’على شعوب الشرق الأوسط الحوار حول مشروع العيش المشترك ومواجهة الذهنية العثمانية الجديدة’

" داعش والنصرة والتنظيمات المتطرفة أدوات العثمانية الجديدة. وهناك طرح آخر يمكنه حل الأزمات بعد مرور 100 عام على سايكس بيكو وهو مشروع العيش المشترك أو الكونفدرالية الديمقراطية التي يدعو إليها أوجلان، وعلى شعوب المنطقة فتح الحوار معاً والنضال الجدي لتطبيق هذا المشروع الذي سيجلب السلام". في إطار هذه الرؤية ألقيت محاضرات الجلسة الثالثة من المؤتمر.

’على شعوب الشرق الأوسط الحوار حول مشروع العيش المشترك ومواجهة الذهنية العثمانية الجديدة’
السبت 17 تشرين الثاني, 2018   15:59

بيروت

الجلسة الثالثة من المؤتمر انطلقت بمحاضرة تحت عنوان" دور تركيا في تجذير أزمات المنطقة" والتي تفرعت إلى محورين الأولى بعنوان "العثمانية الجديدة: خلفيات ومسارات" والتي ألقاها الباحث في الشأن التركي وأستاذ التاريخ واللغة التركية بالجامعة اللبنانية الدكتور محمد نورالدين. والثاني تحت عنوان " كيف تندمج الفاشيات الخضراء والبيضاء والسوداء في تركيا؟ وكيف تنعكس على شعوبها؟ ما الحل؟ والتي قدمها النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي والحقوقي مدحت سنجار.

من الميثاق الملي إلى لوزان

في المحور الأول تطرق الدكتور محمد نور الدين في بداية حديثه إلى الميثاق الملي الذي أقره مجلس المبعوثان العثماني بتاريخ 28 كانون الثاني 1920 ونوه بأنها تعكس نظرة النخبة التركية حينها إلى الحدود الجغرافية للدولة الجديدة بعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. مشيراً أيضاً إلى معاهدة لوزان في 24 تموز 1923 التي ثُبتت بموجبها الحدود الجغرافية لتركيا التي كانت رسمتها اتفاقيات مختلفة سابقة مع سوريا والقوقاز واليونان وبلغاريا.

وأضاف :"استغرق رسم الحدود الجديدة للدولة الجديدة حوالي عشرين عاما من العام 1920 إلى العام 1939 عندما سلخ لواء الاسكندرون عن سوريا وضم إلى تركيا. لكن الفرق شاسع وكبير بين رسم الحدود الجغرافية لتركيا وبين رسم حدودها الإيديولوجية".

مؤكداً أنه من بنود الميثاق الملي ظهرت مسألة التمييز بين الهويات وإنكار التعددية القومية داخل حدود الميثاق الملّي. ولما كانت حدود الميثاق الملّي وفق الخرائط التي اعتمدت حينها تضم كل ولاية الموصل، أي محافظة الموصل وكردستان العراق الحاليتين، إضافة إلى الشريط الحدودي السوري مع تركيا، فهذا يعني أن النخبة التركية حينها كانت تقصد إنكار الهوية القومية لغالبية القاطنين في شمال العراق وشمال سوريا والذين ينتمون إلى العرق الكردي.

الطرح القومي الإسلامي

ويقول نور الدين: عندما نذكر العثمانية كتوجه وعقيدة إنما بشقيها القومي والديني. هذا ما ترجمه بصورة فاقعة جداً نظام 12 أيلول العسكري 1980 الذي شرعن ما سمي بالطرح القومي-الديني الإسلامي لمواجهة النزعات القومية الكردية والشيوعية واليسارية. وقد كان ذلك أساساً قوياً لظهور مصطلح العثمانية الجديدة للمرة الأولى في التاريخ التركي الحديث مع طوركوت أوزال، الذي كان أول من حاول تطبيق هذه العثمانية من خلال مسعى احتلال شمال العراق وضمه إلى تركيا أثناء حرب الخليج الثانية عام 1990.

العثمانية الجديدة والربيع العربي

وعن دور تركيا وتدخلاها في لدول التي انطلقت فيها ما سمي بالربيع العربي قال نور الدين: شكل ما سمي بالربيع العربي الفرصة الأكبر والأهم أمام حزب العدالة والتنمية لتطبيق مشروعه العثماني. فالمنطقة اضطربت ودخلت في حروب أهلية وتحارب السكان على أسس عرقية ودينية ومذهبية. وليس أفضل من هذا الخلل الكبير للتسلل والتغلغل بكل الوسائل في المجال الحيوي للعثمانية الجديدة. خصوصاً أن أصحاب المشروع العثماني كانوا في البداية في انسجام مع المشروع الأميركي والغربي الهادف لتفتيت المنطقة جغرافياً واجتماعياً وتلقائياً ضمان أمن إسرائيل.

وأضاف نور الدين:" لم يكن الشرق الأوسط الجديد الذي تريده تركيا سوى العثمانية الجديدة التي جاهر بها أردوغان بعد ذلك بشهرين ونيّف فقط، في 15 تموز 2012، رداً على منتقدي تدخل تركيا في الشأن السوري قائلاً "يسألوننا عن أسباب انشغالنا بسوريا. الجواب بسيط للغاية، لأننا بلد تأسس على بقية الدولة العلية العثمانية. نحن أحفاد السلاجقة. نحن أحفاد العثمانيين". وفي نهاية تشرين الثاني 2012 كان أردوغان يقول "إننا سنصل إلى كل نقطة وصل إليها أجدادنا على ظهور الخيل، وسنهتم بها".

داعش والنصرة والتنظيمات المتطرفة أدوات العثمانية الجديدة

يؤكد نور الدين أن تركيا اتبعت كل الوسائل الممكنة لتمكين أدواتها وأذرعتها للوصول إلى السلطة. حيث التجأت إلى تنظيمات مسلحة متطرفة في العقيدة مثل "داعش" و"النصرة" ومسلحي الأويغور والشيشان. وعمل النظام التركي على محاولات شق صفوف الجيوش الوطنية في سوريا وفي العراق وفي ليبيا. وحين فشل في الوصول إلى أهدافه المباشرة، بل وسقط أتباعه في مصر وتونس، لجأ إلى التدخل المباشر كما في العراق في معسكر بعشيقة وغيره، أو في سوريا عبر احتلال مثلث جرابلس-أعزاز-الباب واحتلال عفرين وحماية أدواتها في إدلب أطول وقت ممكن.

وأضاف: العثمانية الجديدة إذاً هي مشروع جدي وليست افتراءات. وهي أكبر بكثير من حدود الميثاق الملي. لكن تركيز الخطاب على حدود الميثاق، أي في شمال سوريا والعراق، يعكس أن العثمانية الجديدة قد فشلت لكنها لم تمت بعد. ومحاولة تحقيق مكاسب تقتصر على حدود الميثاق الملي هي الهدف المركزي الآن لتركيا. وهذا واضح من خلال حركتها السياسية والعسكرية في سوريا والعراق في السنتين الأخيرتين في إطار تفاهمات أستانا التي أتاحت لتركيا احتلال المنطقة من جرابلس إلى عفرين وصولاً إلى إدلب وإلى بقائها في بعشيقة وغيرها وتهديدها المستمر باجتياح سنجار.

واختتم الدكتور محمد نور الدين محاضرته بالقول:" المعركة السياسية اليوم هي أكثر صعوبة من المعركة العسكرية. وما لم تستطع تركيا تحقيقه في ذروة صعود العثمانية الجديدة يجب ألا تحققه اليوم في ذروة انكفائها وفشلها، مهما كانت الظروف والمبررات، سواء في الأراضي السورية أو العراقية أو المنطقة المشرقية والعربية ككل. في المقابل فإن العمل على وحدة موقف القوى والجماعات والدول، من الخليج إلى شمال أفريقيا وبلاد الشام والقوقاز، المتضررة من الذهنية العثمانية لتركيا، يجب أن يكون أولوية على أي جهد آخر بما يحفظ الكرامات والسيادات والهويات.

سايكس بيكو انتهت مفعولها فما الطروحات البديلة لها؟

وفي المحور الثاني ألقى النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي والحقوقي مدحت سنجار محاضرة حول كيفية اندماج الفاشيات الخضراء والبيضاء والسوداء في تركيا؟ وكيف تنعكس على شعوبها؟ وما الحل؟

تحدث سنجار في بداية حديثه عن أحداث الـ100 عام الماضية وماجلبتها من مآسي وأزمات لشعوب الشرق الأوسط نتيجة تطبيق اتفاقية سايكس بيكو وانشاء الدولة القومية في تركيا التي أبادت الكثير من الشعوب كالأرمن والسريان وارتكاب المجازر بحق الكرد ومحاولات إبادتهم وصهرهم.

وأضاف سنجار: اليوم انتهت حكاية سايكس بيكو ويمكن القول أنها انهارت، ولكن هنا يجب أن نطرح بعض الأسئلة ومنها في حال انهار مشروع من الذي سيضع البديل له ومن المخول لطرح البديل وأية قوى ستطبق البديل؟ هناك عدة طروحات بديلة ومنها اقتراح بترميم اتفاقية سايكس بيكو والحفاظ على الدولة القومية أو إطالة عمرها، رغم أن الشرق الأوسط فرض عليه طوق من خلال هذا المشروع سابقاً ولم تنعم شعوبها بالاستقرار من حينها حتى اليوم، وهناك طرح آخر وهي العثمانية الجديدة التي تسعى إليها تركيا اليوم، وهذا يعني استرجاع مشاريع انتهت ومحاولة احيائها من جديد، ولكن هذا المشروع العثماني سيؤدي في النهاية إلى نفس النتيجة التي حصلت سابقاً من خلال إبادة الشعوب والهيمنة عليها.

وأردف سنجار: نلاحظ أنه من بين تلك الطروحات لايوجد طرح يدعو أو يركز على وحدة الشعوب والتآخي.

طرح أوجلان الحل الأنسب لتعيش شعوب المنطقة بسلام

وأشار سنجار أن هناك طرح آخر ويمكنه حل تلك الأزمات وهو مشروع العيش المشترك أو الكونفدرالية الديمقراطية وبغض النظر عن الاسم ولكن المضمون هو المهم أي التركيز على مشروع يمكنه جلب الاستقرار والسلام لشعوب المنطقة ل 100 عام على الأقل، وهنا يطلب من شعوب الشرق الأوسط المناقشة على تفاصيله كل بلد بحسب خصوصياته، ومؤتمرنا هذا يأتي أهميته من هذا المنطلق أي التركيز على الحوار والبحث عن حلول جذرية للأزمة.

وقال سنجار: وهذا الطرح أو المشروع يمكن النقاش عليه من أجل الشعب الفلسطيني أيضاً لحلها بطريقة عادلة ويؤمن حقوق الفلسطينيين".

ودعا سنجار في حديثه الشعوب العربية التركيز أكثر على مناقشة القضيتين الكردية والفلسطينية لأنهما قضيتان غير منفصلتان، مؤكداً أن احل يتطلب الحوار بالإضافة إلى النضال لتطبيقه عملياً.

أردوغان انقلب على مشروع السلام لأن طموحه الوصول إلى السلطة

وتطرق سنجار أيضاً إلى مشروع السلام الذي طرحه قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان والذي لاقى قبولا في البداية من قبل تركيا ولكن أردوغان انقلب على الأمر لأن هدفه كان الوصول إلى السلطة ورئاسة الجمهورية، وأكد سنجار أن هذا ليس طموح شخصي لأردوغان بل هو طموح لاحتلال المنطقة كاملة من خلال إيصال الإخوان المسلمين إلى السلطة في كل من سوريا والعراق ومصر وغيرها، وبالتالي سيمتد يد أردوغان إلى كل هذه البلدان، ولكن فشل مخططه بمصر وبعدها في سوريا.

واختتم سنجار حديثه بالقول: مقابل طموح أردوغان هذه كان لعبدالله أوجلان مشروع آخر وهو تكريس الوحدة والديمقراطية بين شعوب المنطقة، وطرح أوجلان هذا واضح في مرافعاته التي كتبها في سجنه بإيمرالي، وإننا كحزب الشعوب الديمقراطية كنا نعمل كوسيط في فترة طرح مشروع السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني في محاولة منا الوصول إلى حل سلمي للقضية الكردية في تركيا لكن تعنت أردوغان وحكومته أطاحت بمشروع السلام.

وبعد الانتهاء من المحورين فتح باب النقاش أمام الحضور لإبداء آرائهم حول ما جاء في مضمون المحاضرتين.

المناقشون: القضية الكردية لم تلقى الاهتمام المطلوب من شعوب المنطقة

وخلال النقاشات أكد المشاركون أن القضية الكردية لم تلقى الاهمتام المطلوب من قبل الشعب العرب والعالم بأسره لأنه لا احد يسمع صوت المظلومين، وأنه لم يسمع أحد بإبادات الكرد في شمال العراق إلا بعد احتلال صدام للكويت وتدفق الأموال الخليجية على أصحاب الرأي والإعلام، منوهين أن على شعوب المنطقة التكاتف مع بعضها حتى تتمكن الخروج معا من محنتها وآزماتها فالحل لا يكون جزئياً بل يجب أن يكون كاملا كالذي طرحه أوجلان في مشروع الأمة الديمقراطية.

وبهذه النقاشات اختتمت الجلسة الثالثة والأخيرة من مؤتمر "أزمة المدنية والطريق نحو الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط" في يومها الأول.

ANHA