عمليات الجيش المصري تحاصر المجموعات في سيناء بأسلوب "الذئاب المنفردة"

استطاع الجيش المصري محاصرة الجماعات المسلحة المتواجدة في منطقة سيناء شرق البلاد, في نطاق حغرافي محدود بعد انتشارها بشكل ملفت في الآونة الأخيرة, فيما تحولت هذه الجماعات لممارسة أسلوب "الذئاب المنفردة".

عمليات الجيش المصري تحاصر المجموعات في سيناء بأسلوب "الذئاب المنفردة"
الثلاثاء 17 تموز, 2018   07:48

مركز الأخبار

نجحت القوات المصرية مؤخراً في محاصرة الجماعات المسلحة القابعة في منطقة سيناء "شرق البلاد"، واستطاعت أن تقزم دورها في نطاق محدد جغرافياً، بعد انتشارها بشكل ملفت، في وقت سابق، في أنحاء عديدة استطاعت أن تنفذ خلالها هجمات منظمة استهدفت عسكريين وشرطيين ومدنيين.

أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مصطلح "القوة الغاشمة" على العملية العسكرية ضد الجماعات المسلحة في سيناء ويعني ذلك استخدام كل القوة لمواجهة تلك الجماعات واجتثاث جذورها، بعد استهدافها المقدسات الدينية واستهداف المساجد والكنائس.

ارتباط الإرهاب بمصر والحوادث التي استهدفت البلاد

وارتبط الإرهاب بمصر، منذ عقود، لكن ارتباطه بمصر كان على فترات متباعدة، وأوقات متفرقة إلا أن ثمة ارتباط وثيق بين فترتين نشطت فيهما جماعة الإخوان والتصقت العمليات الإرهابية بها وبالجماعات الإسلامية المتشددة التي تؤيدها، وهي في أربعينيات القرن الماضي، والفترة التي أعقبت ثورة الـ30 من يونيو 2013.

خمس حوادث إرهابية نشطت في أربعينيات القرن الماضي، كانت 4 منها اغتيالات لشخصيات سياسية وقضائية كبيرة، وواحدة محاولة تفجير، حيث اغتيل خلال تلك الفترة، رئيسا وزراء مصر أحمد ماهر ومحمود النقراشي والمستشار أحمد الخازندار واللواء سليم زكي حكمدار بمديرية أمن القاهرة، كذلك كانت هناك محاولة لتفجير محكمة استئناف القاهرة.

وبالرغم من سلسلة الإرهاب المتصلة عبر مدار النصف الأخير من القرن العشرين، والتي جاء  أبرزها محاولة اغتيال الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، واغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، ناهيك عن الإرهاب الذي دبّ في مصر في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، والتي نشطت فيها الجماعة الإسلامية، وكلفت خسارات فادحة، إلا أن الفترة التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، كانت الأسوأ في تاريخ البلاد.

وقبيل رحيل الرئيس الأسبق، محمد مرسي، كانت هناك تجمعات لعناصر جماعة الإخوان بميداني رابعة العدوية والنهضة "وسط البلاد"، تدعو إلى التطرف، ولعل الأبرز فيها تلك المقولة المقتضبة التي جاءت على لسان القيادي الإخواني محمد البلتاجي الذي قال فيما نصه "ستتوقف الدماء في سيناء في اللحظة التي يتراجع فيها عبدالفتاح السيسي عن قراره عزل الرئيس مرسي".

بدت الأمور وكأن ثمة ارتباط كبير بين ما يحدث من عمليات إرهابية متفرقة في أنحاء البلاد، لاسيما سيناء، وبين جماعة الإخوان التي انعزلت عن الحكم.

في المؤشر العالمي للإرهاب، احتلت مصر المرتبة السادسة عربياً، للعام 2017، بعد موجة هي الأشرس خلال السنوات 2014،2015،2016، وهي تلك الفترات التي أعقبت وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى سدة الحكم.

خلال تلك الفترة وبحسب إحصاءات شبه رسمية، فإن فاتورة الإرهاب بلغت ضحاياها نحو 1500 شخص أغلبهم عسكريين وشرطيين، بينما الفئة القليلة من المواطنين.

الإرهاب في عهد السيسي، تجاوز حدوده المعهودة في مصر، فلم تكن إستراتيجيته في السابق، تستهدف دور العبادة سواء في الكنائس أو المساجد، باستثناء حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية، عام 2011، لكن تلك الفترة شهدت جمات على عدد من الكنائس في حلوان والإسكندرية والبحيرة، كما كانت الفجيعة في الهجوم غير المتوقع، على أحد المساجد بسيناء.

حيث في الـ 24 نوفمبر 2017، قام عدد من المسلحين بالهجوم على مسجد الروضة في منطقة العريش، أسفر عن استشهاد نحو 305 شخصاً، في أثناء تأدية شعائر صلاة الجمعة، وهو ما دفع الرئيس السيسي، بالتعامل مع الإرهابيين باستخدام كل القوة الغاشمة.

انطلاق "العملية الشاملة سيناء 2018"

واستمرت الهجمات تضرب هنا وهناك لكنه ومع إطلاق "العملية الشاملة سيناء 2018"، في فبراير من العام الجاري، وهي حملة عسكرية استهدفت القضاء الكامل على الجماعات التكفيرية في محافظة شمال سيناء بدأت محاصرة الجماعات الإرهابية، وتقزيمها في أماكن محددة داخل الجبال، وهو ما لجأ بتلك الجماعات لاستخدام مفهوم "الذئاب المنفردة" أي القيام بعمليات إرهابية بعنصر أو اثنين على الأكثر نظراً للحصار الذي يعانونه.

ولجأت القوات المصرية، إلى قطع كل الدعم المادي والإيدولوجي للمجموعات في سيناء، وهو ما دفعها إلى محاولة السطو على بعض المراكز المالية نظراً لعدم قدرتها على توفير نفقات لها.

وبخصوص ذلك تحدث أحمد بان المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية لوكالة أنباء هاوار بأنه "يرى أن الجماعات التكفيرية، في سيناء، بدأت تعاني حصاراً كبيراً يجعلها غير قادرة على المواجهة، ومع الخسائر المتتالية للتنظيمات الإسلامية في عدد من الدول العربية لاسيما سوريا والعراق وليبيا، فإن ثمة انعدام ثقة يصيب عناصره من آن لآخر".

ولفت في حديثه إلى "أن الحكومة المصرية نجحت في اتباع عدد من الإستراتيجيات في مواجهة الإرهاب، لاسيما استراتيجية "الإنهاء" المتبعة في الداخل، والتي تسعى لتقويض عمل التنظيمات من خلال القضاء عليها بالقوة العسكرية، بالإضافة إلى وضع تشريعات قانونية صارمة لتوفير الغطاء الشرعي لعمليات مكافحة الإرهاب، وقطع الدعم اللوجيستي لتلك الجماعات على طرق الحدود الفاصلة بين مصر وغزة ومصر وليبيا".

وتابع "بان"، بالقول: "الإشكالية التي تواجهها القوات الأمنية في مصر هي أنها لا تحارب جيوشاً منظمة لكنها تواجه عناصر مختبئة في الجبال وهو ما يصعب مهمتها كثيراً".

ويؤخذ على مصر في حربها ضد الإرهاب، هو محاولاتها الدؤوبة التخلص من الكيانات والجماعات الإرهابية بطريقة حمل السلاح وفقط، فيما تتجاهل التكتيكات الحديثة لمواجهة العناصر الإرهابية في طرق جمع المعلومات وآلية التعامل معها، واعتمادها على خبراء عسكريين دون التطرق لخبراء آخرين أكثر تخصصاً لاسيما فيما يتعلق بخبراء في الجماعات الإسلامية وأساتذة في علوم النفس والاجتماع، للتخلص من الأفكار قبل الأشخاص.

وإن كان الخبير الأمني حمادة صميدة، غير متفق مع هذا الرأي، قائلًا لوكالتنا ANHA "قوات إنفاذ القانون نجحت حتى هذه اللحظة في تأدية دورها كما هو منوط منها، مشيراً إلى أن مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي لم تطلب أي مساعدة في حربها ضد الإرهاب من أي دولة، قياساً على دول أخرى بحجم أمريكا وفرنسا".

البيانات التي أصدرتها القوات المسلحة في صيغة 25 بياناً، خلال فترات متقاربة وفي وقت وجيز، تشير إلى أن العملية الشاملة بسيناء، اقتربت من تفتيت تلك الجماعات الموجودة بسيناء، هكذا يرى الخبير الأمني، في سياق كلامه مع "وكالة أنباء هاوار"، لافتاً أن اختفاء العمليات النوعية التي كانت تقوم بها الجماعات الإرهابية  في الداخل المصري وفي محافظات عدة تدل على أن الجيش والشرطة استطاعا أن يقزما أدوار تلك الجماعات.

وكالة أنباء هاوار التقت أحد الجهاديين السابقين لتستطلع منه على الآليات الجديدة التي تتبعها تلك الجماعات، وهو نبيل نعيم، الذي يفسر الوضع بأن "الجماعات الإرهابية أضحت تتبع أساليب مختلفة وحديثة في حربها ضد الدول والشعوب، لاسيما وأنها تتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي منبراً لها للترويج لأعمالها تحت شعارات مزيفة، وهو ما يبرر انضمام بعض الشباب من دول أوروبا لتلك الجماعات خاصة تنظيم داعش في العراق وسوريا".

"نعيم" قال إن جماعة الإخوان في مصر لجأت إلى سلاحين في مواجهة الدولة، الأول محاولة بث سموم الشائعات من أجل تحقيق الفُرقة بين الشعب والنظام وإفقاد الشعب الثقة في قياداته، وذلك يتم من خلال كتائب الإخوان الإليكترونية النشطة في التعامل مع السوشيال ميديا ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وأمر آخر هو العمليات العنقودية التي تقوم بها من وقت لآخر.

وتابع الجهادي السابق "ومن بين تلك الشائعات التي أرادت جماعة الإخوان بثها من أجل تشويه نظام الحكم هي ما أطلق عليه بظاهرة "الاختفاء القسري" لبعض الشبان، في حين أنه بمرور الأيام نرى أن أولئك الشباب منضمون لجماعات إرهابية ويقومون بعدد من العمليات، لافتاً أن التنظيمات الإرهابية دائماً ما تدعي البطولة أمام الأمة وتقوم بتصفية جسدية لأبنائها لكنها في المقابل لم تقم بإطلاق رصاصة واحدة على أعدائها المعروفين".

وكانت الأعوام الأربع المنصرمة, قاسية بالنسبة للمصريين, بسبب تعدد العمليات الإرهابية والتي راح ضحيتها المئات, فيما أكدت السلطات المصرية وعلى لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن "العملية الشاملة سيناء 2018" لن تنتهي قبل التخلص جذريا من تلك الجماعات على حد وصفه.