تعرف على قرية جتال زاراته

كانت قرية زيارة التابعة لناحية شيراوا في عفرين أثناء شن هجمات جيش الاحتلال التركي ومرتزقته الإرهابيين مأوى لآلاف الأهالي الفارين من نيران القصف الهمجي من جهة ومعبراً حيوياً من جهة أخرى، فما هو تاريخ هذه القرية وأهلها.

تعرف على قرية جتال زاراته
تعرف على قرية جتال زاراته
تعرف على قرية جتال زاراته
تعرف على قرية جتال زاراته
تعرف على قرية جتال زاراته
تعرف على قرية جتال زاراته
تعرف على قرية جتال زاراته
تعرف على قرية جتال زاراته
الخميس 16 آب, 2018   04:03

جعفر جعفو - علي كدرو/عفرين

لا يعرف الكثير عن بدايات تشكل هذه القرية لانعدام المصادر المكتوبة والمراجع التي تتناول تاريخها وأغلب الكتابات الحديثة عن هذه الرقعة الجغرافية وتركيبتها السكانية مأخوذة من قصص الكبار والتي كثيراً ما تكون غير واقعية في سردها أو بنائها المعرفي، كما أنها لا تستند إلى أسس علمية أو دراسات تاريخية ولكن بالغوص قليلاً في ثنايا تلك الحكايات يمكن أن نستشف قدر المستطاع، البعض من الحقيقة بحيث نفهم قليلاً ما يكتنف تلك المرحلة من غموض.

كما في السجلات الرسمية السورية تسمى القرية باسم الزيارة ولا أحد يعرف مسماها القديم أو تسمى جتال زاراته كما كانت تسمى في فترات سابقة نسبةً لوجود قبتين فيها وهما قبة المسجد والتي تعود للفترة العمرية حسب مرويات الأهالي وقبة مزار الشيخ يوسف الكوفي والتي تعود لفترة الحروب الإسلامية، وذلك حسب تلك المرويات نفسها.

تأسست القرية في أواخر القرن الثامن عشر على أنقاض بلدة مهجورة يعود تاريخها إلى العصور القديمة والوسطى، حيث تعاقبت عليها حضارات عدة كالحثية والميتانية والهورية وآخرها اليونانية والرومانية وازدهرت في الفترات السابقة بحكم موقعها الهام على الطرق.

لا شك أن الحروب لم تهدأ يوماً فيها وكانت معرضة دائماً لخطر الحروب والتشرد والخراب وهذا ما يؤكده لنا التاريخ الماثل في كل ركن وزاوية على الحجارة الضخمة والكهوف العميقة والآبار المنتشرة في كل مكان.

بعد هزيمة عشائر ملان أو ملي Êla Milan وسقوط إمارتهم في شمالي كردستان على يد جيوش الباب العالي فر الكثيرون ممن كانوا متورطين في الثورة والحرب ضد العثمانيين إلى أمصار بعيدة عن مركز الخلافة كخراسان وأرمينيا أو أماكن قريبة نسبياً منها كأجزاء كردستان الأخرى والتي لعبت دوراً هاماً آنذاك في احتضان أبنائها.

من هؤلاء كانت عائلة ولي كال Welî Kal وتنتسب إلى فخد خضركي فرع إبراهيم باشا الملي، توجهت العائلة جنوباً وغرباً إلى روج آفا مروراً بسري كانيه، بيرة أرمناز، معرة النعمان، حريتان وأخيراً استقر بهم الحال على السفح الشرقي لجبل ليلون.

كانت عائلة ولي كال Welî Kal تتألف من سبعة أخوة، استقر أحدهم في بيرة أرمناز ومنه عائلة الحلاق حالياً وهي عائلة كبيرة مستعربة، و استقر أخ آخر لهم في معرة النعمان، ومنه عائلة تناري، وهي عائلة كبيرة أيضاً ومستعربة، توفي أحد الأخوة على طريق الترحال، فيما استقر البقية في باطمسكه وهو موقع أثري يقع جنوب القرية.

فيما بعد انتقل ثلاثة أخوة إلى مكان القرية الحالي، انتقل الأخ الرابع إلى قرية عقيبة بعد أن تزوج منها ليؤسس فيها عائلات عدة منها عائلة أوسمان وعائلة ايبش وعائلة طلوبة وهي عائلات كبيرة، إضافةً إلى عائلات أخرى.

وقال أستاذ التاريخ عبد الجليل ايبش وهو من أهالي القرية "إن القرية ازدهرت من قبل الإخوة الثلاثة "ولي، بكر، ودرويش" انضمت إليهم لاحقاً عائلات أخرى من القرى المجاورة مثل عائلة علي بيج وعائلة أيوب ليشكلوا معاً رابطة اجتماعية قوية بحكم علاقات الزواج والعيش المشترك".

وذكر ايبش "تقدر عدد بيوت القرية حسب إحصائيات الأهالي لعام 2011 بـ 300 منزل، أي ما بين 3500- 4500 نسمة".

وأشار ايبش إلى أن علاقة القرية بالجوار السني والشيعي دائماً علاقة جيدة، وإنها كانت تابعة إدارياً لكلس في الفترة العثمانية ثم أصبحت تابعة لعفرين بعد تأسيسها في فترة العشرينات على يد حكومة الانتداب كمركز للمنطقة وإنها كانت على صلة قوية بمدينة حلب لتسويق المنتجات المختلفة.

وأضاف ايبش "القرية اشتهرت بزراعة القطن والحبوب كالقمح، الشعير، العدس والحمص وكذلك بالخضروات الصيفية البعلية كالقتة والقرع وعباد الشمس، البندورة، الجبس والبطيخ، إضافة إلى كروم التين والعنب، ومؤخراً في فترة الخمسينات ازدهرت فيها زراعة الزيتون، كما أدخلت حديثاً زراعات جديدة كالتوابل مثل الكمون، الكزبرة والحبة السوداء(حبة البركة)".

اشتهرت في بداياتها بالخان والذي بناه عيسى الجد الأول لآل عيسى، حيث كان يستقبل الزوار والمسافرين على الطرق الواصلة بين شمال كردستان وغرب الأناضول من جهة ومدينة حلب والداخل السوري من جهة أخرى. كانت المختارة لفترة طويلة هي الممثل الحقيقي لسلطة الدولة.

كما تتميز القرية بحسن الضيافة والكرم الذي يعتبر في قمة الخلق الاجتماعي وهو محط تسابق وتنافس بين الأهالي ويظهر ذلك جلياً في المناسبات المختلفة وعلى رأسها الأفراح والأتراح، حيث يتشارك الأهالي جنباً إلى جنب، كما كانت المضافة مكاناً للسمر وحل الخلافات والعقد الاجتماعية وتميزت بأهمية خاصة ومكانة نالت كل التقدير والاحترام.

في الثمانينات بنيت المدرسة الرسمية بعد أن كانت متنقلة بين بيوت القرية وبإمكانات بسيطة وفي التسعينات شهدت القرية تطوراً عمرانياً سريعاً وظهور منشآت عدة أهمها الفرن الحديث الذي افتتح على يد أبناء خليل إبراهيم ليغذي القرى المحيطة أيضاً، كما افتتح المستوصف ومنشآت أخرى كمعصرة للزيتون ومركز للغاز ومحطة للوقود وكل ذلك على يد أبنائها والعديد من المحال التجارية إلى جانب الصيدلية والعيادات الطبية.

مع بداية الأزمة السورية واستشعار الأهالي خطورة المرحلة واحتقان الوضع بالجماعات المرتزقة، رأوا أنه من الضرورة بمكان لحماية وجودهم الالتفاف حول قيادة ثورة روج آفا والتي شكلت مصدر وحي وإلهام للعديد من شبابها وبناتها ممن انخرطوا في صفوفها وتشكيل قواتها كوحدات حماية الشعب والمرأة والأسايش ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، وتم تشكيل كومين فيها وكذلك لجان متفرعة عنه.

في نيسان 2013 حاولت قوات النظام اقتحام القرية للوصول إلى مطار منغ وفك حصار المفروض من قبل المجموعات المرتزقة عنه، وعلى إثر ذلك نشبت فيها اشتباكات عنيفة بين قوات النظام من جهة والمجموعات المرتزقة من جهة أخرى دفع الواقع الجديد بالأهالي إلى النزوح لقرى عفرين الأخرى.

عانت القرية خلال فترة حكم المجموعات المرتزقة من لواء التوحيد، لواء الفتح، مرتزقة داعش، جيش محمد، كتائب نور الدين الزنكي، جيش المجاهدين، لواء فاستقم كما أمرت، الجبهة الشامية، جبهة النصرة، الجبهة الكردية الإسلامية، مرتزقة كتيبة صلاح الدين، الويلات، من خطف وابتزاز وسرقة وإهانات، وبالرغم من كل ذلك ظل الكثير من الأهالي متمسكين بقرار البقاء والتشبث بالأرض، كما طال التخريب والتفجير والتدمير العديد من منازل القرية بشكل مقصود.

وفي عام 2016 في شهر شباط حررت القرية على يد مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة، شهدت القرية بعد التحرير انتعاشاً ملموساً بعد عودة معظم النازحين إلى بيوتهم والبدء بإعادة التأهيل وفتح المحال التجارية وتنظيم الحياة فيها مرة أخرى وتشكيل الكومين الذي حاول تقديم خدماته قدر الإمكان حسب ظروف الحرب والإمكانات المتاحة.

كما أن القرية لعبت في فترة شن هجمات جيش الاحتلال التركي ومرتزقته على مقاطعة عفرين في العام الجاري دوراً حيوياً هاماً كمعبر من جهة وكقبلة لاستقبال الأهالي الفارين من قصف جيش الاحتلال التركي من جهة أخرى، والآن تحضن قرية زيارة حوالي 470 عائلة من أهالي عفرين.

(ن ح)

ANHA