يومٌ في الرقة..

يومٌ في الرقة..
الأحد 7 تشرين الأول, 2018   03:08

زانا سيدي

في ساعات الظهيرة وبينما كنا في منطقة تدعى بمساكن الشبيبة في بلدة عين عيسى ضمن الأراضي التابعة لمقاطعة كري سبي/تل أبيض في شمال سوريا، أتت عربة من مدينة الرقة وأقلّتنا في رحلة صوب تلك المدينة التي لفها الغموض لفترة طويلة أثناء احتلالها من قبل مرتزقة داعش.

أثناء انطلاقتنا نحو مدينة الرقة بادرنا بالحديث مع سائق العربة والذي يبلغ من العمر 35 عاماً ويدعى خالد محمد، إذ إنه عاش فترةً مليئةً بالمخاطر والقلق في حي النهضة وسط المدينة، إبان سيطرة داعش على مساحات شاسعة من الأراضي السورية، ودار الحديث عن تلك الأيام التي وصفها خالد "بالسوداء".

بلدة تل السمن كانت أولى البلدات التي صادفناها أثناء عبورنا إلى الرقة، أغلب تلك البلدات والقرى ينخرط شبانهم ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية، لم تكن تلك البلدة كغيرها، بدا وكأن الإهمال طغى على تلك البلدة فلا يمكن مشاهدة سوى الأرض الذهبية القاحلة التي تنعدم فيها الزراعة، عدا أن بعضاً من المنازل قد تهدمت بفعل المعارك التي دارت في أوقات سابقة في البلدة.

نسمات الهواء تزداد برودةً كلما نقترب من المدينة التي تبعد عن عين عيسى مسافة 45 كم نحو الجنوب، فأراضي تلك المنطقة تمتاز بلونها الأخضر على مدار السنة، فالمنطقة الشمالية كغيرها من المناطق المحاذية للمدينة، القطن مزروعٌ على مساحات كبيرة وكذلك الذرة الصفراء.

أثناء وصولنا إلى بلدة الحزيمة كبرى البلدات في الريف الشمالي للرقة رأينا قنوات للمياه بعرض يصل إلى 7 أمتار تمر بالأراضي الزراعية تجري فيها المياه، إنها مياه نهر الفرات ويستفيد الفلاحون من تلك القنوات التي أنشأت قبل عقود في سقاية أراضيهم.

مع بداية الأزمة في سوريا لم تكن مدينة الرقة كغيرها من المدن، ولفترة طويلة كان يلفها الغموض، آلاف المرتزقة الذين قدموا من شتى دول العالم عاثوا فساداً في تلك الأرض وقلبوا وجه الإسلام الحقيقي ونشروه إسلاماً مزيفاً مبني على التعذيب وقطع الرؤوس والتعدي على النساء وارتكاب المجازر خدمة لمصالح دولٍ أخرى.

لذا كانت رؤية مدينة الرقة من بعيد ولأول مرة صعبة علينا قليلاً، فالمئات بل آلاف المدنيين فقدوا حياتهم نتيجة تلك الممارسات، إلى جانب عمليات الخطف والحرق والذبح التي اعتمدها داعش لترهيب المواطنين، وفرض هيمنته.

قبل دخولنا المدينة قال لنا السائق بأننا على مقربة من مزار شهداء الرقة، لقد كان المزار يُرى بوضوح ونحن على الطريق، ذلك المزار يحتضن بداخله أجساد مقاتلين فقدوا حياتهم أثناء معارك تحرير الرقة وريفها، إلى جانب ممن فقدوا حياتهم بعمليات إرهابية نفذها داعش في الآونة الأخيرة.

في الطريق يقول لنا السائق وهو ينظر تارة إلينا وتارة أخرى أمامه بأن سكان الرقة عانوا كثيراً خلال فترة سيطرة داعش، مضيفاً "كنا نرى ونسمع عن عمليات الذبح والحرق، لكن في الآونة الأخيرة، مارس داعش أسلوبا آخر في القتل وهو قليُ الأشخاص في الزيت وهم أحياء، كان ذلك مريباً".

بينما تتراوح سرعة السيارة بين الـ80 و 100 كلم في الساعة،  أشَارَ السائق بإصبعه وقال "هذه هي الرقة، سندخل أولى أحياءها".

كان مقر الفرقة 17 لقوات النظام قديماً على تخوم المدينة، بالقرب من مدخل الفرقة يتواجد قوس ليس بكبير، على جدران ذلك القوس كتب الجنود السوريون أسماءهم وذكرياتهم، تقول روايات بأن أغلب الجنود فقدوا حياتهم رمياً برصاص على يد داعش، بعد فرار الضباطً من تلك الفرقة، ليكون الجنود ضحية لعبة سياسية بين النظام السوري وتلك المجموعات الإرهابية.

حي دوار الحزيمة أو حي تشرين كان أول أحياء المدينة التي دخلناها من الناحية الشمالية وهو واحد من أحياء مدينة الرقة التي يبلغ عددها 30 حياً، لم يسلم ذلك الحي كغيره من الأحياء من القصف والمعارك التي دارت رحاها في المدينة التي اتخذتها داعش عاصمة لها.

نتيجة للدمار الهائل تعيش المدينة حالة تلوثٍ كبير في حين يستخدم العاملون وبعضاً من الأهالي ممن يعانون مشاكلً صحية، كمامات للحد من تنفس الهواء الملوث.

دخلنا حي الرميلة والذي يقع شمال شرق المدينة، على جنبات الطريق تعمل آلياتٌ على إزالة الأنقاض من الشوارع والأزقة، فيما يتم تجميع قضبان الحديد المستخرج من أعمدة الأبنية المهدمة وإعادة تأهيلها لاستعماله في عمليات بناء أخرى، ما يدل على أن عملية الإعمار سارية في المدينة.

أغلب الأبنية في الرقة يتراوح ارتفاعها بين الطابقين والـ 6 طوابق لا أكثر، فيما تتوسط أغلب الشوارع ولا سيما العريضة أشجار كبيرة يعود عمرها لعقود.

رافقنا عدد من الصحفيين المحليين العاملين وتجولنا ولمدة ساعات داخل أحياء المدينة، ولدى السير بين أرجاء المدينة تلاحظ شباناً ذوي شعرٍ طويل، ليس جميع الشباب بل أغلبهم كنا نتفاجأ إذ رسمت في مخيلتنا طيلة السنوات الماضية بأن داعش هم أصحاب الشعر والذقن الطويلين، لكن في الحقيقة هذا ما يميز شبان محافظة الرقة، بالإضافة إلى محافظة دير الزور عن باقي المحافظات السورية وهي عادة عشائرية.

وصلنا إلى دوار النعيم الذي يتوسط المدينة. من هنا أعلنت قوات سوريا الديمقراطية قبل عام من الآن انتصار الحملة التي قادتها المرأة السورية على داعش الذي علق رؤوس المواطنين السوريين في ذلك الدوار والذي سمي آنذاك بـ"دوار الجحيم" لترهيب الأهالي إبان سيطرته.

مقاتلاتٌ عربيات ضمن صفوف وحدات حماية المرأة تنتشرن بالقرب من الدوار، يبدوا أنهم جاؤوا ليلقوا نظرة على أكبر ساحة في المدينة، والتي كانت يوماً ما ساحة للتعذيب والقتل.

من هو من الرقة سيعرف حديقة الرشيد الواقعة بالقرب من دوار النعيم، أصوات الأطفال تعلوا وهم يلهون برفقة عائلاتهم في الحديقة، فيما يقف باعة متجولون باحثين عن رزقهم في تلك المنطقة المكتظة بالسكان.

بلغ عدد سكان مدينة الرقة قبل سيطرة داعش عليها أواخر عام 2013 حوالي 400 ألف نسمة، بينما بلغ عدد سكان إجمالي المحافظة قرابة المليون و200 ألف نسمة.

في عدد من الشوارع وعلى وجه الخصوص في حي البانوراما، صادفنا أشخاصاً يرتدون زياً موحد وعند السؤال عن عملهم، قال لنا أحد الصحفيين المحليين بأنهم "فرق الاستجابة الأولية" وهم من يعملون على إخراج جثث المدنيين ممن فقدوا حياتهم جراء المعارك بعد أن منعت داعش السكان من الخروج لتستخدمهم  دروعاً بشرية، بالإضافة إلى المقابر الجماعية التي اكتشفت بالعشرات في المدينة والريف.

توجهنا جنوباً حتى وصلنا إلى "الجسر القديم" كما يدعوه أهالي الرقة، ذلك الجسر تهدم بشكل جزئي أثناء المعارك الأخيرة، بلدية الشعب في الرقة تعمل على إصلاحه، فيما كان يقول مواطنون بأنه سيتم إنجاز إصلاح الجسر وافتتاحه في ذكرى تحرير المدينة أي بعد أيام.

فالجسر الذي كان يربط بين الريف الجنوبي والمدينة لم يعد نشطاً، لذا فيتنقل الأهالي بواسطة ألواح حديدية كبيرة وضعت على المياه تحمل الآليات والأهالي إلى الضفة الأخرى من النهر، وتتحرك تلك الألواح عن طريق محرك صغير خصصَ لها.

استمرت رحلتنا حتى تجوّلنا في عدد من أحياء المدينة. لقد نال شارع الباسل وشارع الثكنة وحارة البدو كما يطلق أهالي الرقة عليها النصيب الأكبر من الدمار، جراء الاشتباكات الطاحنة التي دارت في تلك الشوارع خريف عام 2017.

وعلى العكس من ذلك فقد بدى شارع الـ23 من شباط أنشط شوارع المدينة وأكثرها ازدحاماً، العديد من العائلات ينظرون إلينا من منازلهم المطلة على الشوارع، فهم على دراية بأننا نقوم بعمل صحفي نظراً للمعدات التي نحملها، لذا كان لهم فضول لمعرفة ما نفعله.

عند قيامنا بتصوير المحال أو أماكناً أخرى يرفع البعض شارة النصر في إشارة إلى انقضاء فترة العبودية التي اتبعتها داعش والإسلام المزيف الذي كان يدعيه.

بينما كنا نسير في الشارع رأينا طلاباً يخرجون من المدارس وآخرين يدخلونها، تبدو علامات الفرح على وجوههم واضحة، فقد حرموا من حق التعلم لسنوات في ظل سيطرة داعش، لقد دخلنا مدرسة الفاروق كبرى مدارس المدينة، إنها تحتضن حالياً 2500 طالبٍ وطالبة.

نظراً لعدم تواجد المدارس المؤهلة للتدريس بسبب الدمار، يدخل كل 50 طالب صفاً واحداً، وكل 4 أربعة طلاب في مقعد.

يحيط بالمدينة التي اتخذها الخليفة العباسي هارون الرشيد عاصمة له، سورٌ أثريً كبير يحتوي على عشرات الآلاف من القطع الطينية المصنعة قديماً، فيما يتواجد بالقرب من السور عدد من الأعمدةِ الأثرية العالية، بحسب عدد من الباحثين وسكان المدينة فإن السور يعود إلى العصر العباسي الذي حكم المنطقة حوالي عام 750 ميلادي.

في نهاية المطاف عدنا إلى المكان الذي أتينا منه واستغرقت رحلتنا لساعات، رغم معاناة تلك السنوات والدمار الهائل إلا أن أهالي الرقة السورية بدوا أقوى من ذلك فقد بدأوا بصفحةٍ بيضاء جديدة، الأسواق تعج بالسكان الحدائق والملاعب كذلك ، من جانب آخر الزراعة وعمليات إعادة إعمار المدينة كل ذلك سيفضي إلى الرقة الجديدة بعيداً عن الذل العبودية.

(هـ ن)

ANHA