قصص من مقاومة العصر - 15

شارك أهالي عفرين ومقاتلو ومقاتلات وحدات الحماية في الدفاع عن أرضهم ضمن مقاومة العصر، وحتى أشجار الزيتون شاركت في المقاومة من خلال حماية من يدافعون عنها، وكان للمقاتلات الدور البارز في التضحية والفداء، وإنقاذ رفاقهن في أصعب الظروف، بعض تفاصيل تلك المقاومة ترويها لنا القيادية والمقاتلة فراشين دلسوز التي شاركت في مقاومة قرية موساكا في راجو.

قصص من مقاومة العصر - 15
قصص من مقاومة العصر - 15
الإثنين 5 تشرين الثاني, 2018   03:15

في مقاومة موساكا...أشجار الزيتون تشارك في الحماية ومقاتلات يغامرن لإنقاذ رفاقهن

شرفين مصطفى - تولين حسن/عفرين

مقاومة العصر في مرحلتها الأولى شهدت هجمات عنيفة ومجازر ارتكبت بحق أهالي عفرين، مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة وبجانبهم باقي القوات العسكرية من الأسايش وواجب الدفاع الذاتي وغيرهم جعلوا من أنفسهم دروعاً لحماية أرضهم وشعبهم، ورغم استخدام الاحتلال التركي الأسلحة المتطورة والفتاكة، لم يحبط ذلك من عزيمة وإصرار المقاتلين للصمود في وجه آلة الدمار، وبتلك الإرادة الاستثنائية تحدوا الاحتلال ومرتزقته، الذين كانوا يتوعدون بدخول عفرين خلال عدة أيام، ولكن المقاومة التي استمرت 58 يوماً في مرحلتها الأولى أثارت دهشة العالم الذي وقف متفرجاً على تلك الحرب الهادفة لإبادة شعب تمسك بحقه في الدفاع المشروع ورفض الاستسلام والخنوع.

وفي هذه المقاومة التاريخية أثبتت المرأة بشخصية مقاتلات وحدات حماية المرأة مرة أخرى أنهن قادرات على لعب الدور القيادي والريادي في الدفاع والقتال، وبرز فيها أسماء مقاتلات أصبحن أيقونة لمقاومة عفرين كأفيستا خابور وبارين كوباني وغيرهن الكثير ممن سطرن بمقاومتهن الملاحم البطولية في الدفاع عن الأرض والشعب، إحدى قصص مقاومة العصر ترويها لنا المقاتلة في وحدات حماية المرأة "فراشين دلسوز" التي شاركت في معارك قرية موساكا بمنطقة راجو.

حمتنا أشجار الزيتون في الطريق إلى موساكا

المقاتلة فراشين دلسوز من أهالي مدينة عفرين، انضمت إلى صفوف وحدات حماية المرأة منذ تأسيسها، عند بدء العدوان التركي ومرتزقته على مقاطعة عفرين بتاريخ الـ 20 من شهر كانون الثاني 2018 كانت فراشين متواجدة في فوج لوحدات حماية المرأة على أطراف مدينة عفرين، وتشرف على تدريب المقاتلات، وبعد إعلان الحرب والنفير وانتشار كافة المقاتلين والمقاتلات على الجبهات، كانت فراشين تشرف على نقاط وحدات حماية المرأة في الخطوط الخلفية وتؤمن لهم ما يحتاجونه وتنسق بين الجبهات الأمامية والخلفية من خلال تشكيل المجموعات وإرسالها إلى الجبهات والنقاط التي تحتاج المؤازرة، أو تبديل المجموعات ببعضها لترتاح بعضها وتحارب الأخرى.

وبتاريخ 24 شباط 2018 جاءت التعليمات بأن تشكل فراشين مجموعة من مقاتلات وحدات حماية المرأة وتتجه تحت قيادتها إلى قرية موساكا بمنطقة راجو، وبالفعل توجهت فراشين مع مجموعة تضم معها 4 مقاتلات إلى موساكا، وعن رحلة الطريق حتى الوصول إلى القرية قالت فراشين:" توجهنا من مدينة عفرين باتجاه راجو بالسيارة، كنا نشاهد أهالي القرى التي تتعرض للقصف التركي على الطريق الرئيسي ينزحون نحو المدينة، كان مشهداً مؤلماً جداً أن ترى النساء والأطفال والشيوخ والحزن خيم على وجوههم والدموع تنهمر من أعينهم وخاصة الأمهات، وقد تركوا خلفهم كل ما عملوا من أجله طوال العمر ويحاولون فقط النجاة بحياتهم وحماية أطفالهم، وكلما كنا نمر بجانب الأهالي كنا نسمع أصواتهم المبحوحة تتعالى وهم يدعون لنا بالنصر ويحيون مقاومتنا، هنا امتزج بداخلنا شعور الحزن والحماسة، وزاد لدينا الإصرار للانتقام لكل هؤلاء الأبرياء".

وأردفت فراشين:" ولدى وصولنا إلى حدود منطقة راجو توقفت السيارة وطُلب منا إكمال الطريق سيراً على الأقدام بين حقول الزيتون لأن طائرات الاستطلاع تكثف تحركاتها فوق المنطقة وتقصف كل ما تراه يتحرك وخاصة السيارات، فترجلنا من السيارة وحزمنا أمتعتنا وأسلحتنا ودخلنا حقلاً للزيتون كانت أشجاره معمرة وكبيرة، وتوزعنا بين الأشجار وسرنا على نسق واحد نهرول من تحت شجرة إلى أخرى، وبعد مسيرة حوالي نصف ساعة سمعنا أصوات طيران الاستطلاع والمروحي، لم نتمكن من مشاهدتها ولكن يبدو أن الصوت ليس ببعيد فجلسنا كل واحدة تحت شجرة وتمسكنا بجذعها وأحسست حينها كأن شجرة الزيتون هذه تحتضنني كذراعي أم حنونة تريد أن تحمينا، أصغينا السمع جيداً لصوت الطيران وكنا نشعر أنه يقترب أكثر، وطلبت من رفيقاتي المقاتلات ألا يتحركن من مكانهن وأن يلتصقن بجذع الشجرة، وبينما نحن كذلك لاحت لنا طائرة استطلاع تحوم فوقنا، تجمدنا بمكاننا وحبسنا الأنفاس، ظلت الطائرة تحوم فوق المنطقة حوالي 20 دقيقة وكأنها كانت تبحث عن فريسة، وما إن ابتعدت قليلاً عنا حتى جاءت طائرة مروحية وجالت جولتين فوق حقل الزيتون ثم ما لبثت أن فتحت نيران رشاشاتها بشكل عشوائي وبدأت أغصان وأوراق الزيتون تتطاير من ضربات الرصاص، وأثارت غباراً كثيفاً لدى ارتطامها بالأرض، وأصدرت ضربات الرصاص على أغصان الأشجار صوتاً قوياً يشبه صوت هطول البرد (الحالول) بقوة على الحقول، وشعرت من ذلك الصوت وكأن أشجار الزيتون تصرخ ألماً، وبعد عدة رشقات غادرت المروحية وابتعدت، دون أن تصيبنا أي رصاصة، وأدركت في تلك اللحظة أن طائرة الاستطلاع وتلك المروحية لم يتمكنا من رؤيتنا، وفتح نيران الرشاشات بذلك الشكل العشوائي على الحقل لم يكن سوى انتقاماً من شجر الزيتون لأنه يحجب عنهم الرؤية، فعانقت الشجرة التي كنت أحتمي بها وقبلتها، وطلبت من رفيقاتي مواصلة التحرك".

الوصول إلى موساكا وإحباط هجوم عليها

وأردفت فراشين:"  كنا نسير صعوداً في حقل الزيتون الذي زرع على حافة أحد جبال راجو، كانت حقائبنا المليئة بالذخيرة تشدنا إلى الخلف وتزيد من صعوبة السير نحو القمة، ولدى وصولنا أعلى الجبل تراءت لنا قرية موساكا المبنية على طرف منحدر وهي قرية صغيرة قد لا يتجاوز عدد منازلها الـ 150 منزلاً، وكان منظرها مع بدء غروب الشمس ووقوعها في موقع يحيط بها من الخلف الجبل وأمامها سهل صغير، ومن إحدى جهاتها حقل زيتون يتصل بمنازل القرية، يبعث السعادة في النفس، ولكن تصاعد الدخان من بعض منازلها ومحيطها جراء قصف الاحتلال التركي ومرتزقته كان يعكر المزاج، طلبت من رفيقاتي المقاتلات أن يسرن خلفي على نسق واحد ويتركن مسافة بين بعضهن البعض واتجهنا نحو منحدر يؤدي إلى الحقل الذي يتصل بطرف القرية، إذ لم يكن بإمكاننا الوصول إلى القرية دون أن يرانا العدو إلا من تلك الجهة، فاحتمينا أيضاً بالأشجار ومشينا حتى اقتربنا من القرية، وهناك فتحت جهاز اللاسلكي وبحثت عن إشارة أجهزة رفاقنا وأعلمتهم بأننا قريبون منهم، وطلبوا أن نبقى في مكاننا بين الأشجار حتى يرسلوا مقاتلاً ليدخلنا القرية من طريق آمن، وبعد عدة دقائق رأينا أحد المقاتلين يهرول منحني الظهر بين الأشجار وأخفض نظره يبحث عنا تحت الأشجار، فناديته ولوحت له بيدي فجلس تحت إحدى الأشجار وأشار لنا بأن نتبعه، وتحركنا بسرعة نتتبع الطريق الذي يسير فيه حتى وصلنا أول منزل في القرية واجتمعنا خلفه، رحب بنا المقاتل، وتوجهنا بعدها إلى منزل آخر كان فيه مجموعة من المقاتلين كانوا من مقاتلي مقاومة حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، فرحبوا بنا بحفاوة وبابتسامات بعثت في قلوبنا المعنويات، ثم قدموا لنا الطعام والماء، وشرحوا لنا أوضاع الجبهات في هذه القرية، وبعد استراحة قصيرة طلب منا أحد المقاتلين مرافقته ليدلنا على المواقع التي سنتمركز فيها، وكان حينها قد حل الليل، واتخذنا مواقعنا في أحد أطراف القرية القريبة من حقول الزيتون، وما إن اتخذنا مواقعنا حتى بدأ القصف المدفعي وقذائف الهاون تنهال على القرية وأطرافها، كنا نراقب أطراف القرية لعلنا نلمح جيش الاحتلال والمرتزقة حتى نبدأ القتال، ولكن لم يكن يتراءى لنا أحد، ولا نرى سوى القذائف بعد سقوطها والحرائق والدمار الذي تخلفه، بقينا في القرية 6 أيام على هذه الحال لم نطلق طلقة واحدة لأننا لا نرى أحداً من المرتزقة، أخبرنا رفاقنا المقاتلون أن جيش الاحتلال ومرتزقته جربوا مرة اقتحام القرية وندموا على محاولتهم تلك، لذا فإنهم بعد الهروب لم يعودوا يجرؤون على الاقتراب من القرية ويلجؤون إلى قصفها بالأسلحة الثقيلة وطويلة المدى فقط".

وأكملت فراشين:" وفي صباح اليوم السابع وبعد سقوط عدة قذائف على القرية، سمعنا صوت هدير الطائرات، فأخبرنا رفاقنا أن نبتعد عن المنازل ونختبئ بين الأشجار لأن الطائرات قد تقصف منازل القرية، وعليه سارعنا للاختباء تحت بعض الأشجار القريبة من القرية، ولم تمضِ عدة دقائق حتى شن الطيران الغارات على القرية وبدأ بقصف المنازل وتصاعد دخان كثيف من القرية وارتفعت ألسنة اللهب من بعض المنازل، لم نكن نستطيع حينها فعل شيء سوى حماية أنفسنا، فلا نملك إلا أسلحة خفيفة ومتوسطة، استمر القصف بالطيران الحربي لأكثر من ساعة وألحق أضراراً كبيرة بالمنازل وبالأشجار، ورافقها قصف مدفعي وقذائف الهاون حتى أحسسنا أن السماء باتت تمطر القذائف والصواريخ، ولم يكن بإمكاننا سوى الاستلقاء على الأرض والاختباء تحت الأشجار، وبعد ذلك القصف المكثف خيم هدوء على القرية، ولكننا لم نتحرك من مكاننا، وكنا نراقب الأجواء بحذر، وبعد فترة من الترقب أعلمنا رفاقنا بأن جيش الاحتلال ومرتزقته يتوجهون صوب القرية من عدة جهات، وطلبوا منا العودة والاختباء بين المنازل، وعليه سارعتُ مع باقي المقاتلات لأخذ مواقعنا على أطراف القرية بين المنازل التي تحولت لأنقاض جراء قصف الطيران والمدفعية، شكلنا مع باقي رفاقنا المقاتلين فرقاً صغيرة تحرس القرية من 3 جهات، وبينما كنا نراقب أطراف القرية لاحت لنا بعض تحركات العدو من فوق التلة المطلة على القرية، جاءتنا التعليمات بألا نأتي بأية حركة حتى يقتربوا من القرية ويقعوا في مرمى أهدافنا، وكان العدو يقترب ببطء وبحذر ويطلقون بين الحين والآخر الرصاص باتجاه القرية وينتظرون الرد ليعلموا إن كان هناك أحد في القرية أو لا، لم نبادر بالرد عليهم، وظنوا أنه بعد القصف المكثف لم يبقَ أحد في القرية فسارعوا الخطوات باتجاه القرية، وحينها اختبأنا جيداً وجهزنا الأسلحة لبدء المواجهة، وعندما أصبحوا على أطراف القرية من جهة التل ومن جهة حقول الزيتون وتأكدنا أنهم باتوا في مرمى نيراننا وباتوا يتحركون باطمئنان، فتحنا نيران رشاشاتنا باتجاههم معا، وتعالت أصوات الرصاص التي كسرت الصمت الذي كان مخيماً على المنطقة، وقتلنا وأصبنا العشرات منهم وتشتت البقية وباتوا يهربون نحو الوديان والأشجار ومنهم من أضاع الاتجاهات وبات يهرب نحو التل وهؤلاء كانوا يقعون في مرمى أهداف رفاقنا من الجهة الأخرى بسهولة، وكنا نرى من بعيد كيف تتدحرج جثثهم بعد أن يصيبهم رفاقنا، وفي جبهتنا المواجهة للحقول شتتنا شمل المرتزقة وجعلناهم يهربون إلى الخلف ويتركون جثثهم وجرحاهم خلفهم، وكان صراخ الجرحى يصلنا بوضوح وهم ينادون رفاقهم الذين يهربون.

الوقوع في الحصار والخلاص

وبعد أن أحبطت وحدات حماية الشعب والمرأة ذلك الهجوم وقتلت وأصابت العشرات من جيش الاحتلال ومرتزقته، خيم السكون مرة أخرى على القرية، وتقول فراشين:" هذه المقاومة رفعت من معنوياتنا وكنت أحس بأنني أنتقم لأهلنا المدنيين النازحين قسراَ من قراهم، وأنتقم لأشجار الزيتون التي تعرضت لوحشية القصف، ولكن الصمت الذي خيم فجأة كان يوحي بأن هناك شيئاً ما يستعد له العدو، ومع حلول الليل شن جيش الاحتلال والمرتزقة هجمة واسعة على القرية تدعمهم الطائرات المروحية والحربية، وبدأوا يقصفون القرية بالقذائف مجدداً من فوق التل، والطائرات المروحية فتحت نيران رشاشاتها على القرية، وكنا نسمع أصوات الآليات المجنزرة والمدرعات للعدو تتقدم نحو القرية، وعليه فتحنا نيران رشاشاتنا صوب الجهات التي يتقدم منها المرتزقة، ونتيجة القصف المكثف على أطراف القرية غيرنا أماكننا وانتقلنا إلى منازل أخرى داخل القرية، وبعد ساعة من القصف والاشتباكات دخل جيش الاحتلال ومرتزقته أطراف القرية من جهة التل وحقول الزيتون، وبهذا الشكل وقعنا في حصار من 3 جهات، وبدأوا بالضغط علينا محاولين إجبارنا على الخروج من القرية باتجاه السهل الواقع على الجهة المتبقة، ولكن ذلك كان يعتبر انتحاراً لأننا بمجرد الخروج نحو السهل سنكون أهدافاً مكشوفة للطيران المروحي، وعليه قررنا الصمود والمقاومة حتى آخر رمق، اشتدت بيننا الاشتباكات وبتنا نسمع أصوات العدو وهم ينادوننا ويطلبون منا الاستسلام، محاولين بذلك إحباط معنوياتنا، وكان الوضع يوحي بأننا لن نتمكن من الخروج، وعليه أخرجنا الرصاصة الأخيرة وربطناها بجيب الجعبة، لنطلقها على أنفسنا في اللحظة الأخيرة حتى لا نقع أسرى بيد العدو، وقررنا تصعيد المقاومة وكنا نرغب في تكبيد العدو أكبر خسارة ممكنة قبل أن نستشهد، وبما أننا وجيش الاحتلال ومرتزقته بتنا نشتبك بين المنازل وبمسافات قريبة جداً لم يعد طيران الاحتلال قادراً على القصف أو فتح رشاشاته على القرية، واستمرت الاشتباكات بالأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية بهذا الشكل عدة ساعات، ورغم العدد الكبير للعدو لم يتمكنوا من التقدم أكثر في القرية، وخلال تلك الاشتباكات استشهد أحد رفاقنا وكان إدارياً في قوات واجب الدفاع الذاتي ولعب دوراً بطولياً في التصدي وحماية باقي رفاقه.

كلما كان الوقت يمضي كان الخناق يشتد علينا، ومع حلول الفجر خيم على المنطقة ضباب كثيف حجب الرؤية ولم نعد نستطيع الرؤية لأكثر من عدة أمتار حولنا، وفي هذه الأثناء قررت أن نستفيد من هذا الجو، وأعلمت رفيقاتي المقاتلات بأن نقوم بمغامرة لعلنا نستطيع من خلالها فك الحصار عن أنفسنا وإنقاذ رفاقنا فوافقن على هذه الفكرة، فقررنا أن نتسلل خلف خطوط العدو من جهة حقول الأشجار وأن نحاول فتح طريق من تلك الجهة، ولا يخفى أن هذه العملية كانت بالغة الخطورة، فليس من السهل اختراق خطوط العدو دون أن ترى أمامك جيداً، وأعلمنا باقي رفاقنا بأننا سنقوم بهذه المهمة باعتبار أن الجبهة التي نتمركز فيها هي الأقرب إلى حقول الزيتون، وتحركنا نحن الأربعة وسط الضباب خلف بعضنا وشددت عليهن بألا يبتعدن عن بعض كثيراً حتى لا نفقد بعضنا وسط الضباب، ومشينا بحذر باتجاه الأشجار وخرجنا من القرية ووصلنا إلى الحقل دون أن نرى أحداً ودون أن يلاحظنا العدو، قد تكون الصدفة لعبت دورها، وهنا قررنا الالتفاف خلف العدو وفتح طريق لرفاقنا من هذه الجهة، وتوزعنا على شكل مجموعتين وكانت المسافة بيننا لا تزيد عن 20 متراً وعدنا مرة ثانية نحو القرية، ولدى اقترابنا من أحد المنازل رأينا مجموعة من المرتزقة يختبئون خلف المنزل ويطلقون نيران رشاشاتهم إلى داخل القرية ويختبئون مرة أخرى، فقلت لرفيقاتي عندما يبدأ هؤلاء المرتزقة بإطلاق النار ويتعالى صوت الرصاص من عندهم سنباشر بفتح نيران رشاشاتنا في نفس اللحظة عليهم معاً، حتى لا يشعر باقي المرتزقة بأن هناك أحداً يطلق النار خلفهم، وبالفعل عندما تحرك المرتزقة وأطلقوا النار بادرنا لفتح النيران عليهم وقتلنا كل من كانوا خلف ذلك المنزل، وتقدمنا نحوهم وأخذنا ما كان بحوزتهم من ذخيرة وقنابل يدوية، وأعلمت رفاقنا بأن الطريق بات آمناً وأعطيتهم الإحداثيات ليتحركوا باتجاهنا، وفي غضون عدة دقائق وصل كل رفاقنا في القرية إلى النقطة المحددة وكان معهم جثمان الشهيد أيضاً لم يرضوا أن يتركوه خلفهم.

وعليه توزعنا على شكل مجموعات صغيرة ودخلنا بين حقول الزيتون وتوجهنا صوب راجو التي كانت لاتزال بيد مقاتلينا، وبهذا الشكل استطعنا الخلاص من الحصار، وكان لأشجار الزيتون الدور الأكبر في خلاصنا هذه المرة أيضاً.

انقشاع الضباب وتعقب طيران الاستطلاع لهم

وعن طريق العودة إلى راجو قالت فراشين:" كنا متعبين ومرهقين جداً لأننا لم نسترح ولم ننم لعدة أيام، وكنا نشعر أن الطريق إلى راجو بات طويلاً جداً ولانهاية له من شدة التعب، وبعد حوالي ساعة من السير بين الأشجار أشرقت شمس الصباح وبدأت حرارتها تُبدد الضباب وتكشف الرؤية، وبينما نواصل السير ونتخذ الأشجار مظلة لنا، سمعنا أصوات طيران الاستطلاع، فسارعنا للتوزع بين الأشجار والاختباء تحتها، يبدو أن العدو أدرك أننا تمكنا من كسر الحصار وخرجنا من القرية فبدأوا بالبحث عنا، وشاهدنا عدة طائرات تمشط المنطقة وبدأت تحوم فوقنا، وبعد عدة جولات فجأة بدأت بالقصف علينا، يبدو أنها رأت أحداً منا، وتوزعنا أكثر بين الأشجار حتى نشتت الطيران ولكنه كان يتعقبنا وبدأ بالقصف، وبنتيجتها أصيب عدد من رفاقنا والبعض وقع وفقد الوعي من قوة انفجار الصواريخ، واستلقيت على الأرض تحت شجرة ولم أتحرك، وكانت إحدى رفيقاتي المقاتلات مستلقية تحت شجرة أخرى قريبة مني، أما الباقي فتوزع بين الحقل لم أعد أعرف من بقي حيا ومن استشهد ومن أصيب ما عدا المقاتلة التي كانت قريبة مني، سقطت إحدى القذائف بجانبي ولم أصب بأذى، وبقينا على هذه الحال دون حراك لأكثر من ساعة وفي كل هذا الوقت كانت طائرات الاستطلاع لا تغادر المنطقة تبحث عن أية حركة لقصفها، لمحت بعض رفاقنا المصابين ومن فقدوا الوعي بدأوا باستعادة الوعي ومحاولة التحرك فناديت عليهم وطلبت منهم البقاء في أماكنهم دون أية حركة حتى لا يراهم الطيران ويقصفهم من جديد، وبعد أكثر من ساعة يبدو أن الطائرات اعتقدت أنها قتلت الجميع فابتعدت ولم أعد أسمع صوتها، وبعد تأكدنا من أنها لم تعد موجودة في الأجواء ناديت رفيقتي وأسرعنا نحو رفاقنا، ووجدنا اثنتين من رفيقاتنا المقاتلات قد استشهدن، واستشهد 3 من مقاتلي وحدات حماية الشعب وأصيب آخرون بجروح والبعض كان لايزال تحت تأثير الصدمة لكنهم استجمعوا قواهم وبدأنا بتضميد جروح المصابين ونقل جثامين الشهداء تحت الأشجار.

الوصول إلى راجو وإنقاذ المصابين ومن بقي حياً

وأردفت فراشين حديثها بالقول:" كانت المسافة بيننا وبين مدينة راجو ليست بالبعيدة، ولكن الطريق بات محفوفاً بالمخاطر، وقد ترانا طائرات الاستطلاع بأية لحظة، ولكن كان لابد من فعل شيء لإنقاذ المصابين، وعددنا لم يعد كافياً لنقل الجرحى والشهداء، فقلت لباقي رفاقي سأذهب إلى راجو وحدي لأخبر رفاقنا حتى يرسلوا مؤازرة لنقل الجرحى والشهداء، وإن لم أصل فانتظروا هنا حتى حلول الليل ثم تحركوا، فقالت رفيقتي المقاتلة لن أتركك وحدك سأذهب معك فإن حدث مكروه لإحدانا قد تستطيع الأخرى الوصول إلى راجو، وعليه تحركنا بسرعة بين الأشجار والطرقات الوعرة بين الوديان والتلال نحاول أن نصل بأسرع وقت إلى راجو لعلنا نستطيع إنقاذ المصابين قبل فوات الأوان، وبعد حوالي نصف ساعة من الركض والهرولة أصبحنا على مشارف راجو، كانت هناك نقاط لرفاقنا على تلال قريبة من راجو، قصدنا إحدى تلك التلال ومشينا حتى لاح طيفنا لرفاقنا وكانوا حينها يراقبوننا بالمنظار لأنهم لم يعرفوا بعد إن كنا رفاقهم أم العدو، وبعد أن تأكدوا بأننا مقاتلات عرفوا بأننا من رفاقهم، أرسلوا أحد المقاتلين أمامنا وكان يركض باتجاهنا ويطلب منا التوقف مكاننا، جلسنا وانتظرناه حتى وصل إلينا، وقال اتبعا خطواتي فأنتما تسيران نحو مكان مزروع بالألغام، واتبعنا خطواته حتى وصلنا نقاط رفاقنا القريبة من راجوا وأخبرناهم بما حصل معنا، وحينها كانت الشمس على وشك المغيب، فجهز رفاقنا مجموعة من المقاتلين وطلبوا منهم التحرك مع غروب الشمس نحو المكان الذي تركنا فيه رفاقنا لإنقاذهم، وبالفعل تمكنت تلك المجموعة خلال أقل من ساعة ونصف من الوصول إلى المكان وجلب المصابين وجثامين الشهداء ومن بقي من رفاقنا حياً".

ثم شاركت المقاتلة فراشين مع باقي رفاقها في عدة معارك ضمن مقاومة العصر حتى الوصول إلى مدينة عفرين والإعلان عن انتهاء المرحلة الأولى من المقاومة، والبدء بالمرحلة الثانية، وعليه اتخذت فراشين مكانها في المرحلة الثانية أيضاً والتي لاتزال مستمرة، وتقول فراشين في ختام حديثها:" لن ننسى فضل أشجار الزيتون علينا، ولن ننسى دماء شهدائنا وتضحياتهم، ولا عذابات أهلنا في عفرين، عاهدناهم سابقاً ونجدد العهد لهم مرة أخرى بأننا ماضون في المقاومة والنضال حتى تحرير عفرين وكل شجرة زيتون، وسننتقم لأرواح شهدائنا".  

تحرير: لزكين إبرهيم

ANHA