامسة من المؤتمر

الجلسة الخامسة من المؤتمر انطلقت تحت عنوان "رسم المسار الصحيح للنفاذ من أزمة الشرق الأوسط" والتي ركزت على نظرة أوجلان لحرية الشعوب عامة والمرأة بشكل خاص في مجلده "سوسيولوجيا الحرية" بالإضافة للحديث عن الانجازات التي حققتها المرأة في شمال وشرق سوريا من خلال تطبيق مشروع الأمة الديمقراطية.

"حرية المجتمع تمر من حرية المرأة" موضوع نقاش الجلسة الخامسة من المؤتمر
الأحد 18 تشرين الثاني, 2018   09:34

بيروت

المحاضرة ألقتها بشرى العلي الناشطة في المجال الإعلامي وهي عضوة الهيئة الإدارية في منظمة المرأة الكردية للعلاقات "ريباك" ومسؤولة العلاقات في المنظمات النسائية في بلدان الشرق الأوسط.

افتتحت بشرى العلي محاضرتها بالإشارة إلى عنوان محاضرتها "سوسيولوجيا الحرية" وقالت أن هذا العنوان المختصر أفرد له قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان مجلداً خاصاً لشرح الحريات بكل تفاصيلها، وعالج قضايا المجتمع بشكل متكامل، وأكد أن المشرق كان هو منهل العلم والثقافة التي انتهل  منها العالم وخاصة الغرب.

قراءة في سوسيولوجيا الحرية

وأضافت بشرى: علم الاجتماع المعني بدراسة تلك الوقائع الاجتماعية ومسارها ضمن التاريخ البشري، سيكون من الأفضل تسميته بسوسيولوجيا الحرية، كون أن كل لحظة خلق تتضمن الإبداع في جوهرها، وترتبط بأحد جوانبها بالحرية. من هنا، فسوسيولوجيا الحرية هي نوع من أنواع سوسيولوجيا الذهنية، وحقل ضروري جداً من حقول علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، لأنه معني بمسيرة الإنسان الذي يتميز ذهنه بالمرونة المذهلة وقابلية عقله للإبداع الخلاق الذي لا مثيل له من بين الكائنات الحية الأخرى بفضل تميزه عنها بالمجتمعية.

وأشارت بشرى أن البشرية تنتقل من استعمال لغة الإشارة البدائية إلى اللغة الرمزية الأرقى، وتبتكر بفضلِ جهودِ المرأة عدداً لا حصر له من النباتات للأكل، وتكتشف النار والزراعة، وتخترع آلات النسج وتصنع الفخار والرحى، وتقوم بتدجين الحيوانات وإنشاء البيوت وغيرها من الأمور والظواهر في شتى الميادين، راصفة بذلك الأرضية المنيعة للتطور الذي ستعتمد عليه البشرية في رقيها وتقدمها حتى يومنا الراهن.

إنه تحول وانفجار ذهني ملفت وصاعق للنظر بكل ما للكلمة من معان. ومن الطبيعي أن يتمثل هذا الانفجار والتحول في رسوم الإلهة الأم التي ترمز للمجتمع النيوليتي وإلى سمو دور المرأة الأم، لأنها صاحبة تلك الاكتشافات والاختراعات التي تعني ثورات ذهنية شاملة استلزمت جهوداً حثيثة أصيلة للغاية. ومع سمو دور المرأة إلى مرتبة الإلهة – الأم، تقوم الراهباتُ بتشييد معابدهن في كل قرية، بل وفي كل مدينةٍ أُنشِئت لتوها (أوروك، أور)، بحيث يكون لكل واحدة منها آلهتها الأنثى التي تحميها وتدافع عنها.

لكن الرجل القوي والماكر الذي يستنهل قوته من حرفته في الصيد، يعمل على كسر طوق قدسيةِ المرأة – الأم. ويلجأ في ذلك إلى التحالف مع الشبان اليافعين، وربما كان هذا أول تحالف منظمٍ تمخض عن قائدٍ ماكرٍ وحاشية عسكرية منتظمة ملتفةٍ حوله ومضادة للمرأة. ثم يدخل الشامان حلقة هذا التحالف الثنائي، مزوداً إياه بخبرته ومهارته العملية (علمه)، ومؤدياً دور الراهب والساحر معاً، موطداً بذلك من التحالف، ومصيراً إياه ثالوثاً راسخاً في النظام الأبوي على حساب النظام الأمومي.

ونوهت بشرى أنه باتت المرأة عبداً منزلياً للرجل، بعد خوضها كفاحاً مريراً تجاه سياق الرجل المليء بالسحق والمجازر والإهانة والاعتداء الرهيب، وباتت مجرد آلة لإنتاج "النسل" تُؤَمِّن الذُّرِّيّة باستمرار، ومُلكاً خاصاً إلى أبعد حد، بحيث يحق للرجل قتلها متى شاء، وليس في الأمر أية مبالغة.

وتقول بشرى: كما أنّ حبسَ المرأةِ في المنزل ليس مجردَ أسرٍ مكانيّ. بل إنه اغتصاب جذري لحقوق وكدح المرأة (أي لاقتصاد المنزل)، بحيث يعتمد على سوء معاملتها بدرجة ممنهجة عبر مختلف وسائلِ العنف والشدة، بل وحتى بوسائل الحَطِّ الأيديولوجي، حتى يتم تجريدها من القيم الإنتاجية والتربوية والإدارية والتحررية بما يتعدى وضع الاستسلام بكثير، بل ويتسبب في إضاعتها هويتَها كلياً بمجرد تحولها إلى "زوجة".

ونوهت بشرى أنه بلغ هذا التردي ذروته في عصر الرأسمالية عن طريق أيديولوجية الليبرالية المعتمدة على أداة الدولة القومية، وذلك من حيث استغلال المرأة بكدحها وبدنها ومشاعرها وكل مهاراتها وطاقاتها وعلى جميع الأصعدة. فقد تم فرض التحول السلطوي على الأسرة من خلال محورتها حول الرجل الذي بات ممثلاً للدولةِ داخل خلية العائلة.

وأردفت: نستنتج من ذلك أن الرأسمالية عدو المرأة الأم كقوة خالقة للاقتصاد. فقد تُرِكت نسبة ساحقة من الجماهير النسائية عاطلة. ورغم كون أشغال المنزل هي الأصعب، إلا أنها لا تساوي خمسة قروش. ورغم أن إنجاب الطفل وتنشئته من أصعب الأعمال، فقد بات بخس القيمة، بل وبات وكأنه بلاء مسلط على المرأة. بالتالي، فقد باتت المرأة موضوعاً للامساواة واللاحرية واللاديمقراطية، ليس في الطابق السفلي من المجتمع وحسب، بل وفي جميع طوابقه وطبقاته وشرائحه. وبات تاريخ المدنية بأكمله يسجل تاريخ ضياع المرأة وهويتها وكيانها كإنسان.

وقالت بشرى: من هنا، فمصطلح علم المرأة Jineoloji قد يرمي إلى الهدف المأمول. فالظواهر التي سيبرزها لا بد أنها ستكون أكثر واقعية مما عليه كثير من الحقول العلمية المنضوية تحت كنف علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، فالمرأة تحتل الحيز الأفسح من الطبيعة الاجتماعية جسداً ومعنى. والتنوير الحقيقي الشامل للطبيعة الاجتماعية غير ممكن إلا بالتنوير الحقيقي والشامل لطبيعة المرأة ووضعها، بدءاً من استعمارها كأنثى إلى استعمارها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وذهنياً.

واختتمت بشرى علي محاضرتها بقول قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان "الخوف الفكري يكمن خلف كل المخاوف".

نموذج الأمة الديمقراطية باعتباره بديلاً جذرياً لنموذج الدولة القومية

بعدها ألقت نائبة الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أليازبيت عيسى كوريه محاضرة بعنوان "نموذج الأمة الديمقراطية باعتباره بديلاً جذرياً لنموذج الدولة القومية، وكيف يمكن تجاوز ظواهر الدولة القومية والسلطة والعنف عن طريقه؟.

وأشارت كورية إلى نموذج الأمة الديمقراطية التي تم تطبيقها في شمال وشرق سوريا والتي أثبتت أنها نموذج مثالي للمناطق التي تتميز بتنوع اجتماعي وثقافي وقومي وديني، وأن هذا المشروع يمكنه احتضان الجميع تحت لافتة العيش المشترك وأخوة الشعوب.

وقالت كورية:" إن الدولة القومية في الشرق الأوسط عملت على ارتكاب الكثير من المجازر بحق شعوب المنطقة للقضاء على التنوع وتبنت اللغة الواحدة والعلم الواحد والأرض الواحدة وحتى وضعت مناهج دراسية تقدس فيها الدولة القومية وتهمش فيها باقي الشعوب، ولكن كل تلك المحاولات في إبادة الشعوب وإنكارها لم تفلح فالشعوب المناضلة لا تموت، وإن فكر أوجلان كان هو الدواء الشافي البديل للدولة القومية الفاشية وللخلاص من كافة المجازر وإلغاء الآخر".

واختتمت كلمتها بالتأكيد أن اعتماد أسلوب الديمقراطية التوافقية المجتمعية هي الضمان لعدم انجرار الشعوب خلف الدولة السلطوية الديكتاتورية، وخلق مجتمع حر ديمقراطي يجد كل فرد وكل شعب فيه حريته وكرامته ويعبر عن لغته وثقافته بشكل حر.

ثورة المرأة شرط محوري لإنجاز الثورة الشرق أوسطية

أما الفقرة الثالثة من المحاضرة ألقتها الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي عائشة حسو والتي تحمل عنوان "دورة المرأة شرط محوري لإنجاز الثورة الشرق أوسطية المعاصرة".

واستهلت عائشة محاضرتها بالقول: تعتبر قضية المرأة من أهم القضايا المجتمعية التي تشهدها منطقتنا، فهي مازالت تُقتل، تُرجم، تُختَن، تُضرب، تعنّف، وتُعَدُّ من ممتلكات الرجل.

الكل يتفرج بصمت على سقوط المرأة يومياً، دون الإدراك بأن سقوطها يعني سقوط الرجل أيضاً، مما يعني سقوط المجتمع بأكمله.

فكيف لنا أن نقول عن مجتمع بأنه حرٌّ وتسوده الديمقراطيةُ والقيم الوجدانية ومازالت المرأة فيه مسلوبة الإرادة مهضومة الحقوق؟؟. بل كيف يمكننا أن ننشئ جيلاً واعياً في مجتمعٍ والمرأة فيه معدومة الثقافة والتعليم؟

لن نكون من المبالغين لو قلنا: إن السبب الأساسي في تخلف مجتمعاتنا وافتقاد الأفراد فيها لقوة المعنى والحقيقة، هو وضع المرأة المأساوي.

لقد تحولت المرأة في مجتمعنا إلى آلةٍ لإنجاب الأطفال ويتم إنهاك قوَّتها لكثرة الإنجاب ويتآكل جسدها سنة بعد سنة فيتم ولادة جيل جاهل محروم حتى من أبسط مقومات الحياة، وما زالت العقلية القبلية والعشائرية تتحكم بها وتخدعها وتدفعها نحو الإكثار من عدد الأولاد، وكأنه إذا كثر عددنا كشرق أوسطيين نكون أقوياء؛ لأن مفهومنا للقوَّة هو مفهوم كمي وليس نوعي؛ ونتناسى أن العدد لم يَعُد له قيمة أمام قوة العقل.

من كل ما سبق نستخلص أنه هناك حاجة ماسَّة للبحث عن نظام آخر للحياة يُرتِّبُ العلاقة بين الرجل والمرأة والمجتمع من جديد في كافة المجالات ويُنظَمُها ونخصّ بالذكر السّاحة السّياسيّة الّتي لَطالَمَا عُرفت ورُبطت بأجهزة السّلطة والدّولة الّتي تربّعت فوق المجتمع وقيمه بكلّ ثقلها، بل كبّلته إلى حدّ الشّلل.

في المجتمع الكردي وجدنا أن أحد الأسباب التي تُبقي على مجتمعنا متخلفاً هو وضع المرأة، والثورة الفكرية حصلت فيه عندما انطلق القائد المفكر عبدالله أوجلان من المبدأ الذي يقول أن "حرية المجتمع تمرُّ من حرية المرأة".

لذا وخلال عشرات السنين تشكلت ثقافة جديدة في مجتمعنا، وبعد العام ٢٠١١ طرأت تغييرات على الوضع السوري، وفُتح المجال أمام هذه الثقافة لتتحول إلى نظام يترسخ عَمَلياً وهذا ما أكّده عملها في النضال الّذي اجتاز أعوامه الثّمانيّة، بأنه لا يمكن لثورة أن تتحقق من دون المرأة وجهودها، ونراها اليوم تتصدر دفة القيادة وتتواجد بقوّة في كافة المجالات وتبوأت مقاليد مهمة في الإدارات، ولعبت دورها الفعَّال في كافّة السّاحات ونظّمت نفسها وتخطّت حاجزَ التهميش الذي كان مرسوماً لها سابقاً. ومما لا شك فيه أن للمرأة الكرديّة دوراً بارزاً في ترسيخ النّظام الّذي خلق ثورةً مجتمعيّةً بامتياز، واستطاعت أن تكون الأيقونة والمثال الّذي يُحتذى به.

ففتيات سوريا اللواتي كنّ في المرتبة الثّانية اجتماعيّاً، بل ومهمّشاتٍ، أصبحن الآن يتصدّرن السّاحة العسكريّة، واستطعن كسرَ شوكةِ داعش الّذي يشكّل خطراً على العالم بأسره. وما كانت ملحمة (آرين ميركان) إلّا أسطورةً لِعَظمَةِ المرأةِ الّتي استطاعت أن تهزم إرهاب داعش وإيقاف مدِّه الاحتلالي، مما جعل من وحدات حماية المرأة البيئة الحاضنة لوجود المرأة الحرّة الّتي تحارب وتناهض كافّة المشاريع الّتي تعتمد على فرض عبوديّة المرأة، بل حتى تكون السدّ المنيع أمام أيّة هجمةٍ على وجود المرأة ككيان.

فثورة المرأة في شمال وشرق سوريا عَمِلت على تحليل الحياة الاجتماعية من جديد، وبدأت بتعريف العلاقة بين المرأة والحياة، المجتمع، الحرية، وبين الحياة ومعنى الشيء، وبين الحياة الاجتماعية والطبيعة، فبالتالي بين المرأة والرجل وخيرُ دليلٍ على هذه المعادلة هو تمكين وتكريس مبدأ المناصفة في كل المجالات.

أيضاً يعتبر نظام الرئاسة المشتركة من أحد الإنجازات والخطوات المهمة التي تحققت، بدءاً من أصغر كومين إلى أكبر مجلس يتم إدارته عن طريق رئاسة مشتركة بين الرجل والمرأة.

فوجود المرأة في هذه الساحة تحديداً هو حلٌ للقضايا الاجتماعية، لأن وجودها ضمن جهود الوصول إلى الحرية والمساواة يعتبر أساساً لطريقة البحث الصحيح، كون البحث الذي تُستبعد منه المرأة لا يمكنه أن يصل إلى الحقيقة ولا يمكن أن يحقق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

وقالت عائشة في خام حديثها: فمن خلال تجربتنا القصيرة عَرَفْنا بأنه يستحيل تحرير الحياة في مجتمعنا ما لم تعش ثورة نسائية جذرية، وبالتالي ما لم يتحقق التغيير الجذري في عقلية وحياة الرجل؛ فإننا بحاجة إلى نساءٍ ورجالٍ جُدُدٍ يؤسسون لحياة نِديَّة حرة بعيدة عمَّا فرضته الحداثة الرأسمالية علينا. فالحداثة الديمقراطية في منطقتنا يجب أن تُبنى بعقل وعاطفة وفَراسة المرأة الحرة والرجل الحر معاً.

فقط بهذا الشكل يمكن أن نحقق النهضة وأن نحقق شرق أوسط حر وواعد يليق بأمجاد تاريخه العريق".

ثم فتح باب النقاشات حول مواضيع المحاضرات الثلاثة وثمن المشاركون في المؤتمر تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا وتمكنها من نيل حريتها وكسر القيود التي فرضت عليها عبر عقود، مؤكدين أن التجربة التي تم تطبيقها في الشمال السوري أثبتت أنها نموذج ناجح ويجب أن تنتشر في عموم بلدان الشرق الأوسط.

واختتمت الجلسة الخامسة بعرض سنفزيون مدته 10 دقائق حول تاريخ نضال ومقاومة المرأة في العالم وكردستان. وبعد الاستراحة ستبدأ الجلسة السادسة والأخيرة.

(ل)

ANHA