الحكومة اللبنانية؛ عقد داخلية وأجواء إقليمية ودولية مشحونة

تستمر المراوحة في مسار تأليف الحكومة اللبنانية بعد شهرين ونصف من تكليف سعد الحريري بهذه المهمة وتنسب البرودة إلى عدة عُقد سياسية داخلية وأجواء إقليمية ودولية مشحونة.

الحكومة اللبنانية؛ عقد داخلية وأجواء إقليمية ودولية مشحونة
السبت 11 آب, 2018   01:44

يحيى الحبيب / مركز الأخبار

منذ تكليف رئيس تيار المستقبل سعد الحريري بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة منذ شهرين ونصف على إثر إجراء الانتخابات البرلمانية والتي أحدثت تغيراً في موازين القوى والتوازنات داخل مجلس النواب اللبناني، لا تزال عملية تشكيل الحكومة تواجه المصاعب والعديد من العقد.

وفي الحقيقة فإن العسر في تشكيل الحكومة اللبنانية هو ليس بجديد فلسوء حظ اللبنانيين فإن كل انتخابات لبنانية تكون مترافقة مع أجواء إقليمية مشحونة تربك التوازنات الداخلية اللبنانية.

مرت قرابة شهرين ونصف على تكليف الحريري بتشكيل الحكومة العتيدة بموجب الاستشارات النيابية الملزمة التي أجراها كل من رئيس الجمهورية ميشيل عون وأدارها الرئيس المكلف سعد الحريري مع القوى السياسية والكتل النيابية والتي لم تفض إلى أي نتيجة أو اتفاق على تشكيل حكومة واسعة. فما أن قدم سعد الحريري تصوراً مبدئياً لشكل الحكومة المقبلة حتى رفضه شريكه في التوقيع عليه  رئيس الجمهورية ميشيل عون.

ومن خلال النظر للعملية السياسية اللبنانية خلال العقود الماضية فإن تأخر تشكيل الحكومة لمدة شهرين ونصف ليس بالأمر الكبير لأن سابقاتها من الحكومات تعرقلت لفترات أطول قد وصلت بعضها إلى قرابة العام كحكومة تمام سلام ونجيب ميقاتي.

وتتوزع أسباب التأخير في تشكيل الحكومة بين صراع القوى السياسية على حصصها في التمثيل الحكومي ومعوقات خارجية تعود إلى صراع النفوذ في لبنان بين المحور الذي تتزعمه السعودية والآخر الذي تتزعمه إيران، على هوية الحكومة اللبنانية الجديدة وتوجهاتها. وتختلف في لبنان روايات أسباب تعطيل التأليف باختلاف الجهة السياسية، التي تحمّل كل واحدة منها الطرف الآخر مسؤولية التعطيل.

وبالإضافة إلى كل هذه العقد ستتبعها مسألة البيان الوزاري والذي سيشهد خلافاً كبيراً بين الأطراف السياسية ومن خلفها الإقليمية وخصوصاً بما يسمى ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة".

العقد الطائفية الثلاث التي تعيق تشكيل الحكومة اللبنانية

على وقع السيطرة النيابية لحزب الله وحلفاءه والسعي لتكريس هذه السيطرة بالحصول على أغلبية مقاعد الحكومة التي من المتوقع أن تتألف من 30 وزيراً ومساعي الطرف الثاني المتمثل بتيار المستقبل وحلفاءه الحفاظ على زعامة الشارع السني تستمر العقد الطائفية بالتعمق.

وتتمثل العقدة السنية بمحاولة تيار 8 آذار بقيادة حزب الله بخطف مقعد وزاري من الحصة السنية لأحد المعارضين لتيار المستقبل وإحداث اختراق في الحاضنة الاجتماعية له, فيما يرفض الحريري التنازل عن أحد المقاعد الستة المخصصة للسنة ويخشى الحريري من أن نجاح أي شخصية سنية من خارج تحالفه ستنافسه على رئاسة الحكومة كما حصل في حكومة ميقاتي.

أما العقدة الدرزية فتتمثل باعتبار وليد جنبلاط بأنه الأحق بتمثيل الوزراء الثلاثة المخصصين للدروز ولا يرى منافساً حقيقياً له, لكن ما عقّد الوضع الدرزي هو مسألة اقتطاع وزير من الحصة الدرزية لصالح التيار الوطني الحر، وتحالفه مع رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني، الوزير طلال أرسلان، والذي فاز بمقعد نيابي وحيد عن حزبه، وهذا ما يرفضه الزعيم الدرزي، وليد جنبلاط، ويتمسّك بتمثيل الطائفة الدرزية في الحكومة.

أما العقدة الكبرى في هذه الأزمة فهي العقدة المسيحية، فالصراع على أشده بين أكبر حزبين مسيحيين هما التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والذين تنصلا من اتفاق معراب 2016 الذي أوصل ميشيل عون إلى الرئاسة ونصّ على مساواة الفريقين بعدد الوزراء.

وتعد هذه العقدة هي الأبرز، حيث يرفض التيار الوطني الحر المتمثل بـ 21 مقعداً نيابياً والذي يرأسه جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية، تمثيل القوات اللبنانية المخصص لها 16 مقعداً نيابياً، بأكثر من 3 وزراء في الحكومة من دون أن يكون من بينها أية وزارة سيادية أو أساسية. ويضع مراقبون هذا الصراع المسيحي كجزء من معركة رئاسة الجمهورية مستقبلاً خصوصاً وأن جبران باسيل وسمير جعجع يطمحان إلى شغل منصب رئاسة الجمهورية.

وهناك أيضاً عقدة رئيس الجمهورية التي أخذت العادة بإعطائه حصة وزارية إضافية يملك من خلالها الثلث زائداً واحداً في الحكومة، وهو ما يحوّله الحاكم الفعلي للبلاد، بدل الحكومة مجتمعة، وفق ما أقرّه الدستور اللبناني في اتفاق الطائف. وبالتالي، فإن رئيس الحكومة المكلّف يرفض هذا الأمر، ومعظم القوى السياسية ترفضه أيضاً.

الأجواء الإقليمية والدولية تعقد الأزمة اللبنانية

كما ذكرنا سابقاً أنه من سوء حظ اللبنانيين فإنه مع كل عملية سياسية وانتخابات لبنانية تكون مترافقة مع أجواء إقليمية ودولية مشحونة فمع انتهاء الانتخابات النيابية لهذا العام بدأ ما أسماه البعض موسم الهجوم على إيران وحلفائها وأهمهم حزب الله اللبناني وترجم  ذلك بالعقوبات التي فرضت على إيران وحزب الله بينهم وزراء ومسؤولون، وبدأ السجال على إثرها وطرح سؤال كيف سيتأثر لبنان بهذا الموسم.

ومن خلال النظر في الأجواء السياسية في المنطقة نرى بأن هناك تشابه بالوضع في لبنان والعراق، ففي كلا البلدين تأخر تشكيل الحكومة، فظاهراً الأسباب واحدة وهي خلاف القوى والكتل على الحصص والتمثيل السياسي، لكن في الحقيقة أنه في هذين البلدين حقق حلفاء إيران انتصاراً بالانتخابات وهذا ما يقلق اللاعبين الإقليميين والدوليين.

'البحث عن مشتر هو ما يعطل تشكيل الحكومة اللبنانية'

الكاتب اللبناني علي الأمين يوضح في إحدى مقالته مآلات الانتخابات اللبنانية، أن "تشكيل الحكومة اللبنانية يندرج في السياقات الإقليمية التي تسعى إيران إلى تعديل مساراتها، لكنها تدرك أن ورقة الإفراج عن الحكومة اللبنانية لم تعد ثمينة، فلا واشنطن راغبة في مكافأة حزب الله على سياسة التعطيل، ولا الدول الأوروبية قادرة على أن تدخل كلاعب بشروط فاعلة بين واشنطن وطهران، ولا الدول العربية في وارد شراء هذه الورقة التي أثبتت سابقاً أنها ساهمت في تعزيز النفوذ الإيراني في بيروت.

البحث عن مشتر هو ما يعطّل تشكيل الحكومة اللبنانية، لكن لا يبدو أن ما تعرضه إيران يغري الأطراف الإقليمية أو الدولية في الشراء، فيما اللبنانيون الغارقون في أزمات تلامس وجود للدولة يدركون أنهم في قفص حزب الله، وهذا القفص لم يعد الخروج منه ممكناً لمن هم في داخله، لذا يراقبون كيف تسير أحوال “القفص السوري” إذ لم يعد الخروج من القفص هو المبتغى بل إعادة ترتيب شروط العيش فيه بما يحول دون الاختناق أو الموت السريع".

(ح)

ANHA