تحديات تواجه أردوغان .. إما تغيير المسار أو الغرق في نرجسيته السلطانية

يضع فوز أردوغان في الانتخابات التركية أمام تحديات داخلية وإقليمية ودولية كبيرة فإما أن يغيِّر المسار، وإما أن يظل غارقاً في نرجسيته السلطانية، وفي ظل تلقيه صفعة قوية بالنتائج الضعيفة التي لم تمنحه أغلبية كبيرة كما كان يحلم، ليس أمامه سوى القيام بضربة أخيرة لتثبيت مشروع أسلمة تركيا وضرب علمانيتها.

تحديات تواجه أردوغان .. إما تغيير المسار أو الغرق في نرجسيته السلطانية
الإثنين 2 تموز, 2018   05:06

مركز الأخبار

تكثر التحليلات لمستقبل الدولة التركية بعد فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالانتخابات والتي لم يحقق فيها النتائج التي كان ينتظرها على الرغم من فرض حالة الطوارئ والتضييق على المعارضين والصحفيين.

وتساءل الكاتب مأمون فندي في صحيفة الشرق الأوسط عن مستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد فوزه بولاية ثانية بنسبة 52 في المائة في مجتمع بدا منقسماً على نفسه؟ وعن مستقبل أردوغان في ظل نظام جديد يجعل من رئيس تركيا سلطاناً عثمانياً بصلاحيات لا حدود لها؟

هل هو تعزيز لرئاسته أم أنه يفتح الباب حول إزاحته بالقوة قبل انقضاء فترته الرئاسية؟ هل يتبنى الرئيس التركي نموذج فلاديمير بوتين في روسيا، وما يأتي معه من حصار أوروبي أم يوسّع أردوغان تحالف الحكم ليشمل مَن عارضوه، ويصبح رئيساً لكل الأتراك كما قال في خطابه بعد الفوز؟ أم أن ما نراه في تركيا هو بداية النهاية لحكم الإسلاميين في هذا البلد؟ انتخابات تركيا الرئاسية تطرح المزيد من الأسئلة ولا تقدم إجابات عن استقرار بلد كبير في الشرق الأوسط تكون لأي هزة فيه تبعات إقليمية وربما عالمية مهمة.

ويجيب الكاتب "بدايةً، مشكلة أردوغان تبدو داخلية في المقام الأول. النسبة التي فاز بها رجب طيب أردوغان رئاسياً وبرلمانياً لم تتجاوز الثلاثة والخمسين في المائة، رغم أن خروج الأتراك للانتخابات بلغ أكثر من ثمانين في المائة. ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أننا أمام مجتمع حي ونشط سياسياً، وأن القضايا المطروحة حرّكت الجماهير، وأن الخوف على النظام الجمهوري في تركيا خوف حقيقي. نعم صوّت الأتراك في 2017 للتعديلات الدستورية، ولكن في الحالتين صوّتوا في أجواء غير ديمقراطية تحت وطأة الطوارئ والتضييق على الإعلام".

ويشير الكاتب أن ترتيب تركيا جاء في ذيل القائمة في آخر تقرير عن حرية الصحافة، حسب تقرير «مراسلون بلا حدود» لعام 2018، وكان ترتيب تركيا 157. أي أن النظام في تركيا لا يترك مجالاً إلا نادراً لمعارضيه، ويمنع تماماً ظهور المعارضين على تلفزيون الحكومة والتلفزيونات الخاصة التي يموّلها حزب أردوغان. ورغم كل هذا تبقى هناك نسبة تصل إلى 47 في المائة من الشعب التركي تعارض أردوغان وطموحاته السلطانية، وهذه نسبة لا يستهان بها في أي نظام ديمقراطي. ولو أن الظروف عادية خارج الطوارئ، وأن هناك حرية للتعبير والرأي ربما كانت النسبة لصالح المعارضة.

ويؤكد فندي "كل هذا يضع أردوغان أمام تحديات كبرى داخلياً وإقليمياً وعالمياً، رياح لا بد أن ينحني لها إذا أراد أن يكون له شرعية وقبول، خصوصاً على المستوى الدولي. أما إذا تعنّت واستمر في قمع الحريات والتدخل في شؤون الجيران مثل سوريا والعراق، فضلاً عن تدخله في الأزمة الخليجية الأخيرة، ومحاولة الضغط على أوروبا من خلال انتهاج سياسة فتح أبواب الهجرة فربما سيجد نفسه محاصَراً عالمياً، وتبقى شعبيته عالية فقط في أوساط الإسلاميين في تركيا وفِي الإقليم، ولا أظن أن هذا التأييد يقيم عوداً، بل سيُصبِح عبئاً ثقيلاً عليه".

ويختم الكتاب كلامه بتخيير الرئيس التركي أردوغان "يمكن لأردوغان أن يغيِّر المسار ويبدأ حقبة جديدة في تاريخ تركيا في ظل النظام الرئاسي الجديد، ويمكنه أيضاً أن يظل غارقاً في نرجسيته السلطانية، وبهذا يدفع الأتراك دفعاً لإزاحته عن الحكم بالقوة. الخيار لأردوغان نفسه ولا أحد غيره".

وبدوره الدكتور سالم الحميد حاول في صحيفة العرب تحليل المرحلة القادمة لتركيا في ظل فوز أردوغان بالقول"يبدو أن تركيا سوف تودّعُ خلال السنوات القادمة شخصيتها العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك. لأن الرئيس رجب طيب أردوغان بعد أن شرعن بالانتخابات الأخيرة بقاءه في السلطة لخمس سنوات قادمة، يريد أن يترك بصمته على المجتمع التركي وعلى نظام الحكم.

ولأنه لم يحصل على أغلبية كاسحة كما كان ينتظر، من المتوقع أن يمضي فترته الرئاسية الأخيرة بتوتر قد ينعكس على قراراته، ويدفعه إلى ارتجال إجراءات وتشريعات سوف تسبب المزيد من الغضب في الشارع التركي".

ويوضح الحميد "كان أردوغان قد سعى بكل إصرار إلى بناء نظام رئاسي بصلاحيات واسعة، ودخل في خلافات حادة مع النخبة السياسية التركية من أجل إقرار هذا التحول، الذي تم تفصيله بالطبع على مقاسه. وعلى وقع فوزه في الانتخابات الأخيرة أعاد تذكير نفسه وجمهوره في أحد الخطابات بأنه على موعد مع استغلال النظام الرئاسي لتغيير وجه تركيا".

ويقارن سالم الحميد بين تركيا قبل وبعد مجيء أردوغان ويؤكد أن تركيا في المستقبل القريب تتجه عملياً نحو بناء نظام ثيوقراطي أكثر جموداً. فأردوغان لا يؤسس لنفسه فقط، بل إنه يحاول ترسيخ نظام يحمي هيمنة الإسلاميين ويضمن لهم صلاحيات لتغيير المجتمع التركي وأسلمته بقرارات رئاسية مباشرة لا تتطلب الرجوع إلى هيئات أخرى.

ويوضح الكاتب "وبناء على نتائج الانتخابات الأخيرة، ورغم أن أردوغان تلقى صفعة قوية بالنتائج الضعيفة التي لم تمنحه أغلبية كبيرة كما كان يحلم. وبفقدانه لعدد هائل من أصوات الناخبين الأتراك، ليس أمامه سوى القيام بضربة أخيرة لتثبيت مشروع أسلمة تركيا للجيل الذي سوف يليه من تلاميذ الإسلام السياسي التركي، الذي يدين للنهج الأردوغاني بالكثير من الولاء.

ويختتم الدكتور سالم الحميد "الآن خمس سنوات أخرى من حكم تيار أردوغان الإخواني تنتظر المجتمع التركي، لكنها لن تكون كالفترات الماضية، لأن أردوغان استعد لها جيداً هذه المرة، ليس بأصوات الناخبين الذين خذلوه ومنحوه رقماً هزيلاً فوق الـ50 بالمئة بقليل، بل لأنه استعد للمرحلة المقبلة في إطار توقعه أنها قد تكون فرصته النهائية لضرب مسمار أخير في جدار العلمانية التركية. لذلك من المتوقع أن تكون الخسائر متنوعة وكارثية إذا ما نجح أردوغان بالفعل في تنفيذ حزمة تغييرات قانونية تطال أسس المجتمع التركي الراهن.

صحيح أن الاقتصاد يتطلب الاستقرار السياسي ورسوخ السلطة. لكن اللجوء إلى الانتخابات المبكرة الأخيرة كان نذير شؤم وبداية لتراجع سياسي وتدشين معارضة ضمنية لأجندة أردوغان المنفردة. فلأول مرة نشهد انتخابات تركية ساخنة إلى درجة أن احتمالات الإعادة كانت قائمة لولا الفارق الضئيل الذي حققه أردوغان بنسبة لا تستحق الابتهاج والفخر.

(ي ح)