شرح تاريخي لأزمة المدنية الشرق أوسطية في الجلسة الأولى للمؤتمر

"كم هو محزن أن تقوم منذ 15 ألف سنة بدور الأم وتخلق كل شيء للإنسانية، ومن ثم تقع في وضع عبد لا حول له ولا قوة.! فحضارة الشرق الأوسط هي اسم لهذا التناقض المأساوي الكبير" من صلب هذه الكلمات لقائد الأمة الديمقراطية عبدالله أوجلان انطلقت الجلسة الأولى لمؤتمر " أزمة المدنية والطريق نحو الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط" المنعقد في بيروت.

شرح تاريخي لأزمة المدنية الشرق أوسطية في الجلسة الأولى للمؤتمر
شرح تاريخي لأزمة المدنية الشرق أوسطية في الجلسة الأولى للمؤتمر
شرح تاريخي لأزمة المدنية الشرق أوسطية في الجلسة الأولى للمؤتمر
السبت 17 تشرين الثاني, 2018   09:49

بيروت

بدأت الجلسة الأولى من مؤتمر "أزمة المدنية والطريق نحو الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط" المنعقد في العاصمة اللبنانية بيروت، بإلقاء محاضرة تحت عنوان "قراءة تاريخية في أزمة المدنية الشرق أوسطية" والتي تنقسم إلى محورين، الأول تحت عنوان "أزمة المدنية و تأثيرها في الشرق الأوسط" والتي ألقتها الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية لفدرالية شمال سوريا فوزة يوسف.

والثانية تحمل عنوان "أين يمكننا موضعة الهيمنة الحداثوية الرأسمالية في نظام المدنية المركزية تلك؟ وما هو الدور الذي لعبته في منطقتنا خلال القرون الخمسة الأخيرة عموماً والقرنين الأخيرين خصوصاً؟ والتي ألقتها الناشطة في منظمة نساء من أجل السلام وعضوة صندوق الإنقاذ العابر للحدود والكاتبة الصحفية نازان أستون داغ.

'حاضرنا مخفي في ماضينا، وماضينا مخفي في حاضرنا'

واستهلت فوزة محاضرتها بالقول "الحاضر مخفي في ماضينا وماضينا مخفي في حاضرنا، إنها جملة تعبر عن حقيقة يومية نعيشها في منطقتنا، فأحياناً نشعر بأن التاريخ  يعاش في يومنا وأحياناً نشعر بأن حاضرنا مكنون في ماضينا".

مشيرة في الوقت نفسه إلى أنه لمعرفة أسباب ما نعيشه من حرب مدمرة في منطقتنا، بالعودة إلى التاريخ وتحليل تاريخ المنطقة بشكل عادل، بحيادية وبأسلوب نقدي يحمل أهمية حياتية من أجل الخروج من هذه الأزمة المروعة التي نحن بصددها

لن يكون مبالغةً القول بأن أحد أسباب ما نعيشه من مآسٍ في منطقتنا يعود إلى قراءتنا الخاطئة لتاريخنا.

وأضافت فوزة:" تتجسد القناعة لدى المؤرخين أن كل عناصر الثقافة المادية والمعنوية الرئيسيّة اللازمة لأجل العبور نحو الحضارة، قد تكونت في الهلال الخصيب فيما بين أعوام ٦٠٠٠-٤٠٠٠ ق م. وأنجزت تطورات كبرى في الدين، الإله، الفن، العلم والتقنية، والأهم هو سيادة حياة يطغى فيها شأن المرأة ولا تتعارض مع البيئة. فالتاريخ يؤكد أنه لعشرات آلاف السنين كان هناك مجتمع طبيعي، تسوده الأخلاق بدلاً من المحاكم، الحب للآلهة بدلاً من الخوف، لغة الشعر بدلاً من الأكاذيب والحيل، المجتمعية بدلاً من الأنانية، فتحققت في ذلك الوقت ثورة الزارعة، وثورة اللغة وثورة العلم الذي ننهل منه حتى اليوم".

وأشارت فوزة أنه يكمن أول تناقض جدلي للمدنية في عبودية المرأة المتجذرة تدريجياً، ومن الانطلاقات السلطوية الملك-الإله، سوف ينبع صراع العبد والسيد أيضاً من ذلك التناقض الأساسي. أي يتم إخضاع المجتمع إلى الصراع والعلاقة القائمين عموماً بين العبد والسيد، ويعد التاريخ بهذا المعنى مذبحة الإنسان.

موضحة أن الدولة تتحول إلى شكل لشرعنة الاستيلاء على الفائض. وأن حاجة المجتمعات إلى الإدارة العامة تستخدم قناعاً لشرعنة الدول.

'المجتمعات السلطوية هي مجتمعات سيطرة الرجل وحكمه'

ووصفت فوزة يوسف المجتمعات السلطوية بأنها مجتمعات سيطرة الرجل وحكمه. في حين الإدارات ذات الطابع النسائي كانت في العصر الحجري الحديث ترمز إلى الإنتاج والأمن والتوالد، فإن حكام السلطة في المجتمعات المدنية يهدفون إلى الاستغلال والحرب داخلياً وخارجياً، فيولون أهمية من الدرجة الأولى لتكنولوجيا الحرب والسلطة ويَرَوْن البيئة ساحة غزو دائم.

'مجتمعات الشرق الأوسط عانت بسبب قمع واستغلال المدنية المركزية'

ونوهت فوزة أنه ظلت المجتمعات الشرق أوسطية من المجتمعات الإنسانية التي عانت أكثر من غيرها من الأزمات والمشاكل على مر التاريخ . وأن السبب الأساسي وراء ذلك يكمن في اضطرارها للرزوح دوماً تحت نير القمع والاستغلال الساحق للمدنية المركزية طيلة فترة تناهز الخمسة آلاف عام. ولم يشاهد هذا الكم من أشكال القمع والاستغلال المكثف وطويل الأمد في أية بقعة من العالم.

وقالت:" لقد فقدت ثقافة الشرق الأوسط أصالتها بعد دخولها في مرحلة الانهيار بين أعوام 1000 ـ 1500 م. من ذلك الوقت وحتى الآن باتت تتخبط في الظلام وتكرر نفسها كدوامة لا جدوى منها.

ثم ذكرت فوزة يوسف مقطعاً من مرافعات قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان في تحليله عن حقيقة أزمة الشرق الأوسط الراهنة حيث يقول:  كم هو محزن أن تقوم منذ خمسة عشرة ألف سنة بدور الأم وتخلق كل شيء للإنسانية، ومن ثم تقع في وضع عبد لا حول له ولا قوة..! وتكون الوطن الذي خلقت فيه أولى الإلهات، وتخلق كل ما يلزم الإنسانية ثم يتم رميك في زاوية كقطعة قماش مستعملة..! تخلق جميع الآلهة والعظماء، ثم تصبح عبداً لا حول ولا قوة لك تجاه هذه الآلهة..! وتخلق جميع المهن التي تشبع العالم، وتبقى جائعاً فيما بعد..! وتبني البيوت في كل مكان، وتبقى بدون مأوى فيما بعد..! تكون شمعة تنير درب الجميع، ولا تنجو من الظلمة فيما بعد..! تكون صوتاً من أجل كل الناس وتؤلف الشعر والموسيقى، ثم تصبح أصماً أبكماً..! تخلق العلم والتقنية والاحترام من أجل الجميع وتبقى جاهلاً فيما بعد..! تبني القصور والخانات للجميع وتحتاج إلى شبر من الأرض فيما بعد..! فحضارة الشرق الأوسط هي اسم لهذا التناقض المأساوي الكبير".

وأردفت فوزة:" أخيراً نستنتج من كل هذا أن التاريخ لم يبدأ بالاحتكار والمدينة والدولة والسلطة، بل كان هناك مجتمع نيوليتي لعشرة آلاف سنة كانت خصائص المرأة فيه سائدة، ولم يبدأ من السومريين، بل نهل السومريون من المجتمع النيوليتي ونهل الغرب من الشرق، وأن التاريخ ليس التاريخ الذي كتبه الأسياد وإنما هناك تاريخ مقاومات النساء والشعوب والمضطهدين أيضاً، والذي يمكن رؤيته واضحاً في اللوحات، في الرموز والرسومات التي نقشت على الجدران والتماثيل والأساطير التي تسرد حقائق عظيمة".

'لاستعادة ما فقدناه يجب تحقيق ثورة ذهنية وأخلاقية وعلمية'

وختمت فوزة يوسف محاضرتها بالقول:" لذلك ومن أجل أن نستعيد ما فقدناه. تاريخنا وحاضرنا يأمرنا بتحقيق ثورة ذهنية، ثورة أخلاقية وثورة علمية، وكل ذلك يحتاج إلى شخصية شرقية جديدة تنهل من ميراثها العلمي والفلسفي ومن ميراث الحضارة الأوربية الراهنة. فتخلق من الاثنين طرحاً جديداً، بعيداً عن التقليد وعن إنكار الذات. كل شيء يدعونا إلى هذه الانطلاقة. وما علينا إلا السير بثقة في هذا الطريق."

بعدها ألقت الناشطة في منظمة نساء من أجل السلام وعضوة صندوق الإنقاذ العابر للحدود والكاتبة الصحفية نازان أستون داغ محاضرة ارتجالية باللغة التركية حول أزمة الشرق الأوسط وركزت على ضرورة دراسة أسباب الأزمة بشكل معمق، ونوهت أن الأنظمة المهيمنة في الشرق الأوسط تحاول التوسع وهضم الأمم الجماعات الصغيرة من جهة، ومن لا يهضم معها تقوم بسحقها وإبادتها مثلما تحاول تركيا فعله مع الشعب الكردي.

وأكدت نازان أن قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان تعمق في تحليل هذه الأزمة وقال بأن الحداثة الامبريالية في أوروبا هي الشكل الجديد للصراعات التي يعيشها الشرق الأوسط، ونوهت أن تطبيق نظرية أوجلان في الأمة الديمقراطية هو أحد حلول الأزمة وخلاص الشعوب.

وبعد محاضرة نازان، فتح المجال للمناقشة وإبداء الآراء حول ما طرح في هذه الجلسة، حيث دارت نقاشات من قبل عدد من الشخصيات الثقافية والسياسية من المشاركين في المؤتمر من عدة دول في إبداء كل منهم رأيه في مضمون المحاضرات، مجمعين في نقاشهم على ضرورة الاعتماد على مبدأ السلام وأخوة الشعوب لانتزاع الروح العنصرية التي زرعتها الأنظمة الديكتاتورية بين شعوب المنطقة، مؤكدين أن ما يتم تطبيقه في شمال وشرق سوريا كنموذج للأمة الديمقراطية يوحي بأنه يمكن أن يكون حلاً لعموم أزمات الشرق الأوسط التي تتميز بتنوعها العرقي والطائفي والقومي والديني.

وبتلك النقاشات اختتمت الجلسة الأولى، ومن المنتظر أن تبدأ الجلسة الثانية بعد استراحة قصيرة.

(ل)

ANHA