مجلة: النظام السوري يمارس الحرب البيولوجية

قالت مجلة الفروين بوليسي الأمريكية إن النظام السوري سمح لمسببات الأمراض التي تسيطر عليها عادة تدابير الصحة العامة بالظهور كأسلحة بيولوجية، وأكدت أن ممارسات النظام بعد 8 سنوات من عمر الأزمة تسببت بمقتل أكثر من 800 طبيب، ودفعت ما يقدر بنحو 15000 طبيب إلى خارج البلاد.

مجلة: النظام السوري يمارس الحرب البيولوجية
الجمعة 26 تشرين الأول, 2018   06:51

مركز الأخبار

نفهم عموماً أن الحرب البيولوجية على أنها إدخال متعمد في زمن الحرب لفيروسات مميتة بقصد القتل أو التشويه. وفي هذا السياق تقول الكاتبة اني سبيرو في مقال بمجلة الفورين بوليسي الأمريكية إن "سوريا تحت حكم النظام الحالي تتبع تغييراً خبيثاً - أحدهما له سوابق تاريخية طويلة وخطيرة. حيث سمحت حكومة النظام لمسببات الأمراض التي تسيطر عليها عادة تدابير الصحة العامة - مثل المياه النظيفة، والصرف الصحي، والتخلص من النفايات، والتطعيم، ومكافحة العدوى، أن تظهر كأسلحة بيولوجية".

وتلفت المجلة إلى أنه من خلال تدمير البنية التحتية للصحة العامة وبشكل متعمد، يقوم النظام السوري بإحياء الأمراض التي تم استئصالها منذ فترة طويلة، مما عكس في الواقع إلى تراجع كارثي لتدابير الصحة العامة، الأمر الذي سبب الوصول إلى مستويات خطيرة  من الأمراض التي لم نشهدها منذ حقبة نابليون.

وكانت الحرب مرادفاً للظروف التي تفضلها الجراثيم، حيث كان الجنود يعبثون في خنادق دون مياه نظيفة، ويعرضون البيئة لمخاطر جمة، ويحيط بهم القمل من كل مكان، إضافة إلى سوء التغذية.

فخلال الحروب النابليونية، كان معظم الوفيات من الجنود البريطانيين في ذلك الوقت بسبب أمراض من ضمنها الالتهاب الرئوي والتيفوئيد والزحار مقارنةً بالقتال. وفي الحرب الأهلية الأمريكية، كان ثلثي الوفيات بسبب الالتهاب الرئوي وأمراض الإسهال والملاريا.

وكانت الحرب العالمية الأولى هي الحرب الأولى التي تسببت فيها المعارك بوفيات أكثر من الأمراض (وقع وباء الأنفلونزا الإسبانية قرب نهاية الحرب ولم يتم تضمينه في هذه الأرقام). وكانت فلورنس نايتينجيل "سيدة المصباح" رائدة التمريض الحديث قد أحدثت ثورة في ممارسات النظافة في المشافي خلال حرب القرم في خمسينيات القرن التاسع عشر، مما أدى إلى انخفاض معدلات الوفيات من العدوى المكتسبة من المستشفيات من 40 % إلى 2%. ولكن خلال الحرب العالمية الأولى، تلوثت الجروح بسرعة وكانت الطريقة الوحيدة للسيطرة على الغرغرينا الغازية الناتجة هي البتر بتطوير مطهرات الجروح.

وبعد عام 1941، خفض البنسلين معدلات الوفاة بالالتهاب الرئوي بعد العمليات الجراحية من أكثر من 30 % إلى أقل من 10 %، وانخفضت العدوى الجراحية إلى حوالي 5 % خلال حرب العراق، حيث مات عدد كبير من الجنود الأمريكيين نتيجة  مرض معدٍ. وفي هذه الأيام، سبب النزوح الجماعي ومخيمات اللاجئين المزدحمة وقلة الخدمات الصحية والطبية إلى زيادة تعرض هؤلاء للأمراض المعدية.

وتشير المجلة إلى أن الحرب البيولوجية تعود إلى ألفي عام. فالآشوريون سمموا مصادر مياه العدو في القرن السادس قبل الميلاد. وفي عام 1346  قام التتار برمي جثث ضحايا الطاعون فوق أسوار مدينة كافا في شبه جزيرة القرم لكسر الحصار، وفي عام 1650 كان سلاح القوات البولندية الذي كان يرمون بهم أعدائهم هو لعاب الكلاب المسعورة، وفي إيطاليا غمر نابليون سهول مانتوا بالماء في محاولة منه لنشر الملاريا. وفي الولايات المتحدة قام المتعاطفون المتحالفون بادعائهم أنهم باعوا ملابس من مرضى مصابين  بالحمى الصفراء والجدري إلى قوات الاتحاد. وعن عمد أو غير عمد، نشر المستوطنون الأوروبيون الجدري بين السكان الأمريكيين الأصليين حيث كان له تأثير مدمر.

وخلال الحرب العالمية الأولى، جرّبت ألمانيا الجمرة الخبيثة دون جدوى. وخلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت اليابان أسرى الحرب كحقل تجارب بالغرغرينا الغازية، والجمرة الخبيثة، والكوليرا، والدسنتاريا، والطاعون، مما أسفر عن مقتل 3000 شخص على الأقل في الميدان، وقامت القوات اليابانية برش البراغيث الموبوءة بالطاعون على القرى الصينية، مما أسفر عن مقتل 10000 شخص  بالإضافة إلى 1700 شخص من قواتهم الخاصة.

وفي السبعينات من القرن الماضي، جرب السوفييت الجمرة الخبيثة، والجدري، وماربورغ (وهو فيروس شبيه بفيروس إيبولا يسبب بانهيار الاوعية الدموية)، وصمم طاعونًا مقاومًا للأدوية المتعددة. وكان برنامج الأسلحة البيولوجية الذي وضعه الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين يتضمن الرؤوس الحربية لقذائف سكود من البوتولينوم والجمرة الخبيثة والأفلاتوكسين.

وتضيف المجلة "لكن هذه الأسلحة البيولوجية لها عيوب كبيرة إلى جانب كونها لا يمكن التنبؤ بنتائجها ويصعب السيطرة عليها، فإن هجمات الجمرة الخبيثة أو السارين ظاهرة للعيان وأدت إلى تفاعل عالمي. وفي الحرب، عدد القتلى أقل بكثير من الأمراض الشائعة والتهابات الجروح. وفي المقابل، فإن سلوك مسببات الأمراض المفضلة لدى الأسد يمكن التنبؤ بها. هنا يكمن المفتاح لاستراتيجية أكثر غموضاً: عن طريق التخفيف المتعمد لحالة صحية عامة غير مستقرة أصلاً".

وبحسب المجلة "تشمل الفظائع الجماعية الأكثر وضوحاً للنظام خلال الهجمات العشوائية على المدنيين وتشريدهم القسري الناتج عن ذلك، والحصار المدمر، والاعتداءات على المستشفيات وكانت هجماته على البنية التحتية للصحة العامة وبرامجه من أجل التعجيل بتتبع الأمراض الوبائية التي تزدهر في الظروف المعيشية المزدحمة التي أوجدها النزوح الجماعي، وفي الوقت نفسه الامتناع عن استخدام أدوات الصحة العامة والأدوية الأساسية".

وعن الهدف تقول المجلة "الهدف هو إضعاف جميع السكان في هذه المناطق وزيادة العبء على المرافق الطبية الأولية التي تمكنت من البقاء في محاولة لمعاقبة السكان الذين يعارضون النظام. في حين أن هناك منطق وحشي في ساحة المعركة لهذه الهجمات على البنية التحتية للرعاية الصحية، إلا أنها محظورة بموجب اتفاقيات جنيف، التي صممت من أجل تجنيب المدنيين والمؤسسات التي يعتمدون عليها من مخاطر الحرب".

وتشير المجلة أن هذه استراتيجية معقدة ولكن تأثيرها مدمر، وتورد مثالاً على ذلك وتقول "على سبيل المثال، توقفت صيانة محطات معالجة المياه والصرف الصحي بعد أن قام النظام باعتقال المهندسين وموظفي الصيانة وتوقف عن دفع رواتبهم. الجيش السوري قصف عمداً محطات المياه والطاقة. توقفت عمليات  التخلص من النفايات، مما شجع ناقلات الأمراض المعدية مثل الفئران بالتكاثر. كما بنيت مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وحجزت الحكومة الكلور، وهو شرط أساسي لمياه نظيفة".

وفي ختام المقالة تشير المجلة إلى أنه بجانب قصف المستشفيات، وعيادات الصحة الأولية، والمختبرات، وبنوك الدم، قامت قوات النظام بملاحقة الأطباء، وتجريم من يعالج المدنيين واعتقال وتعذيب وإعدام أي عامل في الرعاية الصحية يتحدّى سياسة النظام. وتقول المجلة "بعد ثماني سنوات، قتلت هذه الأعمال  أكثر من 800 طبيب، ودفعت ما يقدر بنحو 15000 طبيب إلى خارج البلاد".

(م ش)