القروض المصرفية تؤرق حياة الموظفين في غزة  

المعاناة والمأساة رفاق دربٍ لمن توجه للبنوك ومؤسسات الإقراض في غزة للحصول على قرض بنكي مصرفي منذ سنوات، ذلك لأن الحاجة سيدة الموقف حسب تعبير المواطنين، ليجلس اليوم واضعاً يديه على خديه وأمامه القليل من النقود يوزعها على كافة متطلباته الحياتية متورطاً بالتزام قد يودي به إلى خلف قضبان السجون.

القروض المصرفية تؤرق حياة الموظفين في غزة  
الخميس 30 آب, 2018   06:10

مصطفى الدحدوح / غزة

ومؤخراً ارتفع معدل المساجين داخل سجون قطاع غزة بمعدلات أعلى عن الأعوام السابقة بشكل ملموس، والملفت بأن ما يزيد عن 50% منهم من موظفي السلطة وحكومة غزة ورجال الأعمال، وذلك لعدم إيفائهم الأقساط المستحقة من الديون المتراكمة عليهم بعد تسارعهم لسحب القروض.

المواطن يحيى السوسي موظف سلطة فلسطينية متقاعد يعيل أسرة مكونة من 8 أفراد، جلهم خريجون جامعيون، ويصف الحال الذي يعيشه ومعظم الموظفين الآخرين بـ "الكابوس الذي جلبوه بأيديهم" بعد تسارعهم إلى البنوك ضمن سياسة التفاخر "من يقوم بسحب قيمة قرض بنكي أعلى عن الآخر" وذلك بدوافع فتح مشاريع استثمارية أو تيسير أعمال زواج أو بناء منزل، ولكن لم يكن العقل مدركاً ماذا يحمله المستقبل المجهول.

وأشار بأنهم اليوم يدفعون ضريبة ما قاموا به، فالمعاناة من القروض البنكية باتت تسيطر على منافذ رزقهم دون امتلاكهم أي سلطة على رواتبهم، مبيناً أن الأمور في بدايتها كانت سهلة المنال والإجراءات، وتعد إيجابية لسد الشخص احتياجاته وتنفيذ ما يخطط ويطمح له.

وقال السوسي أن الكثير من البنوك العاملة في غزة والمؤسسات الإقراضية، قدمت قبالة أعوام إغراءات للزبون لسحب القروض حتى لو لم يكن بحاجتها، وما أن تنتهي الإجراءات وتخوض أول سنة في سداد القرض حتى تبدأ المعاناة الحقيقية، لتصل نسبة الخصومات من الراتب الأساسي أكثر من الثلث، لتبدأ الإشكاليات تطفو لما يواجه المواطن من عجز في المصروفات الحياتية الأساسية، الأمر الذي يجبره على أخذ قرض آخر من مؤسسة على ضمان كفيل لتسيير أمور معيشته، خاصة إذا كان لديه أسرة وأطفال يعيلهم.

أما الشاب راغب الثلاثيني الذي كان يحلم بالزواج رغم صعوبة الأوضاع المعيشية التي يمر بها، لجأ إلى نظام القروض من مؤسسات تيسير الزواج، ويقول "مؤسسات الإقراض لا ترحم ولا تقدر الظروف الاقتصادية للمواطن، وفي حال تعذر عليه دفع قسط شهري يتم رفع الأمر للمحكمة، بالتالي يصبح مهدداً بالسجن".

وتشير إحصائيات رسمية صادرة من مجلس القضاء الأعلى في غزة، بأن عدد قضايا تنفيذ الذمم المالية لعام 2015 وصل إلى 80 ألفاً و92، وزادت بشكل طفيف في عام 2016، ووصلت إلى 80 ألفاً و398، وفي عام 2017 بلغت 98 ألفاً و314.

وتشير نتائج مسح أجراه مركز الإحصاء الفلسطيني، إلى أن نسبة الفقراء في الضفة الغربية وصلت إلى 13.9%، بينما وصلت نسبة الفقراء في قطاع غزة إلى 53.0%، أي تفوق نسبة الفقر في الضفة الغربية بحوالي أربعة أضعاف. 

وبناءً على خط الفقر المدقع فقد بلغت نسبة الفقراء حسب المسح في الضفة الغربية 5.8% بينما وصلت في قطاع غزة إلى 33.8%، أي تفوق نسبة الفقر في الضفة الغربية بحوالي ستة أضعاف.

وأظهرت بيانات صادرة عن سلطة النقد الفلسطينية، حول قيمة القروض المصرفية غير المسددة في البنوك الفلسطينية البالغ عددها تسعة بنوك عاملة، أن قيمتها حتى نهاية حزيران/يونيو الماضي بلغت 968.2 مليون دولار، وتراجعت قيمة القروض المصرفية من 995.7 مليون دولار في أيار/مايو أيار لهذا العام، و993.3 مليون دولار في يونيو 2017.

وبلغت قيمة القروض المصرفية غير المستحقة في غزة ذروتها خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إذ سجلت حينها 1.014 مليار دولار أمريكي.

وأرجع محللون اقتصاديون في حديثهم لوكالة أنباء هاوار السبب الرئيسي في تراكم القروض البنكية غير المسددة منذ نيسان/أبريل 2017، مع خصم 30% من رواتب الموظفين العموميين في القطاع، من قبل الحكومة الفلسطينية، وارتفعت نسبة الاقتطاعات في نيسان/أبريل 2018 إلى 50%، مؤديةً إلى تراكم الأقساط غير المسددة عليهم لصالح البنوك العاملة في القطاع.

وتابعوا أن الانقسام والحصار المفروض على غزة من الأسس الأهم من نقص صرف الرواتب لكونها نتاج الانقسام الفلسطيني، مؤكدين بأن تخلي حماس عن التحكم في زمام الحكم في غزة وتسليم الجباية والأمن والقضاء بمثابة انتهاء للانقسام بدون أي وسيط أو جلسات حوار ولكن حكومة غزة متمسكة بالإيرادات التي تجنيها من القطاع من الضرائب والجمارك.

وأوضح المحللون أن هناك عوامل تدفع المواطنين للاقتراض منها معادلة عملية "اقتصاد الدخل" والقائمة على قسمي الإنفاق والادخار، وفي حالة الحد الأدنى من الإنفاق الإجباري يجبر المواطن على الادخار السالب، وهذا يدفعه للاقتراض أو الاستدانة لتغطية الفرق بينهما.

ونوه المحللون بأن الحياة المعيشية بين أوساط المجتمع المدني الاقتصادي وصلت إلى معدلات غير متوقعة إذ بلغت نسبة العجز في الأمن الغذائي للمواطنين إلى 85% فلم يعد المواطن قادراً على توفير لقمة عيشه، فيلجأ للاقتراض من البنوك أو المؤسسات أو الاعتماد على المساعدات.

وشددوا على أهمية معالجة قضية رواتب الموظفين لما تحمل من أعباء على المنظومة الاقتصادية في غزة، مشيرين إلى أن الأمر لا يقتصر على موظفي السلطة بل أيضاً موظفي حكومة غزة مما يجعل جملة الدائرة الاقتصادية تسير بنفس الطريق.

ويذكر أن رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله أعلن رقماً جديداً لعدد الموظفين العموميين في غزة، بعد التقاعد المبكر الذي نفذته الحكومة منذ 2017، بلغ عددهم 35 ألفاً بينهم 15 ألف موظف مدني، من أصل قرابة 58 ألف.

وبلغ متوسط فاتورة رواتبهم الشهرية بعد الاقتطاعات (50 بالمائة) والتقاعد المبكر، منذ نيسان/إبريل 2018، نحو 22.8 مليون دولار شهرياً.

(ح)

ANHA